كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

معارك خفية تهدد البشرية في طبيعتها ووجودها

معارك خفية تهدد البشرية في طبيعتها ووجودها

تاريخ النشر: 2022-01-12 | 14:41

كان سقوط الكتلة الاشتراكية مع اواخر القرن المنقضي ايذانا بانتهاء الحروب التقليدية الكبرى، وبداية رسم استراتيجيات صراع من نوع آخر تقوده الولايات المتحدة الامريكية مستعينة بحلفائها في العالم.. وقد اصبحت الولايات المتحدة الامريكية في حالة تسيد مطلق على العالم طالما نادى بها الرؤساء السابقون و أصبحت السياسة الامريكية تجاه الاخرين عبارة عن القرار الدولي والرأي العام الدولي وأصبحت كل الدنيا بشكل أو بآخر تحت إشراف حكومة الولايات المتحدة الامريكية التي سارعت لفتح المعتقلات والسجون في العالم لتزج الاف الناس في العراق وافغانستان في سجون تكلفها مبالغ طائلة وليس سجن غوتينامو الا واحدا من عشرات السجون المنتشرة تحت اشراف الولايات المتحدة الامريكية.. وكان هذا بمثابة رسالة الى كل من يفكر بالتمرد على الاملاءات الامريكية.. وهكذا يكون العالم افتتح القرن العشرين وهو قد أقر بهيمنة الادارة الامريكية على دول العالم وسياساتها.

طبيعتان مختلفتان للصراع:
صحيح كان الصراع التقليدي في القرن الماضي طافيا على السطح ومتسببا في قضايا عنف وجريمة الا انه بمقارنته مع الصراع الدائر في كوكبنا اليوم يبدو هامشيا ولم يصل الى النقطة الحمراء التي تهدد العناصر الاساسية للحياة البشرية والاخطر من ذلك ان لا أحد يعيرها إهتماما من خلال برامج عملية ولعل ما فعله ترمب تجاه المعاهدات لاسيما معاهدة المناخ ومعاهدات نزع السلاح الاستراتيجي وهكذا يكشف حقيقة الاهمال للمخاطر المنتظرة.

الصراع السابق هو صراع ايديولوجي وسياسي وقومي ووطني يتحرك في دائرة الضوء ويمكن للمحلل والمتابع رؤيته وتصور اسبابه واستشراف مستقبله.. الا انه صراع قصير ونتائجه محدودة في عمر الشعوب ومصيرها.. فجولاته تنتهي خلال عقود من الزمن منتجة صيغ أخرى لواقع آخر في إطار التطور الطبيعي المفهوم في حركية الكتلة البشرية.. وهو صراع محسوس للجميع ويتم التعامل معه بمزيد من الشحن العاطفي واستفزاز القدرات وبذل الجهد لحسم جولاته، كما انه يشغل البشرية ويشد انتباهها بتوجس لصناعة الاسلحة التي يحركها جشع المجموعات المستغلة التي تحاول السيطرة على ثروة العالم والتحكم في صيرورتهم.
في الصراع التقليدي السابق وعلى لهيب وقائعه كتبت الأشعار وألفت الروايات وصيغت التظريات الكبرى التي حاولت شرحه وفلسفته ، وفي هذا الصراع تفرق الناس بخصومات تغذى من قبل المجموعات المستغلة تنتهي بالانفصالات والتصادم وتشكيل المحاور والاتجاهات المتجددة المتبدلة في متوالية هندسية.

اما الصراع الحالي وقضايا التحدي الصعبة التي يحملها فهو يتحرك في فلكين آخرين ورغم خطورتهما الفتاكة لايبدوان للرائي بسهولة على طاولة البحث وحالهما كالمادة الاشعاعية تأكل اطراف الجسم دونما مظاهر من النيران او كسرطان يستفحل في الجسم لايمكن معرفته الا باجراء فحوصات دقيقة.. وحتى عندما يدق أحدهم ناقوس الخطر المفزع يكاد لا يلتفت اليه احد ولاينشغل به الا القليل النادر من الناس الذين سريعا ما ينصرفون عنه لتفاصيل التحديات اليومية.. الاانه في اطار هذا الصراع الخفي-بالنسبة للكثيرين- يتقرر مصير الكتلة البشرية برمتها.

الفلك الأول هو المجتمع الانساني الذي يشهد حالة من الانهيار المتسارع والذي يخضع لسيطرة قوى متنفذة مستغلة سواء بمحاولات تغيير طبائعه البشرية والانسانية او من خلال السيطرة التامة عليه بالذكاء الصناعي.. وهنا لابد من شيء من البسطة حول المجتمع البشري..فلقد بلغ التداخل بين المجتمعات البشرية بحيث اصبحت عائلة واحدة وبتسارع مذهل متقاربة في شتى المجالات الثقافية والفنية والنمطية والذوقية بل يمتد التقارب الى عالم القيم والمفاهيم فلقد اصبحت العولمة واقعا بذلك القوى الراسمالية جهودا جبارة للوصول اليه حيث يصبح واقع العولمة هذا أهم وسائل القوى الاقتصادية الثقافية الكبرى والتي تريد صناعة فرد وصناعة مجتمع بمواصفات خاصة يتم السيطرة عليهما بتمرير مفاهيم وتويجهات واوامر..

لقد غدت المجتمعات في في دوائر كثيرة على الكرة الارضية في حالة تشابه فأوربا شرقيها وغربيها والامريكيتين واستراليا كما العواصم الاسلامية : القاهرة واسطمبول وطهران في حالة تواصل قيمي ومفاهيمي وأذواق متسارع.. ويتم هذا كله من خلال سياسيات كونية لايبدو على السطح منها الا القليل ولهذا تواجه عمليات كبح جماح الاندفاع هذه بحملة شرسة من الشيطنة والاتهامات والبطش بعنف صاعق..
وهنا لابد من الانتباه الى ان التطور الحاصل على عقائد المجتمعات لم يكن تكورا طبيعيا من اعماق الوجدان البشري بل هو دوما عبارة عن عمليا تقيصرية عنيفة يشرف عليها اصحاب المصالح السياسية والايديولوجية والاقتصادية ، فعند النظر للمجتمعات البشرية في اوربا والامريكيتين واستراليا وكيفية انتقالها الى دول لائكية بعزل الدين عن الدولة نرى ان اللائكية لا تعني لائكية التفكير المتحرر نحو الاخر من رواسب الخلفيات السياسية المرتبطة بتاريخ الكنيسة السياسي
بل لعل اللائكية تنحصر داخل الحدود او داخل المسيحيين في مجتمعاتهم اما تجاه الاخر المختلف دينيا حتى لو عاش بين ظهرانيهم فان اللائكية تغيب تماما لتحضر الممارسات التي كانت ابان الحملات الصليبية مشحونة بنعصرية او استغلال واستعمار او تعالي عنصري.. وهنا ليس سهلا التسليم بان المجتمعات الغربية تعيش في ظل وضع لائكي فلئن كان الأصل الظاهر في العملية تحرير الدولة من سلطان الكنيسة إلا أن الأمر انتهى بتدخل الدولة في شئون الكنيسة بخصوص الطبيعة البشرية والأحوال الشخصية وأصبحت الدولة كنيسة من نوع آخر بأنياب حادة وأصبحت الكنيسة شكلا ديكوريا لا يلتفت اليه الا في عقد القران وهو امر محدود او في التعميد وتشيع الجنائز .. من هنا لم يكن الفصل بين الدين والدولة سوى الخطوة الاولى لتوحش اللائكية كما هو واضح تماما في معارك الدوائر الاستعماريية في البلدان العربية والاسلامية فالمعركة رغم انها تحت شعارات الديمقراطية وحقوق المرأة وحقوق الانسان الا انها تنتهي بتدمير المجتمعات وتسليط الفاسدين عليها وقتل المرأة ألف مرة وحرمان الاطفال من التعليم والامن.. فاللائكية لم تقف عند حدود الفصل بين الدين والدولة بل تتجه الى شيطنة الدين والصاق كل نقيصة به وهو مايتم التركيز عليه من خلال وسائل الاعلام وادوات التواصل في المجتمعات الغربية ومن خلال الاستشراق الموجه نحو مجتمعات الجنوب.

ولمزيد من القاء الضوء على مافعل النموذج اللائكي من تخريب في المجتمعات الغربية من المفيد الالتفات الى سلطة الحزب الشيوعي في الكتلة الاشتراكية الذي تحول الها يشرع وينفذ و يتحكم بمشاعر الناس ومصائرهم كذلك كان الامر في الغرب الراسمالي حيث اصبح البنك والشركة ونظام العمل قيود متكاملة لصناعة مجتمع استهلاكي مذعن وفرد مقيد بجملة أوضاع تحيله الى خانة العبيد.

غني عن القول أن الشريعة الاسلامية حافظت على توازن المجتمعات الشرقية التي لم تعرف نهضة ولاحضارة الا في ظل الاسلام.. فالشعوب الشرقية جمعت في ظل الخضوع للشريعة بين فضيلتي النهضة والوحدة فكان الفرس والترك والكرد والعرب والبربر أمة واحدة.. وهنا يبدو الافتراق كبيرا بين الاسلام والمسيحية في دورهما المجتمعي..فالاسلام لم يتحرك فقط في دائرة المشاعر الروحية والتصور اللاهوتي انما هو منظومة قيمية ومفاهيمية وقوانينن تشمل مناشط الحياة ومن هنا جاءت صعوبة التخلص منه او من جزء من اجزائه.. في حين ظلت المسيحية قابعة في الكنيسة وفي منظومة اخلاق لم تتعداها الى مناشط الحياة المتنوعة.. فكان من السهل بداية عزلها عن واقع الدولة ومن ثم محاصرتها وبعد ذلك تفريغها من رسالتها ودورها الاخلاقي والروحي.. وهذا ما يفسر صلابة المجتمعات الاسلامية في مواجهة اللائكية فهي رغم كل ما يمكن ان يلحق بها من تحولات وتغييرات قد تصنع طبقة من اللائكيين مشدودة لافكار الاستشراقيين الا ان الكتلة الكبيرة لازالت متماسكة تتجدد فيها صلتها بدينها كلما واجهت تحديا كبيرا.. الا انها نتيجة الفوضى والارتباك في العقل لم تتمكن من المبادرة بماهو ايجابي في واقع البشرية المشتتة لكننا نستطيع التأكيد بان ماحصل في اوربا من الفصل بين الدين والدولة وبعد ذلك عزل الدين ومن ثم تهميشه لايمكن ان يتكرر في البلدان الاسلامية والامثلة عديدة وشاهدة ومجددا نذكر باسطمبول وطهران والقاهرة حيث تمثل العودة الى الذات المؤشر الاكثر وضوحا رغم دهاقنة اللائكية والتغريب في هذه العواصم.. كما ان مثال افغانستان والعراق يصرخ برفض الانهيار القيمي والفكري والروحي رغم جنون الحملات العسكرية الامريكية التي ارادات ان تحمل نموذج الديمقراطية الامريكية حسب تصريحان زعماء الولايات المتحدة.. كما أننا نلاحظ الجزائر وتونس والمغرب تحاصر النماذج اللائكية وتلفي بها على هامش الوجدان والروح وتظل الكتلة الكبيرة بغالبيتها العظمى ضدد محاولات فرنسا الدؤبة خلال عشرات السنين لعزل الدين عن الدولة في المغرب العربي.. ويبدو ان صانع القرار الغربي آخذ في الاقتناع بان لافائدة في جهود اضافية في هذا الطريق ولعل ما قامت به الادارة الامريكية من التحالف المؤقت مع الاسلاميين في تركيا ومصر وسورية والعراق يؤكد على ذلك الا ان العملية معقدة ومن الصعب تحمل الامريكان لنتائجها.. ولكن يجب ان لايصيب الغرور أحدنا فالمجتمعات الشرقية ينخر فيها سوس الخراب على اكثر من مستوى فحتى الدين الذي يعتبر اكبر عنصر مؤثر فيها وفي ترابطها يواجه حربا من نوع اخرى انه حرب التأويلات والتفسيرات التي تحوله في كثير من الاحيان اداة تفجير وتخريب للجهد البشري.. كما أن الصراع مع اللائكية رغم انه في دائؤة محدودة من النقاش الا انه يورث مزيدا من الجراح والهموم والتخلف والخسارة.

ليس سهلا حصر الخسائر والاوجاع الناتجة عن صراع التناقضات في المجتمعات سواء الشرقية ام الغربية لاسيما في ظل فقدان مؤسسة تحمي منظومة قيم وتقصي من الطريق أي عوائق امام كرامة الانسان وتماسك المجتمعات.. ففي الغرب لم تعد واضحة معالم تعريفات مفاهيم وقيم كالحرية والديمقراطية وحقوق الانسان والحضارة والانسانية وتختلط تأويلات هذه المفاهيم واستخداماتها في البلد الواحد، ففي أمريكا وفرنسا صراع حاد حول التعريفات ففي الأولى تقف الديمقراطية امام حفرة سحيقة قد تودي بأكبر امبراطورية عرفه االتاريخ البشري وفي الثانية تنهار أعمدة الثورة الفرنسية حرية عدالة مساواة ولعل أكثر العناوين توضيحا لما وصلت اليه الحال ماهو قائم من مظاهرات في الشارع
الفرنسي لاكثر من ثلاث سنوات بين الدولة وقطاع الطبقات الوسطى والبروليتاري..هذا في حين تواصل الدولتان وكثير من الدول الحليفة لهما حمل المفاهيم اللائكية الى المجتمعات الشرقية بعنف وقسوة مما يفقدها السيادة والاستقلال والنمو والتعليم والتطبيب..

ان الصراع الدائر في المجتمعات الغربية وعلى رأسها أمريكا رغم قوة ادوات الدولة واجهزتها يحمل بذور التفسخ والانفصال والتطاحن الدامي الحاد كما هو متوقع في الولايات المتحدة وهو في سواها كالجمر تحت الرماد وتأتي الكوارث البيئية والاوبئة لتنفض الرماد عن الجمر.. فالذي حصل في العراق وسورية وليبيا واليمن هو في الحقيقة افراز للتوجهات الغربية في بلاد المشرق ولعله بروفا ستكون اقسى في حال حدوثها بين الولايات الامريكية او في كثير من الدول الاوربية والعربية.. وذلك كله خسارة كبيرة لفرصة التعايش السلمي بين المجتمعات والتجمعات البشرية وهي خسارة مستمرة في التضخم وآخذة في التصاعد ولا حل في الافق سيما وقادة العالم يتحركون من زاوية مصالحهم حتى لو على حساب شعوبهم ودولهم.

×
أخبار
مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط