كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

مصر في قلب عاصفة غزة.. ضغوط متجددة ومعادلة إقليمية معقدة

مصر في قلب عاصفة غزة.. ضغوط متجددة ومعادلة إقليمية معقدة

تاريخ النشر: 2025-10-05 | 15:40

شكّلت عملية حماس في السابع من أكتوبر 2023 نقطة انعطاف حاسمة في المشهد الإقليمي، فقد تجاوزت العملية كونها حدثًا أمنيًا أو مواجهة عسكرية محدودة، لتكشف عن تحولات استراتيجية أعمق، حيث تحوّلت الأهداف الإسرائيلية من مجرد استعادة رهائن أو تقويض قدرات الحركة، إلى سعي لإعادة صياغة المنظومة الأمنية والجيوسياسية في الشرق الأوسط. وفي قلب هذه التحولات، تجد القاهرة نفسها أمام اختبار استراتيجي يمس إرثها الدبلوماسي وصلابة معاهدة السلام المصرية–الإسرائيلية، ويضعها أمام شبكة ضغوط متجددة ومساومات إقليمية ودولية معقدة.
أولاً: الضغوط التاريخية والإقليمية على الدور المصري.
منذ اندلاع أحداث الربيع العربي، واجهت القاهرة محاولات متواصلة لتحجيم دورها الريادي والتاريخي، فقد برزت مشاريع إقليمية منافسة سعت إلى إعادة توزيع موازين القوى في المنطقة، بعضها مدعوم بأطراف دولية حاولت تهميش مصر وإقصاءها عن الملفات الساخنة، سيّما الملف الفلسطيني، وفي هذا السياق برزت أطروحات اعتبرت مصر "الجائزة الكبرى"، الأمر الذي زاد من حدة التنافس حول مكانتها في الإقليم.

ورغم هذه الضغوط، استطاعت القاهرة أن تشكّل حاجزًا استراتيجيًا أمام مخططات التهجير القسري للفلسطينيين، وأن تتحمل عبء الاتهامات المرتبطة بحصار غزة، مع أنها لعبت مرارًا دور الوسيط الحصري في تثبيت الهدنات وتخفيف المعاناة الإنسانية في القطاع.

ثانياً: الخطة الأميركية ومعضلة الدور المصري.
جاءت الخطة الأميركية التي طرحها الرئيس دونالد ترامب كجزء من رؤية شاملة لإعادة هندسة المشهد الإقليمي، متضمنةً ثلاث ركائز أساسية تمس موقع مصر مباشرة:

1. إعادة تشكيل منظومة الأمن الإقليمي

يقوم الطرح الأميركي على تعاون أمني ثلاثي (مصري، إسرائيلي، وقوة سلام عربية ودولية) لتأمين الحدود الجنوبية عبر أنظمة مراقبة متطورة، ورغم أن هذه الخطوة قد تُسهم في تقليل التهديدات الأمنية القادمة من غزة وتخفف الضغط على مصر، فإنها تحمل مخاطر واضحة على السيادة الوطنية، إذ قد تفتح الباب لوجود قوى غير محايدة أو وصاية دولية على الحدود دون ضمانات مقبولة للقاهرة.

2. الأحادية السياسية – احتكار واشنطن للمسار التفاوضي.
رغم مشاركة مصر في صياغة الخطوط العريضة للمبادرة، فإن الخطة تضع واشنطن في موقع المحرك الوحيد للعملية السلمية والمفاوضات، وهذا التوجه يُهدد بتقليص الدور المصري التاريخي كوسيط حصري في النزاع الفلسطيني–الإسرائيلي، ويضعف من مكانتها التفاوضية في أي مسار سياسي لاحق.

3. الهيمنة على عملية إعادة الإعمار

يقترح الطرح الأميركي إنشاء صندوق دولي لإعمار غزة تهيمن عليه واشنطن، وهو ما قد يحرم مصر من إحدى أدوات نفوذها التقليدية والاقتصادية في القطاع، ويُقيِّد قدرتها على التحكم في مسار الإعمار وربطه بمصالحها الإقليمية.

ثالثاً: أوراق القوة المصرية
أمام هذه المساومات الإقليمية والدولية، لا تزال القاهرة تمتلك أوراق ضغط استراتيجية تعزز من موقعها:

● الرافعة الجيوسياسية: موقع مصر الاستراتيجي يجعلها لاعبًا لا غنى عنه، فهي تتحكم في قناة السويس وأمن البحر الأحمر، وتشكّل بوابة غزة وشريكًا حدوديًا لإسرائيل، ما يمنحها قوة ضغط يصعب تجاوزها.

● التحالفات الإقليمية والدولية: تعتمد القاهرة على سياسة تحالفات مرنة ومتعددة الاتجاهات، تجمع بين تعميق الشراكة العربية، والانفتاح على روسيا والصين والاتحاد الأوروبي، وتوسيع دائرة العلاقات داخل إفريقيا.

● الأدوات الدبلوماسية المتجددة: تستثمر مصر في أدوات متنوعة كالدبلوماسية البرلمانية، وتفعيل دور المجتمع المدني، مدعومة بخطاب سياسي حازم يرفض التهجير أو الوصاية الخارجية.

● القوة الناعمة والخطاب السياسي: من خلال الإعلام والدبلوماسية الثقافية، تعيد القاهرة إنتاج خطابها الذي يؤكد دورها كضامن أساسي للأمن والاستقرار في المنطقة.

رابعاً: الاعتبارات الداخلية المصرية

لا يمكن فصل الموقف المصري عن اعتبارات الداخل، حيث تتقاطع الأبعاد الأمنية والسياسية والاقتصادية في صياغة موقف القاهرة:

■الأمن القومي: أي سيناريو للتهجير القسري من غزة يُشكّل تهديدًا مباشرًا للأمن القومي المصري، إذ قد يُغيّر التركيبة الديموغرافية في سيناء ويخلق بؤر توتر أمني جديدة.

■الحالة الاقتصادية: تمر مصر بمرحلة حساسة من الإصلاحات الاقتصادية والديون الخارجية، وأي ضغوط جديدة قد تضعها أمام معادلة صعبة بين تلبية متطلبات الداخل والحفاظ على نفوذها الإقليمي.

■الرأي العام: المزاج الشعبي المصري يميل إلى رفض أي ترتيبات قد تمس القضية الفلسطينية أو تمهّد لتهجير سكان غزة، ومن ثمّ فإن النظام السياسي المصري مُلتزم بمراعاة هذا البعد.

خامساً: التحديات والفرص المستقبلية
تمثل الخطة الأميركية تحديًا مزدوجًا لمصر: فهي تتيح لها فرصة لتعزيز دورها إذا نجحت في التفاوض على ضمانات سيادية وأمنية واضحة، لكنها تنطوي في الوقت نفسه على مخاطر تقليص نفوذها التقليدي تحت الهيمنة الأميركية.
من جهة أخرى، يمكن للقاهرة أن تستثمر هذا الظرف لإعادة إنتاج دورها الإقليمي عبر:
□تعزيز الدبلوماسية الوقائية لحماية حدودها وأمنها القومي.
□المناورة بين القوى الكبرى، بحيث لا تتحول إلى تابع للولايات المتحدة أو رهينة للمحاور الإقليمية.
□تفعيل دورها في إعادة الإعمار، حتى ولو من خارج الصندوق الأميركي، عبر تحالفات بديلة مع شركاء إقليميين ودوليين.

رغم تشابك المشهد وتعقيداته، تبقى القاهرة لاعبًا لا غنى عنه في المعادلة الإقليمية، فإرثها الدبلوماسي، وعلاقاتها المتوازنة، وقدراتها الأمنية واللوجستية، تجعلها عنصرًا حاسمًا في أي هندسة جديدة للشرق الأوسط، غير أن التحدي الحقيقي أمامها يتمثل في قدرتها على تحويل هذه الضغوط إلى منصة لتجديد دورها الإقليمي، لا إلى خطوة على طريق التراجع عن مراكز النفوذ التاريخية.

إن اختبار غزة قد يكون لحظة فاصلة لمصر، إما أن تعيد من خلاله تثبيت دورها كقوة إقليمية لا يمكن تجاوزها، أو أن تجد نفسها أمام تقليص نفوذها في ظل هيمنة دولية جديدة على المنطقة.

×
أخبار
مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط