كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

معبر الطيبة.. سياسة العقاب الجماعي وغياب العدالة

معبر الطيبة.. سياسة العقاب الجماعي وغياب العدالة

تاريخ النشر: 2025-05-08 | 12:49

مرَّة أخرى، يُختزل وجود الفلسطينيين في معبر مغلق، وتُحاصر كرامتهم بسياسات أمنية انتقائية. فإغلاق معبر الطيبة أمام المواطنين العرب في إسرائيل، بالتزامن مع إعادة فتح معبر الجلمة قرب جنين، يكشف عن منطق استعلائي يجعل حياة الفلسطيني في الضفة الغربية أسيرة لإرادة الاحتلال.

هذا التباين الصارخ في التعامل مع معبرين متجاورين، في ظل مناخ أمني هش، يثير تساؤلات مشروعة لدى سكان طولكرم حول المعايير الحاكمة لهذه القرارات الحساسة. فهم يرون في هذا الإجراء تمييزًا واضحًا وتغييبًا للعدالة والمنطق، مؤكدين افتقار القرارات لرؤية شاملة ومتسقة.

لا يمكن فهم هذا التمييز إلا في سياق سياسة "فرّق تسد" الإسرائيلية. فإذا كان الهدوء الأمني هو المبرر المعلن، فكيف يُفسر استمرار إغلاق الطيبة رغم انخفاض حدة المواجهات فيها مقارنة بجنين التي شهدت عمليات نوعية؟ والأكثر إيلامًا أن هذا الإغلاق يتزامن مع ازدياد حاجة الفلسطينيين في الداخل والضفة للتواصل، خاصة مع تفاقم الأزمات الاقتصادية وتشتت الأسر بفعل جدار الفصل العنصري.

هنا تتجلى الازدواجية الإسرائيلية؛ فبينما تُستخدم "المقاومة المسلحة" ذريعة لحرمان طولكرم من حقوقها الأساسية، يُتغاضى عن عنف المستوطنين الذي يؤجج التوتر يوميًا. أليس الهدوء التزامًا متبادلًا؟ أم أن "الأمن" الإسرائيلي يعني إخضاع الفلسطينيين دون أي مسؤولية عن حمايتهم من اعتداءات المستوطنين؟

إنَّ تحميل المدنيين العزل مسؤولية كبح جماعات مسلحة، في ظل معاناتهم من الاحتلال وتداعياته، هو تنصل من مسؤولية الأجهزة الأمنية والقانونية المكلفة بفرض النظام. بل إنه تجاهل للظروف المعقدة التي تنشئ مثل هذه الجماعات في بيئات يائسة، ومطالبة السكان بدور الشرطي في مناطق تخضع لسيطرة أمنية مشددة.

علاوة على ذلك، فإن استمرار إغلاق معبر الطيبة لا يقتصر تأثيره على الجانب الأمني فحسب، بل يمتد ليشمل جوانب حياتية واقتصادية واجتماعية بالغة الأهمية لآلاف الفلسطينيين. فهذا المعبر يمثل شريان حياة للكثيرين الذين يعتمدون عليه في الوصول إلى أماكن عملهم داخل إسرائيل، وفي الحفاظ على الروابط العائلية والاجتماعية مع أقاربهم، وإغلاق هذا المعبر يعني قطع أرزاق وتضييق الخناق على حياة الناس، وهو ما يزيد من معاناتهم ويغذي لديهم شعورًا عميقًا بالظلم والتهميش.

المنطق الذي يقف خلف ربط فتح المعبر بقدرة السكان على كبح الجماعات المسلحة يبدو قاصرًا ومختلًا. فهل يُعقل أن يُعاقب مجتمع بأكمله بسبب أفعال قلة قليلة؟ أليس هذا هو جوهر العقاب الجماعي الذي تدينه المواثيق والأعراف الدولية؟ فالأمن الحقيقي لا يتحقق من خلال سياسات الإغلاق والعزل، بل من خلال بناء الثقة وتعزيز التعاون وتقديم حلول جذرية للمشاكل التي تغذي العنف والتطرف.

إعادة فتح معبر الجلمة، وإن كانت خطوة إيجابية في حد ذاتها، إلا أنها لا تزال غير كافية لتبديد حالة الاستياء والقلق التي تسود طولكرم، فالمطلوب هو رؤية شاملة وعادلة لإدارة المعابر، رؤية توازن بين الاعتبارات الأمنية المشروعة والحقوق الإنسانية والاقتصادية للفلسطينيين. كما يجب أن تستند القرارات المتعلقة بفتح وإغلاق المعابر إلى تقييم دقيق وشفاف للوضع الأمني على الأرض، وأن تخضع لمعايير واضحة وموحدة تطبق على جميع المناطق دون تمييز.

لكن استمرار حالة الضبابية والازدواجية في التعامل مع معبري الطيبة والجلمة لا يخدم سوى تعميق الهوة بين الجانبين، وزيادة الشعور بالمرارة والإحباط لدى الفلسطينيين. فعلى صناع القرار أن يدركوا أن الأمن المستدام لا يتحقق بالعقاب الجماعي وتضييق الخناق على المدنيين، بل من خلال تبني سياسات عادلة ومنصفة تحترم حقوق الإنسان وتعمل على تحقيق الاستقرار والازدهار للجميع. فالمعبر المفتوح والآمن جسر للتواصل، بينما المغلق شاهد على سياسات قاصرة تؤدي إلى مزيد من الانقسام والتوتر.
وإذا كانت إسرائيل جادة في الحديث عن "الهدوء"، فليكن الهدوء طريقاً ذا اتجاهين: بوقف الاستيطان، وإنهاء الحصار، والاعتراف بحقوق الفلسطينيين. أما أن تظل المعابر أداةً للعقاب والمكافأة، فذلك لن ينتج إلا مزيدًا من الغضب، ومزيدًا من المقاومة. فالشعوب لا تُحكم بالحديد والنار، ولا تُقهر بالإغلاق والحصار.

طولكرم ليست استثناءً، بل تجسيد لمأساة مستمرة، وفتح المعابر ليس منة، بل حق يكفله القانون الدولي. لكن الأهم أن الفلسطينيين، رغم القيود، لم يستسلموا لمعادلة "الخضوع مقابل الفتات"، فالشعوب المحاصرة تخلق من الألم سبلًا جديدة للصمود، ومن المعابر المغلقة دروبًا أخرى للكرامة.

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط