كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

" معركة الوعي ؛ كيف يهدد الإعلام الأصفر والحزبي المجتمع الفلسطيني "

" معركة الوعي ؛ كيف يهدد الإعلام الأصفر والحزبي المجتمع الفلسطيني "

تاريخ النشر: 2026-02-25 | 12:12

في مجتمع يرزح تحت الاحتلال والحصار والانقسام، لا تكون معركة الفلسطينيين عسكرية أو سياسية فقط، بل إعلامية أيضًا. فالكلمة التي يُفترض أن تحمي الحقيقة قد تتحول إلى أداة تضليل، والخبر الذي يُفترض أن ينير الوعي قد يصبح سلاحًا لتمزيقه. بين إعلام يبحث عن الإثارة، وآخر يختزل الواقع في رواية حزبية ضيقة، يجد الفلسطيني نفسه أمام خطر داخلي يهدد ثقته بذاته وبمجتمعه، ويجعل الحقيقة أول الضحايا.

في اللحظات التاريخية الصعبة، لا يأتي الخطر دائمًا من الخارج. أحيانًا يتسلل من الداخل، متخفّيًا في هيئة “خبر عاجل” أو “سبق صحفي” أو منشور يدّعي تمثيل الرأي العام. هنا تبدأ معركة أخرى لا تقل خطورة عن المواجهة المباشرة: معركة الوعي. فالإعلام، الذي يفترض أن يكون مرآة للحقيقة وسلطة رقابية على القوة، قد يتحول حين يفقد معاييره المهنية إلى أداة تضليل وهدم. وفي الحالة الفلسطينية، حيث الكلمة قد تكون آخر خطوط الدفاع، يصبح العبث بالمعلومة اعتداءً مباشرًا على المجتمع.

الإعلام الأصفر هو التعبير الأوضح عن هذا الانحراف. فهو يعيش على الإثارة الرخيصة، ويتغذى على التحريض، ويزدهر في بيئات الأزمات. لا يسأل إن كان الخبر دقيقًا أو موثقًا، بل إن كان قادرًا على إثارة الضجة وجذب الانتباه. تُقتطع التصريحات من سياقها، وتُصاغ العناوين بشكل مضلل، وتُستخدم الصور خارج إطارها، وتُشحَن اللغة بالكراهية والتخوين. وبدل أن تساعد الصحافة الجمهور على الفهم، تدفعه إلى الانفعال والغضب.

النتيجة ليست مجرد أخطاء مهنية، بل بيئة إعلامية مشوشة يفقد فيها الناس ثقتهم بكل شيء. تختلط الشائعة بالمعلومة، ويتساوى الخبر الملفق مع الخبر الموثق، ويصبح الضجيج أعلى من الحقيقة. ومع الوقت، يتراجع الوعي العام، وتصبح العواطف هي المحرك الأول للمواقف.

في السياق الفلسطيني، تتضاعف خطورة هذه الظاهرة. فالمجتمع يعيش تحت احتلال مستمر وضغوط اقتصادية وإنسانية خانقة، إلى جانب انقسام سياسي واجتماعي عميق. في مثل هذه البيئة، لا يمر الخبر الكاذب مرور الكرام. إشاعة واحدة قد تدمر سمعة إنسان، واتهام غير موثق قد يزرع الشك بين فئات المجتمع، وحملة تحريض قد تعمّق الشروخ القائمة أصلًا. وهكذا يتحول الإعلام غير المسؤول إلى عامل إنهاك داخلي، يستهلك طاقة المجتمع بدل أن يعزز صموده.

الأخطر أن هذا النمط من الإعلام يحوّل الاختلاف في الرأي إلى تهمة. فبدل أن يكون النقاش مساحة طبيعية للتعددية، يصبح ساحة تخوين. كل صوت مستقل يُقدَّم كخصم، وكل رأي ناقد يُصوَّر كتهديد. ومع الوقت، تضيق مساحة الحوار ويحل منطق الاصطفاف الأعمى محل التفكير الحر: معنا أو ضدنا. في مجتمع يناضل من أجل الحرية، تبدو هذه المفارقة قاسية؛ إذ يُقمع الرأي المختلف باسم الوطنية نفسها التي يُفترض أن تحمي التنوع.

وإلى جانب الإعلام الأصفر، يبرز تحدٍ آخر لا يقل خطورة: الإعلام الحزبي الضيق. هذا النمط لا يعتمد دائمًا على الكذب المباشر، لكنه يمارس انتقائية حادة في عرض الوقائع. ما يخدم الحزب يُضخّم، وما يحرجه يُهمّش أو يُتجاهل، فتتحول المنصة الإعلامية إلى نشرة دعائية بدل أن تكون مساحة عامة للمجتمع. لا تُقدَّم الصورة كاملة، بل رواية أحادية تُفصَّل على مقاس التنظيم.

المشكلة هنا ليست في الانتماء السياسي بحد ذاته، بل في غياب المهنية. حين يصبح الولاء معيارًا للحقيقة، تفقد الصحافة وظيفتها الرقابية. وبدل أن تحاسب السلطة، أياً كانت، تتحول إلى أداة لتبريرها. وهكذا تُختزل القضية الوطنية في مصلحة فصيل، ويُختزل الوطن في خطاب ضيق، ويتكرّس الانقسام بدل أن يُعالَج.

حين يجتمع الإعلام الأصفر مع الإعلام الحزبي، تتقلص المساحة المشتركة للحقيقة. يمتلئ المجال العام بالشعارات والصراخ بدل الوقائع، وتتحول المنصات إلى أدوات تعبئة لا أدوات معرفة. يفقد الإعلام دوره في توحيد المجتمع حول الحقائق الأساسية، ويصبح عاملًا إضافيًا في تعميق الشكوك والانقسامات. وبدل أن يكون حصنًا يحمي الجبهة الداخلية، يتحول إلى ثغرة تُستنزف منها الثقة والطاقة.

مواجهة هذه الظواهر ليست مهمة الصحفيين وحدهم، بل مسؤولية جماعية. فالجمهور ليس متلقيًا سلبيًا. إعادة نشر خبر غير موثق، أو تداول إشاعة، أو المشاركة في حملات تشهير، يعني المساهمة في تكريس المشكلة. الوعي الإعلامي اليوم ضرورة وطنية، والسؤال عن المصدر والتحقق من المعلومات ورفض الانجرار خلف التحريض خطوات بسيطة لكنها قادرة على حماية المجتمع من كثير من الأذى.

وفي المقابل، يتحمل الصحفيون المهنيون مسؤولية مضاعفة في الدفاع عن معايير المهنة: الدقة، والإنصاف، وحق الرد، واحترام كرامة الأفراد. فحرية التعبير لا تعني الفوضى، بل تعني مسؤولية أكبر تجاه الحقيقة وتجاه الناس.

في زمن الحصار والدم، لا يحتمل الفلسطينيون إعلامًا يطعنهم من الداخل. هم بحاجة إلى صحافة مسؤولة تضع الحقيقة فوق المصالح الضيقة، وتحترم عقول الناس قبل مشاعرهم، وتفتح مساحات للنقاش بدل التخوين. فالكلمة الحرة، مهما كانت قاسية، تبقى أشرف ألف مرة من خبر كاذب يُنشر باسم الوطن. وحين تتحول الحقيقة إلى بوصلة، يصبح الإعلام قوة حماية وبناء، لا أداة هدم وانقسام.

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط