كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

مصالحات إقليمية

مصالحات إقليمية

تاريخ النشر: 2021-09-08 | 08:32

تغيرات كثيرة تجري حالياً في خريطة الشرق الأوسط، ليس بتغيير حدود الدول، وإنما بتحولات عميقة تعيد ترتيب المصالح السياسية وسقوفها. ولعل أكثر هذه التغيرات ظهوراً تلك الحالة من الانسحاب الذي أجرته الولايات المتحدة من أفغانستان، وما اتفقت عليه مع العراق أن يكون انسحابها قبل نهاية العام، وما هو جائز الحدوث خلال نفس الفترة، من انسحاب ما تبقى من قوات في سوريا.

هذا الخروج من إقليم، تعودت واشنطن على البقاء فيه، وبالتحديد منذ أحداث 11 سبتمبر (أيلول) 2001، يقلب كثيراً من موازين القوى في المنطقة، والمرجح في العالم. ما يهمنا هو أن الدور الذي كانت تلعبه الدولة العظمى قد تراجع، وهي التي كان لها وجود وحضور في قضايا المنطقة كلها، من الصراع العربي الإسرائيلي، إلى قضية انتشار الأسلحة النووية، وآخرها التعامل مع سعي إيران لامتلاك السلاح النووي، ما قاد إلى اتفاق مع أميركا، ومعها الدول الكبرى عام 2015.

والآن، رغم الانسحاب الأميركي من الاتفاق تحت إدارة ترمب في عام 2018، فإنها حالياً تعود إلى المفاوضات من أجل إحياء الاتفاق النووي مرة أخرى. تفاصيل ذلك ومستقبله سوف يظل رهن المتابعة والمراقبة، لكن ما يهمنا أن عودة الاتفاق مرة أخرى سوف يستكمل صورة الولايات المتحدة التي تتجنب المواجهات العسكرية، بينما تنظر إلى السياسة الدولية من زاوية الدبلوماسية والقدرات الاقتصادية.

التغيير الموازي للحركة الأميركية هو اتجاه لدى دول المنطقة نحو التصالح والتهدئة، كانت ذروته الأخيرة متمثلة في مؤتمر بغداد الأخير الذي ربما كان لدعم العراق في مواجهة تحديات مقلقة، لكنه كان أيضاً أداة لفتح طريق من المصالحات بين دول المنطقة. ظهر ذلك في الدور العراقي لفتح طريق الاتصالات بين المملكة العربية السعودية وإيران، وفي اللقاء الذي تم بين الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي وأمير قطر تميم بن حمد آل ثاني، وفيما ظهر من اتفاق بعد المؤتمر على التواصل المصري التركي من خلال زيارة دبلوماسية رفيعة المستوى مقابل زيارة مماثلة كان وفد تركي قد قام بها إلى القاهرة. وعلى المنوال نفسه، جرت اتصالات إماراتية تركية، وصلت إلى القمة من البلدين. كان أصل التغيير كامناً فيما عرف ببيان مؤتمر «العلا» أثناء انعقاد قمة مجلس التعاون لدول الخليج العربية، والذي سعت إليه المملكة العربية السعودية، ووضع الأساس لانتهاء ما كان يسمى ـ«الأزمة القطرية». تفاصيل الأزمة وما جرى فيها، ومن كان مسؤولاً عنها سوف يكون مجالاً للمؤرخين، لكن الأمر المهم هنا هو تراجع حدة الأزمة بصفة عامة. والمشكلة هي مظاهر التوتر الإعلامي، وقطع العلاقات الدبلوماسية، والاحتكاكات الجيوسياسية على مسرح الأزمة الليبية ومنطقة شرق البحر المتوسط.

كان محيطاً بهذه التغيرات ما بات واضحاً من تغيرات ناجمة عن الخروج الأميركي من الإقليم، وما ترتب عليه من سعي الدول الإقليمية إلى تولي أمورها بذاتها وخلق مناخ مواتٍ لترتيبات الأمن الإقليمي، وسوف نتحدث عنها بعد قليل. لم يعد هناك كثير من الخيارات إلا أن تأخذ دول الإقليم الأمور بيدها من خلال التعامل المباشر مع الدول الإقليمية غير العربية؛ إيران وتركيا وإسرائيل. وجرى هذا التعامل من خلال اتجاهين؛ أولهما تبنته مصر لإنشاء منتدى الغاز لشرق البحر المتوسط الذي يضم مصر وإسرائيل والأردن وفلسطين وقبرص واليونان وإيطاليا، والذي لا يخلق مصالح خاصة بالطاقة فقط، وإنما بالصناعات المعتمدة عليها وأساليب النقل والتوزيع والتسييل. وثانيهما أن الاتفاقيات الإبراهيمية التي أجرتها دولتا الإمارات العربية المتحدة والبحرين، ثم لحقت بهما المغرب والسودان، أعادت تشكيل بيئة ومناخ الصراع العربي الإسرائيلي في اتجاه التعامل مع حزمة واسعة من التحديات الإقليمية بجوار فتح أبواب جديدة للتعامل مع الصراع الفلسطيني الإسرائيلي الذي دخل مرحلة جديدة بعد حرب غزة الرابعة وما نجم عنها من تطورات. لكن المهم في هذه التوجهات لم يكن فقط راجعاً إلى حالة التوترات والاحتكاكات واحتمالات الصراع الخارجية، إنما من ناحية أخرى، عرف الداخل العربي أيضاً دافعاً رئيسياً للتعامل مع الدول الإقليمية من خلال حلول إقليمية للمشكلات. هذا الدافع يستند إلى اتجاه الإصلاح الشامل الاقتصادي والاجتماعي في كثير من الدول العربية المعنية، وفي المقدمة منها مصر والسعودية ودول الخليج العربية وتونس والمغرب والسودان. هذه العملية الإصلاحية التي جرت منذ عام 2015، وعلى مدى نحو 7 سنوات، خلقت حالة من النمو والتقدم الذي أصبح في حدّ ذاته دافعاً نحو تسكين البيئة الإقليمية، وإعطاء الفرصة لعملية الإصلاح لكي تحقق مزيد من التحديث والتقدم.

مثل هذه الحالة من المنطقة، وحرمة التدخل في الشؤون الداخلية للدول، وباختصار شديد الامتثال للقواعد التي جرى التوافق عليها في المواثيق الدولية مثل ميثاق الأمم المتحدة. مثَّل الحديث عن هذه القواعد نوعاً من الدهشة لدى كثير من المراقبين، على أساس أنه مع المعرفة بوجود هذه القواعد، فإن كثرة اختراقها جعل منها نوعاً من المثالية التي يجري تجاوزها في إقليم الشرق الأوسط بشكل متواتر. لكن ذلك ربما كان الإصلاح الداخلي والتهدئة الخارجية تفتح الباب للحديث عن «الأمن الإقليمي» كمدخل للتعامل مع المعضلات الإقليمية الحادة التي تضخمت خلال السنوات العشر الماضية بتأثير خلل ما سمي «الربيع العربي»، والتدخلات الأميركية غير الحكيمة أو الحميدة، والبيئة الصراعية في علاقات دول الشرق الأوسط. ولعل خطاب الرئيس عبد الفتاح السيسي في مؤتمر بغداد قد عاد إلى أصول المسائل بالدعوة إلى الاعتراف بالنظام الدولي القائم في تحديداً السبب الذي دعا الرئيس المصري إلى وضع هذه القواعد مرة أخرى، وبهذا الوضوح على مائدة اجتماعات المؤتمر، لأنه لا يمكن توفير الأمن الإقليمي لجميع أطراف الإقليم دون أن تكون هذه المبادئ ماثلة وحاضرة، لأنه بدونها كان السبيل قائماً إلى الفوضى والحروب الأهلية والتدخل من قبل الدول العظمى.

قبل أكثر من عامين، جرى في هذا المقام طرح هذه الزاوية الخاصة بالأمن الإقليمي لخلق إطار إقليمي للتخلص من نزاعات المنطقة ووضعها على طريق الحل، وفي الوقت نفسه حماية عمليات الإصلاح الداخلية من الاعتداءات الخارجية، وأكثر من ذلك خلق علاقات تعاونية مفيدة بين جميع الأطراف.

الآن يبدو الواقع الإقليمي مواتياً للتعامل مع الدول الإقليمية غير العربية من خلال زاوية المصالح المشتركة لجميع الأطراف. المحفز الرئيسي لكل ذلك هو وجود نواة من الروابط العربية التي تسعى إلى الاستقرار داخل الدول العربية، كما هو متاح في العراق، ومواجهة الإرهاب كما هو مهدد للجميع، وفي الطريق دعم الإصلاحات الداخلية في الدول العربية بخلق أسواق واسعة، سواء أكان ذلك في شرق البحر المتوسط أو شمال البحر الأحمر. والأرجح أن الاقتراب من الواقع الإقليمي بدون الولايات المتحدة ربما يكون أكثر فاعلية وتأثيراً.

عن الشرق الأوسط اللندنية

×
أخبار
الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو تقرير: عقيدة ما بعد 7 أكتوبر تُعلي الهوية اليهودية وتضع إسرائيل في حالة مواجهة عسكرية دائمة تباين حاد بين استطلاعات الرأي الإسرائيلية حول موازين القوى قبل أسبوعين من انتخابات الكنيست الدفاع المدني السعودي: إطلاق الإنذار المبكر في مدينة الرياض بسبب تهديد جوي أردوغان يدين هجوم مطار الملك خالد ويتوعد الحوثيين: "سيتم تفعيل بند الدفاع المشترك في اتفاق مكة " الاتحاد الأوروبي يدرج 1650 كياناً وفرداً روسياً جديداً ضمن قوائم العقوبات

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط