كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

مشهد كابول بين الخطأ والخطيئة

مشهد كابول بين الخطأ والخطيئة

تاريخ النشر: 2021-08-23 | 06:50

أخطأ من فوجئ بالخروج الأميركي من أفغانستان، وإن كان من حق الجميع الاستغراب من عدم الانضباط الذي شهد الإجراءات الخاصة بترحيل مواطنيها، والتعامل غير الإنساني الذي تعرض له أصدقاء أميركا من الأفغان المهددين بمستقبل مظلم وسلامة أرواحهم.

يتساءل بعضهم كيف تخرج الولايات المتحدة من أفغانستان بعد أن أنفقت أكثر من تريليون دولار وفقدت أرواح الآلاف من جنودها؟ ويتساءل آخرون كيف تصل واشنطن إلى اتفاق مع طالبان بكل ما يمثله هذا التنظيم من رؤى وصفات وممارسات بعيدة كل البعد عن المبادئ التي تحكم الحياة المعاصرة في الولايات المتحدة والعالم الغربي.

تساؤلات في محلها، ولكن ليس هناك مكان أو مبرر للمفاجئة أو الاستغراب، ويكفي الرجوع إلى مقولة "الصورة بألف كلمة" وأوجه التشابه بل التطابق بين أحداث كابول 2021 ومغادرة سايغون الولايات المتحدة عام 1975، كان ذلك في تحليق الطائرة المروحية العسكرية فوق السفارة، ومشاهد إقلاع الطائرات الأميركية من مطار كابول محملة بالركاب حتى على أجنحتها، وهو نفسه ما شهدناه في فيتنام قبل ذلك بنصف قرن.

لا يستبعد أن يكون القرار الأميركي في إطار تحرك استراتيجي يشمل صراع القوى الكبرى، بخاصة في ظل التركيز على آسيا ومواجهة وإشغال الصين الصاعد بقوة وبسرعة، وعلى المدى المتوسط هناك اعتبارات محددة تحكم تحرك أميركا وسياساتها بصرف النظر عن الانتماء الحزبي لرئيسها أو الأغلبية في الكونغرس، وظلت كذلك ولم تتغير ولم تحد عنها منذ بروز دورها عقب الحرب العالمية الثانية.

أولى تلك الاعتبارات هي تقدير حجم المكسب أو الخسارة من أي قرار، وكان ذلك بدخول أي ساحة أو البقاء فيها أو الخروج منها، وكما أكرر دائماً السياسة الخارجية الأميركية تحكمها المبادئ والأهداف نفسها التي تحكم السياسة الاقتصادية للولايات المتحدة، وهو اقتصاد السوق. قد يتساءل البعض كيف تهدر واشنطن كل ما استثمرته أو أنفقته في أفغانستان بالخروج من الساحة، والإجابة في فهم النظام السياسي الأميركي وتحديداً الانتخابي المتعدد والمتكرر على مستويات مختلفة، رئاسياً كل أربعة سنوات بحد أقصى دورتين، وبرلمانياً على فترات أقصر تصل إلى عامين، وكذلك على مستوى المحليات. هو نظام يفرض على السياسيين النظر لأغلب القضايا بمنظور مستقبلي قصير الأجل، بعيداً من أحداث الماضي وقراراته، ويعني هذا بإيجاز شديد أن قرار بايدن المنتمي للحزب الديمقراطي بالانسحاب من أفغانستان الآن على الرغم من ضخامة الكلفة السابقة، جاء لرغبته في عدم تحمل مزيد من الإنفاق المادي أو الخسائر الإنسانية، بصرف النظر عن سلامة قرار التدخل فيها من عدمه بالأساس، الذي اتخذه جورج بوش الابن، ويطبق بايدن في ذلك مبادئ اقتصادية مادية، ومقولة عدم إهدار مزيد من المال على مشروع فاشل، وغرضه من تلك الخطوة الحد من الخسائر المستقبلية، وهو نفسه ما فعله رئيس أميركي جمهوري في فيتنام.

وغني عن القول إن الفوضى وعدم الانضباط في عمليات الخروج من كابول ترك انطباعاً سيئاً عن صورة الولايات المتحدة وأداء الإدارة الحالية، في ما يتعلق بخروج الدبلوماسيين الأميركيين والأجانب ومؤيديها من الأفغان، فضلاً عن تسليم البلاد لـ "طالبان" التي تتضمن قيادات كانت في السجن الأميركي في غوانتانامو، ومع هذا خرج الرئيس بايدن معلناً وبقوة أنه متمسك بقرار الخروج باعتباره في مصلحة بلاده، وتحدث كذلك لعلمه أن المجتمع الأميركي مرهق سيكولوجياً من استمرار المواجهات العسكرية الممتدة، بخاصة مع صعوبة إيضاح الخطر المباشر على بلاده أو المصلحة في البقاء واستمرار الإنفاق.

وتحدث بايدن كذلك لاقتناعه أن بلاده ستتجاوز التداعيات قصيرة الأجل على سمعتها من هذا القرار، وأن المجتمع الدولي لن يستطيع مقاطعة أميركا أو الاستغناء عنها، أسوة ما تم بعد فيتنام القرن الماضي وغزو العراق أخيراً.

وشخصياً لا أتفهم تساؤلاتنا عن السياسات الأميركية، وعلى الرغم من أن الاعتبارات التي تحكمها واضحة، وهي المصلحة الوطنية والمادية قصيرة الأجل اليوم وغداً، في حين أن السؤال الأوقع والأهم هو موقف الدول الصديقة وغيرها إزاء تلك السياسات بكل ما تحمله من خطيئة، فإن تساؤلنا يجب أن ينصب على ردود أفعالنا وسياساتها إزاء هذا الثبات في المواقف والخطيئة الأميركية.

لا أشك في قوة الولايات المتحدة وغناها، وهو ما سيجعل كثيراً من الدول تتجاوز تلك الأحداث وتظل تسعى إلى علاقات قوية معها، وهو ما فعلته بعد أحداث فيتنام والعراق، وسبق أن وصفت وزيرة الخارجية الأميركية مادلين أولبرايت بلادها بأنها قوة لا غنى عنها، وإنما بات واضحاً مرة أخرى من الأحداث الأخيرة أن القوة والثروة وقوة التحمل لها حدود، وأن الخطأ بل الصحبة لها ثمن.

ومن الدروس المستفادة والمهمة التي يجب أن يخرج بها المجتمع الدولي من الأحداث الأخيرة هي أنه مع أهمية الولايات المتحدة فإنه من الخطأ الاعتماد عليها أكثر من اللازم، لأنها لن تتردد في اتخاذ قرارات على حساب مصالح غيرها بمن فيهم الأصدقاء والحلفاء إذا لزم الأمر، إذاً إدارة التعاون مع أميركا واجبة، إنما الاعتماد المبالغ فيه عليها خطأ، وأرى أن التفاعل الوطني والإقليمي أفضل سبيل على المدى المتوسط والطويل، لأنه يستجيب ويتفاعل مع الواقع المباشر على الأرض، وقدرات وطموحات مباشرة في ساحتنا المشتركة يمكن تقديرها والتفاعل معها بشكل أفضل.

من ناحية أخرى، وبعد غزو العراق وأفغانستان وغير ذلك من الاشتباكات العسكرية المكلفة وغير الناجحة، على الولايات المتحدة اليقين أن صراع القوى الكبرى في إطار نظريات استراتيجية شيء، والتعامل مع الواقع الوطني والهوية المجتمعية للدول عبر العالم شيء آخر، وعليها الاستفادة من أخطاء غرور القوة والثراء المبالغ فيه، وقراءة الساحات الوطنية والإقليمية قبل الاشتباك فيها، والتهور في عمليات عسكرية تحمل في طياتها خسائر كبيرة، بل عليها بحث ومراجعة السبل المختلفة لتحقيق أهدافها في ساحات مختلفة، فالتفوق في معارك لا يعني بالضرورة الانتصار في الحروب، والأعمال العسكرية لا تحسم كل القضايا، أو تحقق كل الأهداف، خصوصاً مع توافر أدوات تحفيزية عدة لها، إذا كانت أكثر احتراماً وتقديراً لمصالح الغير، وتسعى إلى الوسطية والاعتدال الأمني والاستقرار الدولي.

×
أخبار
بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط