كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

معجزة صغيرة

معجزة صغيرة

تاريخ النشر: 2017-04-16 | 08:45

يتذكر اللبنانيون كل سنة، حربهم اللعينة بحسرة وخوف. الصور المسترجعة مرعبة. الواقع ليس مطمئناً. عشية الذكرى الـ42 للحرب الأهلية، منذ أيام، كانت ثمة خيام تنصب وسط بيروت، وأحزاب لها صبغة دينية واحدة، تستعد للتظاهر ضد أحزاب أخرى، من طيف ديني مختلف، متهمة إياها بالانتصار للتمديد غير الشرعي للمجلس النيابي. كادت الأجواء بانقساماتها، وفوضويتها، تكون مشابهة لعام 1975. نزع رئيس الجمهورية ميشال عون فتيل الأزمة، ولو مؤقتاً بتأجيل جلسة التمديد النيابية. لكن ثمة إحساس بأن الانزلاق إلى الجحيم يمكن أن يبدأ بزلّة. يمكن للحرب أن تندلع من مستصغر الشرر. هذا ليس شعراً. والحذر الشديد ليس عيباً.
لبنان ساحة تنتظر باستمرار اندلاع النار، وهو مختبر متقدم للمنطقة أيضاً. كان سبّاقاً في الاقتتال المذهبي الدموي، 35 سنة قبل الآخرين. وفي اعتماد الانتخاب على أساس طائفي. كان رائداً في تأسيس المدارس والجامعات، وفي الصحافة والإعلام وفي حمل لواء اللغة العربية كما جعل الرطن بالأجنبية تقليعة برجوازية محببة، على معايبها. وقف اللبنانيون في الساحات إثر اغتيال الرئيس رفيق الحريري وهتفوا ولوحوا بعلمهم الوطني قبل ست سنوات من رؤية مشهد مشابه في ثورة 25 يناير المصرية في «ميدان التحرير». مع اختلاف الدوافع والأهداف، خاض اللبنانيون التجارب والمغامرات بإخفاقاتها ونجاحاتها، ولم يتعظ الآخرون، وربما أنهم هم أنفسهم أيضاُ لم يستخلصوا العبر.
مع ذلك، بوادر الأمل كثيرة. ثمة خيوط ضوء تستحق أن تلتقط. في ذكرى الحرب، لم يكن الظلام دامساً. هناك جبهة معارضة نابضة تتشكل بهدوء. شبان المجتمع المدني الذين بدأوا مظاهراتهم العام الماضي، بفوضوية، اكتسبوا خبرة ونضجاً. لم يعد سياسيو النظام السياسي التقليدي يجابهون بقذف حبات البطاطا على سياراتهم ثم العودة إلى البيت. «طلعت ريحتكم» و«بدنا نحاسب» و«سبعة» وغيرهم باتوا أكثر حنكة وذكاء، يتسلحون بمعرفة قانونية وجمع المعلومات، وابتكار أساليب الضغط السلمية، والنَفَس الطويل.
بمرور الزمن تعلّم اللبنانيون الاحتجاج بألف لون. «المبنى الأصفر» أو ما بات يسمى «بيت بيروت» على خط التماس الحربي، القديم، كان موقعاً محبباً للقناصة لأنهم يكشفون من مطلّه البانورامي، الأبرياء الذين يريدون اصطيادهم. هذا المبنى العتيق أعيد افتتاحه بكل ندوبه وفجوات القذائف، وكتابات المحاربين على جدرانه. إنه شاهد معماري، تحول من موقع قتالي إلى مركز ثقافي. لم يولد بصيغته الجديدة لولا نضالات طويلة وتضحيات جسام من أناس عرفوا أن تعلم درس الحرب ليس مرهوناً بوقت إنما حفر مستمر في الذاكرة.
في ذهن كثيرين ممن يكتبون الرواية، مكافحة الحرب قائمة، من حنان الشيخ إلى إلياس خوري ورشيد ضعيف وجبور الدويهي واللائحة سخية. نصوص مهما ابتعدت عن هذه التيمة، تبقى تعود إليها كالتعويذة التي لا بد منها. هكذا بقيت السينما لعقود، قبل أن تخرج قليلاً إلى فضاءات أكثر مرحاً.
السلم الحالي في لبنان يشبه «معجزة صغيرة»، نظراً «لكل ما يحصل حولنا» قال الرئيس سعد الحريري. لكنه سلم لم يأت مصادفة، ليس فقط صنع «إرادة غربية»، أو «مظلة دولية» كما يحلو للبعض أن يفسر. هو رغبة شعب اكتوى بالنار، ولم يزل يدفع ثمن جنونه. أضرار الحرب، بعضها لم يرمم بعد. أهالي المفقودين، وهم بالآلاف لا يزالون يبحثون عن آبائهم وأولادهم، خيمتهم المنصوبة منذ 12 سنة في ساحة الشهداء، ودموعهم التي تسيل، عبرة لكل من يظن أن العنف يجلب سعادة أو سكينة.
النظام السياسي يتخبط. فيما جمعية مثل «مارش» تجمع أبناء الأحياء البائسة التي سبق لها أن تقاتلت في ورش تدريب مسرحي مع فنانين محترفين. يلتقي الشبان باسم التمثيل، يتصارحون يتصالحون، ويكتشفون كم أن نظرتهم كانت قاصرة. هكذا فعلت «مارش» في طرابلس، وهذا ما تفعله في بيروت، وعلى شاكلتها عشرات الجمعيات الأهلية الصغيرة التي تعمل في وحشة الأحياء المهمشة.
الخطر قائم. انتظار انفجار خزّان العنف، جزء من حياة اللبنانيين، وسرّ الحركة اليومية المناهضة للحرب. وسبب في أن تأتي سيدة مثل أندريه صفير - زملر وتفتتح لغاليري الفنون المعروف والخاص بها في هامبورغ فرعاً في منطقة الكرنتينا بكل ما لها من رمزية، ووسط المدينة الصناعية، وتعرض آخر مبتكرات وصيحات التشكيليين العالميين الكبار. هذا الخوف الرابض أبداً في النفوس، هو الذي دفع بمنظمي «مهرجان بيروت للرقص المعاصر» ليشيّدوا مركزاً مؤقتاً، على خط الاقتتال القديم، يستقبلون فيه أهم فرق هذا الفن الطليعي في العالم، ويقولون لجمهورهم، هنا مكان لنحلم به وإياكم بمستقبل مختلف، عن ذاك الماضي الذي كسرنا معاً. الجرح طري، وما يحدث في الجوار يرفع مستوى التوتر السياسي، ويزيد منسوب الرعب.
حين يتحدث محمود درويش عن «خوف الغزاة من الذكريات» و«خوف الطغاة من الأغنيات» فلأن الفنون حين تكون تعبيراً عن ضمير الناس، لها فعل الحفر في الوجدان.
الحروب تبدو من بعيد، حمقاء وهمجية. الحرب اللبنانية، كانت أكثر عبثية من العبث نفسه. خمس عشرة سنة من السفك، تقاتلت خلالها كل الفئات مع غيرها ومع نفسها أيضاً، أعادت الجميع إلى ما قبل الماء والكهرباء وكل مظاهر المدنية.
ذكرى الحرب هذه السنة، لم تمر كحمامة بيضاء في سماء صافية. قدر اللبنانيين أن تكون حياتهم مجرد هدنة، وشعارهم تلك الأغنية البسيطة والجميلة لفيروز، التي تسأل وتجيب: «في أمل؟ إيه في أمل...»...

عن الشرق الأوسط

×
أخبار
نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط