كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

معبر قلنديا: معبر الذل

معبر قلنديا: معبر الذل

تاريخ النشر: 2016-12-13 | 10:29

لقد شعرت بقدر كبير من الأسى و المرارة ، خلال تجربة مروري عبر معبر قلنديا في رام الله ، وذلك عندما سمعت صياح مجندة إسرائيلية عشرينية العمر، تتكلم بعصبية شديدة مع رجل مسن يلتحي الكوفية الفلسطينية، لا يستوعب اللغة العربية الركيكة للمجندة التي أرادت التأكد من صلاحية تصريح عبوره إلي القدس ، فالرجل بالفعل يبدو عليه الارتباك و لا يستوعب ماذا تقول له هذه المجندة ، و قد مر عدة مرات عبر جهاز فحص المعادن لطمأنة المجندة أنه لا يحمل مواد خطيرة معه ، ولكن الجندية مستمرة في غضبها مستنكرة عدم فهم الرجل لما تقوله طالبة منه الذهاب إلي غرفة مغلقة داخل المعبر للخضوع لتفتيش جسدي أكثر دقة من جهاز فحص المعادن.

إن ما صدمني بالأمر ، هو أن جميع المارون الفلسطينيون في معبر قلنديا محشورون ضمن حيز ضيق عبر ممر قفصي حديدي ، متشبثون بشدة في طرف معدني للحاجز الدوار الحديدي الذي يبلغ طوله نحو مترين ، ينتظرون بفارغ الصبر أن تتكرم عليهم هذه الجندية لكي تضيء لهم اللون الأخضر الذي يسمح ل 4 أشخاص فقط بالمرور عبر هذا الحاجز الدوار، ولكن تلك الجندية لم تضئ هذا الضوء الأخضر و لم تكترث أبدا لمدى تأخيرها لهم.

ولمن لا يعرفون معبر قلنديا ، أستطيع أن أصفه لهم حسب تجربتي الإنسانية، بأنه عبارة عن ممر قفصي طويل مكتظ بالكهول و كبار السن و النساء و الشباب والأطفال الذين يحملون الهوية الفلسطينية و يريدون الذهاب من رام الله إلي القدس من أجل العلاج أو العمل أو الصلاة وزيارة الأقارب.

فهناك قد تجدون في المعبر أب و أم معهما طفلهم، الذي يعاني من مرض عضال عجز الأطباء الفلسطينيون عن علاجه ، فاضطر هذا الأب اليائس بأن يحجز موعدا مع طبيب إسرائيلي اشترط عليه و على ابنه بأن يأتيا إليه في الموعد المحدد ، لأن جدول أعمال هذا الطبيب مزدحم ، و إذا تأخر الأب عن الموعد سيتم تأجيل فحص ابنه إلي أجل غير مسمى.

وهناك قد تجدون في المعبر ، سيدة فلسطينية تعمل في مؤسسه إنسانية بالقدس، يجب أن تصل كل يوم في الموعد المناسب إلي عملها، و إلا سوف يتم الاستغناء عنها بسبب تأخيرها المستمر في حاجز قلنديا.

و ستجدون أيضاً ، نساء كبيرات بالسن، يرغبن بزيارة أقاربهن المرضى الذين يتم معالجتهم بمستشفيات القدس و قد تجدون عدد كبير من الشباب الفلسطيني الذين فقدوا فرص العمل بالضفة الغربية و يعتبرون معبر قلنديا فرصتهم الوحيدة للحصول على عمل داخل القدس للتخلص من شبح البطالة بالضفة الغربية.

بالفعل ، كل عابر فلسطيني للممر القفصي ، لديه قصته الخاصة و حاجته الضرورية و العاجلة من أجل الذهاب إلي القدس سواء للعلاج أو العمل أو الصلاة.

لكن هذه الجندية الإسرائيلية الغاضبة، التي ربما تشعر بالملل و الإحباط من وظيفتها العسكرية و ربما تعتبر أن عملها في هذا المعبر المذل الذي يفتقر للمعايير الإنسانية هو بمثابة عقاب لها ، تتعامل مع الفلسطينيين كأرقام و تصاريح و كخطر أمني محتمل يهدد دولتها ، و ليس كبشر لهم مشاعرهم و حاجاتهم الإنسانية و كرامتهم و احترامهم.

إنه من المؤسف جداً ، أننا نعيش الآن في القرن الواحد وعشرين، في قرن يجب أن تكون انتهت به كافة مظاهر العبودية و الإذلال ، ومازال عدد كبير من المسئولين الإسرائيليين يتعاملون مع الفلسطينيين بفوقية و يعتبرونهم مجرد أرقام ومجرد كائنات غريبة يحتاجون لإدارة حالتهم وترويضهم لكي يتناسبوا مع معايير الأمن الإسرائيلية.

فعندما مثلا، تقرئون ما يتم نشره عبر صفحة المنسق الإسرائيلي ، يؤاف مردخاي في وسائل الإعلام الاجتماعي ، ستلاحظون أنه يسوق لإسرائيل من الناحية الإنسانية عن طريق توثيق التعامل الإسرائيلي مع الفلسطينيين بصفتهم أرقام و ملفات أمنية و حالات تحتاج للمراجعة و ليس ككونهم بشر لديهم تاريخ وحياة و مستقبل.

و ستجدون أن المنسق لا يناشد الفلسطينيين كشعب، بل يدعوهم في معظم الأحيان بالسكان الفلسطينيين أي ينفى عنهم صفة الشعب. و هو غالباً ما يروج لإنسانية دولته عبر الإحصائيات ، بقوله على سبيل المثال لقد أصدرنا 15000 تصريح لعمال الضفة ، لقد سمحنا ل 100 مصلي من غزة للصلاة بالقدس ، لقد عالجنا 50 حالة في مستشفتينا ....الخ.

و لكنه في نفس الوقت يتجاهل المعاناة الفلسطينية اليومية عبر الحواجز الإسرائيلية و معاناة الفلسطينيين من الجدار العازل الذي ابتلع مساحات واسعة من أراضيهم.

و ذلك لأن الفلسطينيين بالنسبة لمعظم المسئولين الإسرائيليين، هم مجرد عدد تصاريح مرور صادرة و عدد مرضى تم معالجتهم و حجم بضائع تم إدخالها و أخطار أمنية ، وليسوا قصص إنسانية تستحق التعمق بها وتفهم احتياجاتها و تقديرها و احترام كرامتها.

ربما ليس من الطبيعي أن نطلب من الاحتلال أن يكون إنسانيا معنا كشعب فلسطيني ، لأن الاحتلال لأرضينا هو نفسه أمر غير طبيعي ، لكنني أردت هنا أن أظهر تناقض الرواية الإعلامية الإسرائيلية التي تروج لإنسانية إسرائيل عبر الأرقام و النسب المئوية و الصور و لا تكترث بمشاعر و احتياجات المدنيين الفلسطينيين، وذلك بسبب استخدام إسرائيل لأسلوب التعميم و العقاب الجماعي و التعامل مع الفلسطينيين بأنهم إرهابيون حتى يثبتوا عكس ذلك ، بحجة الحفاظ على أمن إسرائيل، مما جعل مجندة إسرائيلية شابة تشعر بالذعر من محفظة ورقية بالية يلفها رجل مسن بالنايلون خوفا من تلفها ، فدعاها ذلك الرعب بأن تستدعي جندي إسرائيلي شاب محصن بدرع مضاد للرصاص لكي يفحص عدة مرات سترة الرجل و يفحص النايلون المحيط بالمحفظة البالية.

إن ما يشعرني بالأسف الشديد أيضا ، هو أنه كيف عاقبت تلك المجندة باقي المنتظرين في الممر القفصي بسبب شكها بالرجل المسن ، حيث تجاهلت نحو 20 شخص يقفون بطابور طويل و جعلتهم ينتظرون لأكثر من نصف ساعة في الممر الضيق دون أن تقدم لهم أي اعتذار بسبب تأخيرها لهم، بل الأسوأ من ذلك لقد تركت مهمتها ، وغادرت نافذتها الزجاجية تاركة المارين يترقبون بحيرة المجهول و يناشدون الجنود الآخرون لكي يفتحوا لهم الحاجز الحديدي الدوار ، حتى استلم جنود آخرون المكتب و بدءوا بالسماح للعابرين الفلسطينيين بالمرور.

إن هذا الموقف المؤلم، ربما لا يستغرق أي ثانية من تفكير تلك الجندية الغاضبة، التي هرعت إلي مقر سكنها بعد انتهاء مهمتها، لكنه بالتأكيد قد يكون تعمق في العقل الباطني للإنسان الفلسطيني الذي يشعر يوميا بالذل أثناء مروره عبر هذا المعبر الغير الإنساني.

 ولابد من القول بأن هذا الموقف ، ما هو سوى مؤشر كبير على طبيعة نظرة الشباب الإسرائيلي المجند للشعب الفلسطيني و طريقة احتقارهم للفلسطينيين باعتبارهم فقط خطر امني أو ورقة تصريح صالحه للمرور .

 فماذا سيحدث لو تكلمت الجندية مع المسن الفلسطيني الذي يبدو عليه أنه أمي يجهل القراءة و الكتابة ، ووجهت له أسئلتها بشكل راقي و بصوت هادئ حتى لا تصيبه بالارتباك، ومن ثم طلبت منه بأسلوب مهذب بأن يجلس باحترام و استكملت مرور باقي المارين دون تأخيرهم ؟ هل سيشكل هذا الأسلوب المهذب في التعامل خطر على أمن إسرائيل؟

 و ماذا لو ناشدت المجندة الإسرائيلية الفلسطينيين المحشورين بالممر القفصي الحديدي و استخدمت معهم عبارات مهذبة، لكي تطمئن قلقهم وقالت لهم بوضوح نعتذر عن التأخير ، سيتم تسهيل مروركم فور حل المشكلة، وذلك حتى لا يشعر المرضى و العمال و الأطفال بالقلق و الخوف بأنه قد يتم إرجاعهم ،هل سيقلل ذلك من قدرها و يؤخر من مهام عملها العسكري ؟

 لطالما أغرقنا المسئولين الإسرائيليين بتصريحات إسرائيلية حول رغبتهم بعمل سلام مع الفلسطينيين، و أن مشكلتهم تكمن بعدم وجود شريك فلسطيني مناسب للسلام معهم و أن الفلسطينيين لا يريدون السلام معهم ، لكن تلك التصريحات تتجاهل التناقض الإسرائيلي ما بين ما يتم الحديث عنه في الإعلام وما بين ما يتم تطبيقه على أرض الواقع من سياسات و إجراءات إسرائيلية مشددة مع الفلسطينيين.

 فالسلام الحقيقي يبدأ بين الشعوب و يتم تأسيسه بناءا على الاحترام المتبادل بين طرفي الصراع و ليس عبر التصريحات السياسية و الإعلامية للمسئولين و القادة، فإذا أرادت إسرائيل بالفعل تحقيق سلام عادل ومستدام مع الفلسطينيين، لابد لها أولا أن تحترم كرامة الإنسان الفلسطيني و أن تمنع جنودها من الاستهتار بمشاعر وكرامة المدنيين الفلسطينيين.

 فالموضوع ليس مجرد توثيق قصص إنسانية عبر صفحات الفيسبوك و ليس مجرد تهنئة بمناسبة دينية للفلسطينيين أو مشاركة لأغنية عربية يستمع لها العرب ، الموضوع أعمق من ذلك بكثير ، لأنه يمس بجذور الكرامة الإنسانية للمواطن الفلسطيني و يتعلق بالحياة الواقعية و الإجراءات المطبقة على الأرض التي يعيشها الإنسان الفلسطيني العادي و يعاني منها يوميا عبر الحواجز و المعابر الإسرائيلية.

فالفلسطينيون بالضفة الغربية وقطاع غزة لا يحتاجون فقط لورقة زرقاء تسمح لهم بالخروج من سجنهم المحاصر بجدار عازل ، بل أكثر من ذلك بكثير، إنهم يحتاجون لكرامتهم التي تعتبر أثمن شيء عندهم في ظل استمرار الاحتلال على أراضيهم وعجز قادتهم عن تحقيق لهم حلم الحرية و الاستقلال.

 الشعب الفلسطيني بالضفة الغربية المحاط بجدار عازل كأنهم "الزومبي" في فيلم حرب الزومبي العالمية للممثل الأمريكي براد بيت ، يستحقون أن يتم النظر إليهم كبشر و ليس كوحوش قاتلة، إنهم لا يستحقون الصوت الغاضب من تلك الجنديه المحبطة و لا يستحقون نظرة التعالي من ذلك الجندي الإسرائيلي الذي يضع بسطاره فوق مكتبه و يوجهه نحو وجه سيدة فلسطينية مسنة وهي تظهر له التصريح لكي يسمح لها بالذهاب للصلاة في القدس ، إنهم شعب يستحق حياة إنسانية كريمه تخلو من الذل و المهانة.

 أخيرا أعتقد أنه إذا أرادت إسرائيل بالفعل أن تنهي الصراع مع الفلسطينيين ، لابد لها أولا أن تتخلي عن الاحتلال و تعترف بالدولة الفلسطينية و ثانيا أن تطالب جنودها باحترام الجميع بدون عنصرية بغض النظر عن دين و عرق و جنس و منصب الأشخاص الذين يمرون عبر المعابر الأمنية ، التي يجب أصلاً أن يتم إزالتها للأبد لأنها رمز للحصار و العنصرية وهي من الأسباب الرئيسية لتشتت الفلسطينيين ومنعهم من التواصل مع ذويهم، فمعبر قلنديا هو بالفعل معبر الذل الذي لا يمكن لأي شخص مناصر لحقوق الإنسان أن يتجاهل الحديث عنه و أن لا يستنكر وجوده.

×
أخبار
انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط