كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

مصر ولبنان.. قصة جبل ونهر بعيون صحراوية

مصر ولبنان.. قصة جبل ونهر بعيون صحراوية

تاريخ النشر: 2017-03-30 | 08:32

< في أمسية قاهرية وفي النادي الارذوكسي شتاء ٢٠١٤، وجدت نفسي في قلب حوار أفكاره عميقة ولغته بسيطة، حوار أشبه بالشعر «الحلمنتيشي» (الشعر الجامع بين الألفاظ العامية والفصيحة بهدف وصف سلوك أو مشاعر بشكل هادف). في هذا الحوار كان هناك لبناني يصف مصر ومصري يصف لبنان، وكلاهما يمدح. وأنا معهم وبينهم، سعودي من بلاد التمر والجمر كما كان جدي يصف نفسه. أسمع وأسجل بكل حواسي، متابعاً وعقلي كله آذان صاغية. طال النقاش وامتد إلى منتصف الليل، ولكن الشغف استمر يلمع بعيون الحاضرين عند الحديث عن البلدين.

كنت جالساً بجانب ناشر صحيفة السفير اللبنانية طلال سلمان (توقفت الصحيفة عن الصدور بعد سنتين)، وأخذت أتبادل معه أطراف الحديث، هو مصري الهوى، يحكي وبقناعة مطلقة عن مصر التي لن أعرفها إلا في الكتب، مصر فترة الخمسينات والستينات من القرن الماضي. حاولت مراراً خلق توازن أفكار بوصف بلده لبنان، إلا أنه كان قاطعاً جازماً برأيه بقوله: «يا ابني مصر بتحضنك متل الأم». قلت في نفسي عجيب هذا الأمر صحافي شامي ومن جبل لبنان يرى أن مصر هي أم الدنيا.

المهم لم يقصّر أحد في الحديث، وبخاصة عند كلام الكاتب المصري علاء الدين الأسواني، إذ أسهب وعلى طريقته في الوصف روائياً، ثم أخذ الكلام الصحافي المصري أحمد الجمال إلى مستوى فن المسرح، مضمون تمثيلي بإضاءة وجه القمر، إذ كنا نجلس على شرفة النادي.

عند انقضاء السهرة وأثناء العودة إلى الفندق مشياً، استمر الحوار بيني ونفسي. ليلتها أخذت أسترجع كل النقاش وأفكاره، وأكثر ما لفت انتباهي أنه نحن، الجيل الجديد من العالم العربي وتحديداً السعودي، نرى صورة مبتسرة للبنان ومصر. صورة تلوح كباقي الوشم في ظاهر اليد على حد وصف الشاعر الجاهلي. ففي مصر نرى الأهرام وعبدالناصر والإخوان المسلمين والاقتصاد المتردي. وكذلك بيروت سلاحاً متفلتاً، وحزب الله وأكل من فوق ومن تحت ولا سبيل للهرب في حال الحرب.

اندفعت بعدها باحثاً عن صورة لمصر ولبنان. عن شخصية بلدين دائماً ما يجدون لأنفسهم مكاناً في وجدان كل عربي. وعلى رغم الصورة النمطية السائدة اليوم، استثارني حوار القاهرة، وتذكرت كتاب الباحث المصري جمال حمدان «شخصية مصر: دراسة في عبقرية المكان». يشرح فيه كيفية قراءة الخريطة. فالخريطة هي خريطة تضاريس وليست خريطة بشر فقط. عندها تعرفت على شخصية مصر النهر ولبنان الجبل.

مصر أم الدنيا.. لا سكون ولا ضجيج على أرض مصر. ولا صوت يعلو فوق صوت النهر. كل يجري على إيقاع مياه النيل. نوتة مصرية نزح إليها البشر قبل 10 آلاف سنة بحثاً عن الاستقرار على ضفاف أطول نهر في العالم. ومازال سكانها إلى اليوم يحب العيش على ضفافه. وأم الدنيا شعار يهدر في شريان الوجدان المصري كهدر مياه النيل. شخصية نهرية بامتياز.

النيل، مثله مثل الأم، يفيض بعطائه ومن دون مقابل، والجميع يتشارك من خيرات فيضه، من زراعة أو صناعة أو تجارة أو حتى اختراع الفكاهة. وطبعاً كل ما يرادف هذه المهن، كالفن والتاريخ والأمن والعمل السياسي. ولاستمرار هذا النموذج الاجتماعي برزت الحاجة الدائمة إلى نظام الحاكم المركزي. أو «الفرعون» لضمان الاستقرار والتأكيد على حصول الكل لحاجهتم إلى خيرات النهر. ولكي توضح الصورة دعناً نتخيل حركة الماء.

تمطر السماء فتجري المياه، تسافر من أعالي الصعيد لتصب على مائدة البحر الأبيض المتوسط كما كان يصفها محمد حسنين هيكل. قوى الجاذبية تضمن سريان تدفق الماء. غير أن سكان الضفاف بحاجة إلى قوة سلطة لتنظيم المنفعة. حاكم بأمر النهر يضمن عدم منع وصول الماء إلى قرية بسبب الأخرى. يحل الخلافات ويحمي الأعراض. من هنا تخطو الدولة المركزية أولى خطواتها. فمفهوم المركز متجذر في الشخصية المصرية (الفرعون).

لنتأمل المفارقات الآتية، القاهرة هي العاصمة ولكن ينادونها مصر. مثلاً يقال «آنا نازل مصر». الطريق السريع الرابط بين مدينة الإسكندرية والقاهرة اسمه «طريق الإسكندرية - مصر». حتى ثورة ٢٥ كانون الثاني (يناير) منذ أن اعتصم الشعب في ساحة التحرير وسط العاصمة خسر النظام علة قيامه. حتى وإن اعتصمت بقية المدن والقرى. المهم المركز.

مازحاً ذهب بعض المشاغبين في الحوار القاهري إلى وصف الثورة ضد الرئيس مبارك. قائلاً: «إنها لم تكن ضد الرئيس لأنه تفرعن بل لأنه ما عاد فرعوناً». مستنتجاً أنه لطالما أنجب النهر فرعوناً لمصرها.

لبنان قطعة سماء.. لا أسقف في لبنان. لا في الطموح ولا في الجموح. كل فكرة وأية حركة تريد أن تلامس السماء. إذ شكل لبنان وجبله تحديداً ملاذاً لكل من يعاني الاضطهاد، سواء أكان فرداً أم قضية. وفي الوقت نفسه استقطب بجماله كل أنواع الابتكار. مكتسبة بذلك شخصية أهل الجبال. شخصية لا حدود أو سقف لها. حتى أرض لبانة آخنوخ (النبي إدريس) لم تكن لترضى بمكان رومانسي حين أراد وصفها الشاعر يونس الابن، فجعلها قطعة من السماء. صحيح هي مبالغة في الوصف ككل الشعر، ولكن للدقة هي مبالغة شاعر من جبل لبنان. جبل لبنان صانع هوية سكانه. هوية جبلية تتنفس بسلسلتيها الشرقية والغربية. فإذا كنت ذو ميول غربية ستجد المناضل والعميل وكلاهما لبناني أصيل. وإذا ميلت شرقا فلك أن تغرف من صفحات التاريخ ما لذ وطاب. هذا الانقسام بين يمين ويسار قديم كقلعة بعلبك. أصلاً الانقسام السياسي سمة تكونينة في لبنان. يستغله الجار وألام الحنون والمجتمع الدولي، والمتردية والنطيحة على حد وصف بعضهم. آي أن انقسام اليوم بعنوان ١٤ و٨ مارس (آذار) اختراع لبناني حتى وإن ظن البعض أنه أميركي أو إيراني. لطالما كان البلد مقسوماً. سياسياً على الأقل. لهذه النشأة سبب تدفع به الطبيعة. مرة ثانية لنتخيل حركة الماء.

تتعلق القرى على جلال الجبل قرية فوق قرية. كل منها تتكئ على نبعة ماء. لا أفضلية في الارتفاع. فالجالس في قمة الجبل مثله مثل من يسكن الوادي. لأنه عندما تمطر السماء تنساب المياه إلى الأسفل من دون منة. تتكفل قوى الجاذبية بإيصالها إلى كل ضيعة. هنا لا حاجة إلى قوة سلطة منظمة لشؤون الحياة وتعميم المنفعة. فلكل ضيعة «فرعونها». يرعى العرض والمال والأهل. ويكف يد كل معتدٍ.

القرية للزعيم والماء للجميع. وليس أدل على ذلك من تصرف اللبنانيين وأحزابهم. يريدون دولة. ولكن يريدونها غائبة. وكأن دولة لبنان في كباش أزلي مع هويته.

و«بعدين»؟ لا سياق أو مناسبة لهذا الكلام إلا من باب التذكير. أن لكلا البلدين دور لا ينبغي التفريط فيه. حتى وإن باعدت السياسة بيننا. نحن نحتاج إلى الدورين، دور النهر ودور الجبل.

عن الحياة اللندنية

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط