كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

مصــــــر بين مشيرين

قبل ثلاث سنوات بالضبط سأل الرئيس الأسبق «حسنى مبارك» المشير «محمد حسين طنطاوى» أن «يحمى الشرعية» أو «يشيل الشيلة». بدا «طنطاوى» محرجا، فالشرعية تقوضت والجيش يستحيل عليه أن يتصادم مع شعبه. تناقضت اعتبارات الولاء التقليدية مع الإرادة الشعبية التى نهضت لإزاحة نظام تيبست مفاصله وخاصم عصره.

 

قضى الأمر فاضطر «مبارك» فى اليوم التالى (١١) فبراير (٢٠١١) لمغادرة حكم اتصل لثلاثين سنة.

 

فى الأسابيع الأولى لحكم «المجلس العسكرى» ارتفعت حظوظه فى تقلد المنصب الرئاسى، الشعب يثق فى جيشه وجماعة الإخوان المسلمين بسياساتها البراجماتية أبدت استعدادها لتأييد ومقايضة الرجل القوى الجديد فى مصر، والجماعات السلفية بدأت تبايعه فى الميادين العامة أميرا جديدا للمؤمنين(!)، وقوى سياسية مدنية عديدة لم تكن تمانع فى رئاسته كمرحلة انتقالية ضرورية.

 

باستثناء بعض الأصوات التى ارتفعت مبكرا للتنديد بما أسمته «حكم العسكر» فإنه لم تكن هناك معارضة يعتد بها لصعوده الرئاسى، غير أن الطريقة التى أدار بها المرحلة الانتقالية أفضت إلى سحب على المكشوف من رصيد الجيش فى الحياة العامة وتدهورت صورته بفداحة.

 

عزف المشير «طنطاوى» عن الترشح للرئاسة بعد أن آلت إليه مقاليد السلطة لأسباب متداخلة من بينها حالته الصحية ورغبته أن يقضى ما تبقى له من عمر بين أولاده وأحفاده. فى الوقت نفسه حجب أية احتمالات لترشح نائبه الطموح الفريق «سامى عنان» فطالما لن يترشح هو فإن أحدا آخر من المجلس العسكرى لا يحق له التطلع للمنصب الرئاسى.

 

عندما بدأ السباق إلى قصر «الاتحادية» لم يحسم المشير «طنطاوى»: مع أى مرشح يقف؟.

 

قال للواء الراحل «عمر سليمان»: «على بركة الله».. ولم ينبس بكلمة إضافية. بالقدر ذاته لم يتحمس لترشيح الفريق «أحمد شفيق».

 

كان قلقا بدرجة ما أن يتولى رئاسة الجمهورية رجلا بخلفية عسكرية يحاول إعادة استنساخ أدوار أسلافه فى العلاقة مع القوات المسلحة. تحفظ على «عمرو موسى» عندما علت فرصه باستطلاعات الرأى العام فى بداية السباق الرئاسى، ولم يكن مقتنعا بأن «مرشحى الثورة» بحسب التعبير الذى شاع وقتها لديهم فرصة. أبدى تعاطفا مع الراحل «منصور حسن» لكنه لم يحاول أن يسانده. راقب التطورات الجارية أمامه وتدخل فيها بأضيق نطاق وترك مصير البلد لمقاديره.

قرب حسم الانتخابات الرئاسية استبدت به الحيرة واحتار مقربوه معه، فلا مرشح يزكيه للرئاسة ولا حسم لمواقيت مغادرته المؤسسة العسكرية، فقد كان الحاكم الفعلى للدولة ورجلها القوى لعام ونصف العام. تضايقه الضغوط الأمريكية لكنه لا يصدها ويتابع تفاهماتها مع الاخوان المسلمين بلا اعتراض.

فى المشهد حيرة رجل لا يعرف بالضبط كيف يتصرف فى الأوضاع الجديدة. لم يطل الوقت عليه بعد صعود مرشح الإخوان المسلمين الدكتور «محمد مرسى» لقصر الاتحادية فقد أطاح به بعد أسابيع.

قرب النهايات تحكمت فيه نزعتان.. الأولى جسدتها عبارة منسوبة إليه: «لن أسلم البلد إلى الإخوان المسلمين»، وفيها اعتبارات ومشاعر متضاربة، فهو ملتزم بتسليم السلطة لمدنيين فى المواقيت المقررة وقلق فى الوقت نفسه أن تئول إلى جماعة الإخوان المسلمين.. والثانية عكستها عبارة أخرى توقع فيها أن: «الجيش سوف يعود بشروطه إلى ساحات السياسة فى غضون ستة أشهر»، وفيها اختلطت التوقعات بالأمنيات، فالأزمات السياسية والأمنية والاقتصادية التى خبرها بنفسه مرشحة للتفاقم، وفى الخلفية شىء من تمنى رد الاعتبار للمرحلة الانتقالية التى قادها.

أخفقت نزعته الأولى وسلم بنفسه السلطة للإخوان المسلمين وتأخرت الأخرى لستة أشهر إضافية على ما توقع، فقد أطيح بالجماعة فى (٣) يوليو انحيازا لإرادة شعبية جديدة تجلت فى (٣٠) يونيو (٢٠١٣).

تصدر المشهد الجديد رجل آخر حمل تالياً رتبة المشير من أقرب معاونيه لسنوات طويلة والعلاقة بينهما ــ بعيدا عن أية اعتبارات سياسية ــ أقرب إلى أب وابنه.

فى حقائق القوة الكامنة، بغض النظر عن أدوار الرجال، لم تكن إقالة «طنطاوى» خطا أحمر رسم فى الهواء لدور الجيش فى السياسة.

لم يكن هناك مفر من إطاحة «مرسى» وجماعته، فالبديل احتراب أهلى طويل ومهلك والتأخر فى الانحياز للإرادة الشعبية يفضى إلى أن تكون المؤسسة العسكرية نفسها جزءا من الفوضى وطرفا فيها لا مدخلا إلى مستقبل يحفظ البلد ويصونها.

تجنب الرجل القوى الجديد «عبدالفتاح السيسى» سيناريو الحكم العسكرى على النحو الذى جرى فى المرحلة الانتقالية الأولى وأسند السلطة إلى رئيس المحكمة الدستورية العليا والحكومة إلى قيادات فى «جبهة الإنقاذ» واستولت عليه فى البداية فكرة أن يحفظ التاريخ صورته كـ«منقذ» لا كـ«رئيس» غير أن الضرورات استدعته للترشح الرئاسى، الحرب على الارهاب والفراغ السياسى يدفعانه لمهمة شبه مستحيلة فى تحمل «الشيلة». يدرك أن تبعاتها أطاحت «مبارك» الذى وصف مصر قرب نهايات حكمه بـ«الخرابة».. واستنزفت أعصاب «طنطاوى» الذى تساءل كثيرا: «ما الذى فعلته حتى تهتف المظاهرات ضدنا؟».. وقوضت حكم «أول رئيس مدنى منتخب» تصورت جماعته أن بوسعها «التكويش على الدولة» رهانا على تحالفات دولية وإقليمية وبنى تنظيمية متأهبة أن تردع بالسلاح من يفكر فى إطاحتها.

فى اعتقاد المشير «السيسى» أن أفضل ما ينسب للمشير «طنطاوى»، رغم سوء إدارة المرحلة الانتقالية الأولى، أنه تمكن من الحفاظ على الجيش وتماسكه وإبعاد أشباح الخطر عن ثكناته فى ظروف عاصفة.

حافظ على العهد العسكرى ذاته عندما أصبح وزيرا للدفاع على عهد «مرسى». حاول بقدر ما يستطيع إعادة الجيش إلى مهامه الأصلية وتأكيد تماسكه وإبعاده عن المجال السياسى، لكنه وجد نفسه فى وضع اضطرارى عائدا من جديد للميادين المفتوحة.

بحسب معلومات موثوقة إنه فكر فى أن يدرج فى نص خطابه يوم (٣) يوليو إشارة تحية إلى «طنطاوى» والمجلس العسكرى الذى كان عضوا فيه لكنه استبعدها خشية خلط الصور وإرباك التصورات.

وهو يقترب من حسم رئاسة الجمهورية فإن تجربته مع ثلاثة تحولات كبرى فى ثلاث سنوات تدعوه لقراءة الخرائط السياسية بنظرة مختلفة.

هو الذى اقترح على «طنطاوى» إعداد خطط احترازية تواجه احتمالات متوقعة لغضب شعبى جامح عند الشروع فى انتقال السلطة من الرئيس الأسبق «مبارك» إلى نجله الأصغر «جمال».

كانت هناك تكهنات قوية بأن «مبارك» قد يعلن عدم ترشحه للانتخابات الرئاسية المقبلة مفسحا المجال لنجله فى مايو (٢٠١٠) للإعلان عن خوضه هذه الانتخابات ووراثة أبيه على المقعد الجمهورى، لكن الحوادث سبقت خططه وجرت ثورة شعبية فى يناير، وبعض ملامح خطته نفذت بتعديلات عليها لتتسق مع الأوضاع المستجدة.

فى مرة ثانية وجد نفسه فى دوامات إطاحة المشير «طنطاوى» بالطريقة التى جرت بها وبدا رجلا ممزقا بين اعتبارات تجديد دم المؤسسة العسكرية وولائه للمشير الذى تولى تصعيده إلى أعلى المراتب ورشحه لخلافته.

هكذا وصل إلى التحول الثالث، لكنه هذه المرة كان الرجل الأول فى اللعبة كلها.

إنه رجل استراتيجى بدراسته وتفكيره وما يبدو عليه من عاطفية فى خطاباته المقتضبة لا تعكس أبعاد شخصيته كاملة.

وهو يتقدم لرئاسة الدولة فإنه يدرك من موقعه أنه أمام «شيلة» ثقيلة وأن الإخفاق فى مهمته العسيرة يسحب من شعبيته ويضع مستقبل البلد كله بين قوسين كبيرين.

عن الشروق المصرية

×
أخبار
مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو تقرير: عقيدة ما بعد 7 أكتوبر تُعلي الهوية اليهودية وتضع إسرائيل في حالة مواجهة عسكرية دائمة تباين حاد بين استطلاعات الرأي الإسرائيلية حول موازين القوى قبل أسبوعين من انتخابات الكنيست الدفاع المدني السعودي: إطلاق الإنذار المبكر في مدينة الرياض بسبب تهديد جوي أردوغان يدين هجوم مطار الملك خالد ويتوعد الحوثيين: "سيتم تفعيل بند الدفاع المشترك في اتفاق مكة "

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط