كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

مع احباط واشنطن وتصلب طهران هل يلوح في الأفق اتفاق عاجل بين الطرفين ؟

مع احباط واشنطن وتصلب طهران هل يلوح في الأفق اتفاق  عاجل بين الطرفين ؟

تاريخ النشر: 2026-05-23 | 11:53

لم يعد التراجع الأميركي المفاجئ عن الضربة العسكرية التي كان الرئيس الأميركي دونالد ترامب قد أقرها تجاه إيران مجرد تفصيل عابر في مشهد الصراع المحتدم بل بات مؤشراً عميق الدلالة على أن واشنطن نفسها دخلت مرحلة إعادة حسابات سياسية وعسكرية واقتصادية تتجاوز حدود المواجهة التقليدية وتكشف أن الإدارة الأميركية وجدت نفسها أمام معادلة أكثر تعقيداً مما كانت تتصور خاصة وان الحرب التي جرى التلويح بها باعتبارها عملية خاطفة لإخضاع طهران تحولت تدريجياً إلى أزمة مفتوحة تحمل أخطاراً استراتيجية كبرى تمتد من مضيق هرمز إلى أسواق الطاقة العالمية وصولاً إلى الداخل الأميركي المثقل بالتضخم والقلق الانتخابي والانقسام السياسي

 

في خضم هذا المشهد المربك بدأت تتشكل ملامح حراك دبلوماسي إقليمي ودولي واسع تقوده باكستان بصورة أساسية وبغطاء سياسي غير معلن من الصين إلى جانب انخراط أطراف إقليمية أخرى مثل قطر والسعودية وتركيا ومصر في محاولة لصياغة تسوية مؤقتة تمنع انفجار المنطقة مجدداً وتفتح الباب أمام تفاوض طويل وشاق بين واشنطن وطهران والمعلومات المتقاطعة الصادرة عن العواصم المعنية توحي بأن الاتصالات لم تعد مجرد تبادل رسائل بل تحولت إلى عملية هندسة سياسية معقدة لبناء اتفاق مرحلي يوقف التصعيد ويؤسس لمسار تفاوضي أوسع

 

اللافت في هذا الحراك أن باكستان لم تعد تؤدي دور ساعي البريد الدبلوماسي بل أصبحت عملياً غرفة اتصال رئيسية بين الطرفين حيث تكثفت زيارات كبار المسؤولين الباكستانيين إلى طهران بصورة غير مسبوقة وفي مقدمتهم وزير الداخلية محسن نقوي وقائد الجيش الباكستاني عاصم منير وهو ما يعكس انتقال الوساطة من المستوى البروتوكولي إلى مستوى التفاوض الأمني والسياسي العميق خاصة مع امتلاك إسلام آباد علاقات متوازنة مع واشنطن وطهران في آن واحد وقدرتها على التحرك بعيداً عن الضجيج الإعلامي والاستقطابات الحادة

 

يبدو ان دخول الصين على خط الوساطة منح هذا المسار زخماً إضافياً خصوصا وان بكين التي تراقب بقلق أي تهديد لاستقرار الخليج وإمدادات الطاقة العالمية تدرك أن استمرار الحرب سيؤدي إلى تسريع الانهيارات الاقتصادية الدولية وربما يدفع النظام المالي العالمي إلى تحولات غير محسوبة لذلك فإن التحرك الصيني لا يقتصر على دعم جهود التهدئة بل يتصل أيضاً بمحاولة حماية مشروعها الاقتصادي العالمي ومنع واشنطن من استخدام الفوضى العسكرية لإعادة فرض الهيمنة المطلقة على طرق الطاقة والتجارة

 

في المقابل تدرك الإدارة الأميركية أن الخيارات العسكرية لم تعد مضمونة النتائج كما كانت تتصور والتقارير الاستخبارية الأميركية نفسها تشير إلى أن إيران استعادت جزءاً مهماً من قدراتها العسكرية خلال فترة زمنية قصيرة وأن الضربات السابقة لم تحقق الحسم المطلوب بل ربما دفعت طهران إلى إعادة توزيع بنيتها العسكرية بصورة أكثر مرونة وتعقيداً كما أن استمرار إغلاق مضيق هرمز أو حتى التلويح الجدي بذلك وضع الاقتصاد الأميركي والغربي أمام احتمالات كارثية مع ارتفاع أسعار النفط والغاز وتصاعد المخاوف من ركود اقتصادي عالمي شبيه بأزمة عام 2008

 

من هنا يمكن فهم سبب التردد الأميركي في الذهاب نحو مواجهة شاملة رغم التصريحات النارية التي يطلقها ترامب بين الحين والآخر فإن سحب قرار الضربة العسكرية في اللحظات الأخيرة عكس وجود تيار قوي داخل واشنطن يحذر من الانزلاق إلى حرب طويلة تستنزف القدرات الأميركية وتفجر المنطقة بالكامل خصوصاً في ظل انقسامات داخل الحزب الجمهوري نفسه وتصاعد الاعتراضات داخل الكونغرس على استمرار العمليات العسكرية دون تفويض واضح إضافة إلى تراجع التأييد الشعبي للحرب داخل المجتمع الأميركي

 

على الجانب الاخر تتعامل إيران مع المفاوضات بعقلية شديدة الحذر والشك وهي ترى أن واشنطن قد تستخدم التهدئة المؤقتة كخدعة تكتيكية لإعادة التموضع والاستعداد لجولة جديدة من الضربات ولذلك تحاول طهران ربط أي اتفاق بضمانات سياسية واقتصادية واضحة تشمل وقف الحرب بشكل كامل والإفراج عن الأرصدة الإيرانية المجمدة ووقف استهداف السفن الإيرانية وإنهاء سياسة الضغوط القصوى كما تتمسك بحقها في التخصيب النووي باعتباره قضية سيادية غير قابلة للتنازل الكامل

 

المعطيات والمؤشرات العملية تشير إلى أن الملف النووي لم يعد القضية الوحيدة المطروحة على الطاولة بل أصبح جزءاً من سلة أوسع تشمل أمن الخليج ومضيق هرمز والعقوبات الاقتصادية والنفوذ الإقليمي الإيراني وحتى شكل التوازنات المستقبلية في المنطقة وهو ما يجعل الوصول إلى اتفاق نهائي أمراً بالغ التعقيد لأن كل طرف يحاول انتزاع أكبر قدر ممكن من المكاسب الاستراتيجية قبل تثبيت أي تفاهم دائم

 

في خلفية المشهد تبدو إسرائيل الطرف الأكثر قلقاً من أي تسوية محتملة وحكومة بنيامين نتنياهو ترى أن أي اتفاق لا يؤدي إلى تفكيك كامل للبنية النووية والصاروخية الإيرانية سيمنح طهران فرصة لإعادة ترتيب أوراقها واستعادة قوتها بصورة أكبر لذلك تتعامل تل أبيب بريبة شديدة مع المسار التفاوضي الحالي وتحاول دفع واشنطن نحو إبقاء خيار الحرب قائماً وهو ما ظهر بوضوح في التوتر الذي رافق الاتصالات الأخيرة بين ترامب ونتنياهو حول مستقبل التعامل مع إيران

 

الإدارة الأميركية بدورها تبدو اليوم أكثر ميلاً إلى إدارة الصراع لا تفجيره وترامب الذي يواجه ضغوطاً اقتصادية وانتخابية متزايدة يدرك اكثر أن أي حرب واسعة قد تتحول إلى عبء سياسي هائل يهدد مستقبله الداخلي خاصة مع ارتفاع أسعار الوقود وتزايد القلق الشعبي من التداعيات الاقتصادية للحرب لذلك يحاول الجمع بين سياسة العصا والجزرة عبر الإبقاء على التهديد العسكري قائماً بالتوازي مع فتح نافذة تفاوضية تمنحه فرصة تحقيق اختراق سياسي دون الذهاب إلى مواجهة مفتوحة

 

كما أن واشنطن باتت تدرك أن استمرار الحرب سيمنح الصين وروسيا فرصة ذهبية لتعزيز نفوذهما العالمي عبر تقديم نفسيهما كقوتين داعمتين للاستقرار والتسويات السياسية مقابل صورة أميركية مرتبطة بالفوضى والعقوبات والحروب وهو ما يفسر الاهتمام الأميركي بعدم خسارة المعركة الجيوسياسية الأوسع حتى لو اضطرت إلى تقديم تنازلات تكتيكية مؤقتة

 

في ضوء تشابك المصالح الدولية وتعقيدات الميدان يبدو أن احتمال الوصول إلى اتفاق مرحلي يبقى أقرب من سيناريو الانفجار الشامل على الأقل في المدى القريب لأن واشنطن تدرك أن أي حرب واسعة ومفتوحة ستدفع الاقتصاد العالمي نحو اضطرابات خطيرة فيما تعرف طهران أن استمرار التصعيد دون أفق سياسي قد يفتح الباب أمام استنزاف طويل يرهق الداخل الإيراني ويضاعف الضغوط عليها لذلك تبدو كل الأطراف وكأنها تسير نحو صيغة تهدئة مؤقتة تحفظ ماء الوجه وتؤجل الملفات الأكثر تفجيراً إلى مرحلة لاحقة

 

لكن في المقابل فإن هشاشة الثقة بين الطرفين وحجم الضغوط الإسرائيلية والانقسامات داخل مراكز القرار الأميركية والإيرانية تجعل أي تفاهم معرضاً للانهيار عند أول اختبار جدي وهو ما يعني أن المنطقة ستبقى واقفة على حافة الاحتمالين معاً تفاهم مؤقت قابل للاهتزاز أو عودة سريعة إلى الخيار العسكري إذا تعثرت المفاوضات أو شعر أحد الأطراف أن الوقت لم يعد يعمل لصالحه

 

بعد تزايد الضغوط  على الارئيس الامريكي دونالد ترامب من صقور مجلس الشيوخ لا سيما لجنة القوات المسلحة لإفساح المجال أمام الجيش لتدمير القدرات العسكرية الإيرانية خاصة بعد تقارير الاستخبارات التي أكدت تعافي خطوط إنتاج المسيرات والصواريخ لدى طهران خلال فترة التهدئة وبدء شعوره بإحباط متصاعد نتيجة ركود المسار الدبلوماسي واستمرار التصعيد فقد طرح ترامب فكرة تنفيذ عملية عسكرية كبرى وأخيرة تستهدف البنية التحتية لخصومه بشكل غير مسبوق ثم إعلان النصر رسميا وإنهاء الحرب من موقع القوة

 

مع ذلك فإن المؤشرات الحالية توحي بأن أي مواجهة قادمة إن وقعت فلن تكون حرباً طويلة بالمعنى التقليدي بل أقرب إلى ضربات عسكرية خاطفة ومحدودة ومحسوبة السقف هدفها إعادة فرض شروط التفاوض وتعديل موازين الضغط لا الذهاب إلى احتلال أو حرب استنزاف شاملة لأن الجميع يدرك أن إشعال المنطقة بالكامل قد يخرج الأحداث من قدرة أي طرف على التحكم بمساراتها أو نتائجها

ختاما : يبقى السؤال مفتوحًا على كافة الاحتمالات هل يقترب الطرفان من لحظة تفاهم تاريخي يعيد رسم قواعد الاشتباك أم أن المسار برمته سينزلق مجددًا إلى نقطة الصفر ويعود الى التصعيد العسكري كخيار أخير لا يمكن استبعاده

×
أخبار
الخارجية الأميركية تنتقد ملاحقة سفيرة لبنان في واشنطن بعد لقاء إسرائيلي نتنياهو يقرّ بزيارة رئيس المخابرات المصرية قبل 7 أكتوبر وينفي لقاءه تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط