كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

مفاجأة بوتين للناتو

قبل يومين من نشر العمود، بدا للناظر أن تصعيد إطلاق النار في شرق أوكرانيا، في معارك البروباغندا الكلامية في كييف وموسكو ونيوبورت بإمارة ويلز حيث عقدت قمة حلف الأطلسي وقراراتها، يدفع العالم بلا فرامل إلى حافة حرب عالمية.
وفي يوم الخميس الذي أعلنت فيه السكرتارية العامة لحلف الأطلسي عقوبات اقتصادية جديدة على روسيا، وتأسيس قوة طوارئ للتدخل السريع، قبل الرئيس الأوكراني بيترو بوروشينكو مبادرة التسوية التي قدمها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الأربعاء، بوقف إطلاق النار من قوات الانفصاليين من العرقيات الروسية في شرق أوكرانيا، والتزام القوات الرسمية الأوكرانية بالهدنة، وانسحابها من مناطق الكثافة السكانية، وتبادل الأسرى، وسحب الأسلحة الثقيلة، وفتح ممرات آمنة للإغاثة والمعونات الإنسانية؛ ولقاء الجانبين في بيلاروسيا (مينسك) لبحث هدنة دائمة، وحكم ذاتي للمناطق الشرقية التي يسيطر عليها الانفصاليون. وقبل الثالثة بتوقيت غرينتش يوم الجمعة، قال الرئيس الأوكراني في مؤتمر صحافي مرتجل إنه أصدر الأمر للقوات الأوكرانية بوقف إطلاق النار.
في مينسك، وقع وفد الانفصاليين من شرق أوكرانيا اتفاقية وقف إطلاق النار، التي لا تزال تتمسك بها الأطراف المختلفة، رغم استمرار بعض الخروقات المتفرقة، حتى ساعة كتابة هذه السطور.
السؤال: ما الذي جعل موسكو وكييف تلقيان بدلو الماء والثلج «لأكبر غرض خيري» على الأزمة في قمة اشتعالها وبعد يومين من تصريح الزعيم الروسي بوتين بأن باستطاعته احتلال كييف في أسبوعين؟
من الناحية السياسية نعيش زمنا لا يستطيع فيه الزعيم السياسي الانزواء عن الأنظار أو الانفراد ببيان يلقيه من الراديو فيقبله الشعب بالتصفيق والتأييد، ليس فقط بسبب استقلالية الصحافة، بكل أنواعها، بل أيضا لقدرتها، بسبب وسائل الاتصال الحديثة، على الحصول على الحقائق والمعلومات، مما يتيح للشعوب بدائل عن الرواية الرسمية التي تقدمها الحكومة. في الوقت نفسه فإن أبطال المأساة الأوكرانية، كالرئيس بوتين، والرئيس بوروشينكو، وأيضا زعماء بلدان الأطلسي والاتحاد الأوروبي، كانوا جميعا، وبدرجات متفاوتة، وضعوا أنفسهم في مأزق صنعوا سياجه بأنفسهم من بلاغتهم وتصعيدهم التهديدات المتشددة. ورجل السياسة الذي يعترف بخطئه علنا ويتراجع هو شبه غير موجود.
من الناحية العملية على الأرض، قدم وقف إطلاق النار مخرجا مباشرا من المأزق للرئيسين الأوكراني والروسي معا. فقوات أوكرانيا عجزت عن استعادة المطارات والسيطرة على مناطق الانفصاليين، رغم أنها قبل ثلاثة أسابيع حققت تقدما ملحوظا وكانت على وشك إلحاق هزيمة تامة بالموالين للروس. لكن تدخلا، غير مباشر (لم تقدم المكاتب الصحافية للأطلسي أدلة ملموسة وصورا – رغم تصوير الأقمار الصناعية الأميركية لكل بوصة مربعة في الكرة الأرضية – تقنع قضاة محكمة بإدانة الروس) من موسكو لمد الانفصاليين بأسلحة متطورة ومعلومات قلب الموازين، رجح كفة الانفصاليين. وفهمت كييف الرسالة بأن الجار العملاق، روسيا، لن يسمح بأن يلقى الانفصاليون الروس مصير متمردي نمور التاميل في سريلانكا.
ولذا جاء وقف إطلاق النار كطوق نجاة ينقذ بوروشينكو من هزيمة سياسية محقة أمام جماهيره، إذ لقي جيشه هزيمة عسكرية في الشرق.
أما بالنسبة للرئيس بوتين، فهو، رغم كل بروباغندا الاتحاد الأوروبي وواشنطن والأطلسي، لا يريد تقسيم أوكرانيا، وكان المتحدثون الرسميون الروس وساستهم حريصين في استخدام الألفاظ على ألا تطرح عبارة دولة مستقلة في شرق أوكرانيا، بل عبارات عن إدارة ذاتية، وحكم ذاتي، وحقوق متساوية.
أيضا كان توقيت الرئيس بوتين موفقا في إعلان خطة النقاط السبع لوقف إطلاق النار والتحول إلى هدنة دائمة فتسوية على المدى البعيد أول أيام قمة حلف الأطلسي قبل الافتتاح بساعات، حيث بدا أنه رجل سلام، بينما يتجه زعماء الناتو نحو التصعيد.
الخروج سياسيا من المأزق كان أيضا بالنسبة لزعماء الغرب، حيث يمكن للمكاتب الصحافية الادعاء بأن الموقف المتشدد لحلف الأطلسي هو ما دفع بوتين لطرح المبادرة، وفي الوقت نفسه سينظر مدير المكتب الصحافي في الكرملين في ساعته ضاحكا (فارق التوقيت ثلاث ساعات عن إمارة ويلز) ويقول إن بوتين طرح المبادرة بينما كان زعماء الأطلسي إما نائمين في فنادقهم أو لم يصلوا بعد.
ومن المستبعد أن تعترف كييف بأخطائها، فعندما أطاحت مظاهرات الشوارع بالرئيس فيكتور يانوكوفيتش الموالي لموسكو، وتكونت حكومة انتقالية، خلت من وزراء من العرقيات الروسية من الشرق، وجعلت اللغة الروسية في مرتبة ثانوية، اعتبر الروس في المناطق الشرقية أنفسهم مواطنين من الدرجة الثانية، وهو ما دفعهم للتمرد، خاصة بعد تمرد سكان القرم (كانوا يتمتعون بحكم ذاتي بعد منح نيكيتا خروتشوف القرم لأوكرانيا عام 1954، وكانت الأخيرة وقتها ضمن الاتحاد السوفياتي)، ومساعدات من روسيا وانفصالهم عن أوكرانيا وانضمامهم للفيدرالية الروسية. وكان أحد أخطاء بوتين إسرافه في البلاغة لدرجة اعتقدت معها الأقليات الروسية خارج حدود روسيا أن بإمكانها التمرد في بلدانها، وأن بوتين سيهرع عسكريا لدعمها، وهو ما لا يريده أو حسب حسابه.
ولا شك أن واشنطن والاتحاد الأوروبي لعبا الدور الرئيسي في إشعال الأزمة الأوكرانية، فجمهوريات الاتحاد السوفياتي السابق التي التحقت بالاتحاد الأوروبي انضمت للناتو، كإستونيا ولاتفيا وليتوانيا. وسعى الاتحاد الأوروبي لضم أوكرانيا، لا ليقبله الروس (خاصة عندما كانت شبه جزيرة القرم تحت سيطرة كييف – مما كان يعني رسو سفن الأسطول السادس الأميركي في ميناء سباستبول وتهديد منفذ روسيا إلى المياه الدافئة). وتاريخيا حارب الروس المعارك المصيرية، التي هددت بقاءهم، على أرض أوكرانيا من أيام حملات نابليون والغزو النازي في الحرب الثانية، لأنها خط الدفاع الأخير.
وقد يتساءل البعض عن سر عنجهية حلف الناتو والإدلاء بتصريحات استفزازية لموسكو بشأن ضم جورجيا للحلف، يوم لقاء مينسك والتوصل لوقف إطلاق النار.
لعل الإجابة في استكمال الخطة الأميركية بنقل الجزء الأكبر من ميزانية الإنفاق العسكري على الحلف إلى البلدان الأوروبية، التي ستسهم بنصيب كبير في قوة الانتشار السريع، فأزمة أوكرانيا جاءت هدية من السماء لإدخال الرعب في قلوب الأوروبيين وتذكيرهم بقول الرئيس الراحل ريتشارد نيكسون (لإقناع أوروبا بالإنفاق على قوة ردع نووية) بأن أي رئيس أميركي لن يضحي بنيويورك أو بوسطن مقابل إنقاذ ميونيخ أو باريس في حالة تهديد نووي من موسكو.
وتقديري أنه بعد تحقيق الأميركيين لهدف نقل جانب كبير من ميزانية الإنفاق العسكري لتتحملها الخزانات الأوروبية، ووضع حاميات على حدود روسيا مع الناتو، فإنهم سيحاولون العودة لتعاون لا يمكن الاستغناء عنه مع موسكو، وهو احتواء أخطار الإرهاب والتطرف الإسلامي، حيث كانت حكومة بوتين الأولى أسهمت في حظر نشاط «الإخوان المسلمين» (الشجرة التي تفرعت منها هذه الجماعات) كتنظيم إرهابي.
عن الشرق الاوسط
×
أخبار
مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو تقرير: عقيدة ما بعد 7 أكتوبر تُعلي الهوية اليهودية وتضع إسرائيل في حالة مواجهة عسكرية دائمة تباين حاد بين استطلاعات الرأي الإسرائيلية حول موازين القوى قبل أسبوعين من انتخابات الكنيست الدفاع المدني السعودي: إطلاق الإنذار المبكر في مدينة الرياض بسبب تهديد جوي أردوغان يدين هجوم مطار الملك خالد ويتوعد الحوثيين: "سيتم تفعيل بند الدفاع المشترك في اتفاق مكة "

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط