كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

مُفاعِل الوكلاء

مُفاعِل الوكلاء

تاريخ النشر: 2026-05-31 | 11:36

لقد شكّل الملف النووي الإيراني هاجسًا دائمًا لمنطقة الشرق الأوسط، حيث عايش العالم مسارًا طويلًا من المفاوضات النووية التي قُدّمت، بما رافقها من عقوبات اقتصادية فُرضت على طهران، باعتبارها مُرتكزًا أساسيًا للسلم والأمن العالميين، إلى أنْ بلغ المشهد ذروته باتفاق إيران ومجموعة 5+1، عام 2015 والذي أتاح الإفراج عن مليارات الدولارات مقابل مراقبة البرنامج النووي الإيراني. وفي الوقت ذاته، جرى توظيف هذا الملف ضمن منظومة ضغوط أوسع أعادت هندسة التوازنات الأمنية في الخليج.

تشير التجربة التاريخية، والتحولات الميدانية إلى أنّ السلاح النووي، في جوهره، سلاح ردع أكثر منه أداة حسم سياسي أو عسكري. فالسعي الإيراني لفرض التعامل معها كقوة نووية لن يغيّر وحده موازين الواقع العربي أو الإقليمي. فهل مَنَعَ السلاح النووي الاتحاد السوفيتي من الانهيار؟ وهل مكّن روسيا من حسم الحرب الأوكرانية بصورة نهائية؟ وهل أعاد للهند هيمنتها الكاملة على باكستان، أو لباكستان نفوذها السابق على بنغلادش؟ وهل استطاعت إسرائيل، رغم تفوقها النووي، الاحتفاظ بسيناء أو إنهاء المقاومة الفلسطينية منذ انطلاقتها حتى اليوم؟

في هذا السياق، يُنظر إلى السلاح النّووي باعتباره
أقل تأثيرًا وخطورة على الدول العربية، ولا سيّما الخليجية، مقارنة بما يشكله "مُفاعل الأذرع" الذي بنته طهران على امتداد الإقليم؛ ذلك المُفاعل القائم على الميليشيات العابرة للدولة، والذي تحوّل إلى أداة لتهديد الأمن العربي، والتوسع السياسي على حساب استقرار الدول، واستنزاف المجتمعات من الداخل. ويترافق ذلك مع محاولات إعادة تشكيل خرائط الاقتصاد والممرات التجارية الإقليمية، عبر مشاريع وتحالفات تسعى إلى إنتاج مسارات بديلة تعيد توزيع النفوذ ومراكز القوة في المنطقة.

وفي المقابل، لعبت السياسات الإيرانية خلال العقود الماضية دورًا كبيرًا في تأجيج الانقسامات الطائفية والعرقية، بما جعل المشروع الإيراني يبدو، في نظر كثير من العرب، مشروع نفوذ فوق وطني، يقوم على إعادة تشكيل موازين القوة داخل الدول العربية أكثر من بناء شراكات إقليمية مستقرة. ولم يعد خافيًا حجم النزعة التوسعية التي حكمت سلوك طهران السياسي والأمني، بصرف النظر عن الغطاء الأيديولوجي أو المذهبي الذي جرى توظيفه في هذا السياق.

ولأجل ترسيخ هذا النفوذ، أنشأت إيران شبكة واسعة من الأذرع العسكرية امتدت من سوريا ولبنان إلى العراق واليمن، وصولًا إلى فلسطين، وجعلت منها خطوط دفاع متقدمة عن استراتيجيتها الإقليمية، وفق ما صرّح به مرارًا قادة الصف الأول السياسي والعسكري في إيران، الذين لم يتوقفوا عن التلويح باستهداف دول الخليج في حال تعرضت طهران لأي هجوم أميركي أو إسرائيلي، وهو ما عكسته عملية "الغضب الملحمي" بصورة واضحة، حين بدت الساحات الخليجية أكثر تعرضًا للاستهداف بالصواريخ والمُسيّرات من غيرها، بما كشف أنّ بُنية الوكلاء لم تكن يومًا منفصلة عن معادلة الضغط المباشر على الأمن الخليجي.

وقد شكّل اتفاق عام 2015 لحظة فاصلة في الوعي الخليجي، لأنه تجاهل بصورة واضحة المخاوف العربية المرتبطة بالقوى الخارجة عن الدولة والقانون، وركّز حصريًا على الملف النووي. وهو ما دفع دول الخليج، وفي مقدمتها السعودية، إلى تبني سياسات احترازية سياسية واقتصادية وأمنية، في مؤشر واضح على تصدع الثقة الاستراتيجية مع الولايات المتحدة.

كما ساهمت التحفظات الخليجية، إلى جانب الموقف الإسرائيلي بقيادة نتنياهو، في التأثير على القرار الأميركي لاحقًا، وصولًا إلى انسحاب إدارة ترامب من الاتفاق عام 2018، باعتباره اتفاقًا عالج النووي الإيراني نسبيًا، لكنه تجاهل البُنية العسكرية والسياسية التي بنتها إيران في المنطقة.

وقد بدت حرب الأيام الاثني عشر في يونيو 2025، ثم عملية "الغضب الملحمي" في فبراير 2026، وكأنهما تمثلان نهاية مرحلة المماتعة السياسية التقليدية بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى. إلا أنّ تطورات الحرب، وما رافقها من استهداف متبادل، وتهديدات مباشرة وغير مباشرة للبُنية الحيوية والطاقة في الخليج، حيث امتدت إلى مرحلة استهداف منشآت حساسة كمحطة "براكة" الإماراتية للطاقة النووية السلمية، كشفت أنّ المنطقة لم تغادر دائرة إدارة الصراع، بل دخلت مرحلة أكثر خطورة وتعقيدًا.

فالرسائل المتبادلة بين أطراف الحرب، والسعي المتكرر نحو اتفاقات مؤقتة لاحتواء التصعيد، بما في ذلك ما يُتداول في بعض التقديرات التحليلية غير الموثّقة، تشير إلى أنّ مركز الثقل في هذه الرسائل ما يزال محصورًا في الملف النووي بوصفه العنوان الأكثر قابلية للإدارة والاحتواء، إضافة إلى الأزمات الطارئة المرتبطة بأمن الطاقة والملاحة الدولية، وفي مقدمتها مضيق هرمز بوصفه أحد أعصاب الطاقة العالمية. غير أنّ هذا التركيز لا يعكس كامل بُنية التهديد، بقدر ما يكشف عن نمط إدارة للصراع يقوم على تجزئة الملفات لا معالجتها بنيويًا، فيما يبقى "مُفاعل الوكلاء الإقليميين والمليشيات" خارج أي معالجة حقيقية، رغم ما تعرّض له من إنهاك وتراجع نسبي في بعض الساحات، سواءً عبر إضعاف نفوذ حلفاء إيران في سوريا وغزة ولبنان، أو محاولات تقويض شبكاتها المسلحة في اليمن والعراق، دون أنْ يعني ذلك تراجع البُنية العميقة لهذا النفوذ بوصفه أحد أكثر مكونات الأمن الإقليمي التصاقًا وتعقيدًا، وتهديدًا للأمن العربي والخليجي.

وتشير مجمل هذه التطورات إلى أننا أمام مرحلة جديدة من المماتعة السياسية، تتمثل في إدارة الصراع لا حسمه، حيث يُعاد إنتاج التوازنات ذاتها بصيغ أكثر خشونة، فيما تتجه المنطقة نحو إعادة تشكيل بُنية أمنية إقليمية ذات طابع أطلسي ـ آسيوي، هدفها حماية المصالح الغربية في مواجهة التمدد الصيني والروسي، على غرار تحالف "أوكوس" الذي جمع الولايات المتحدة وبريطانيا وأستراليا في إطار مواجهة التحولات الجيوسياسية الكبرى في المحيطين الهادئ والهندي، في ظل تحوّل الخليج والبحر الأحمر وشرق المتوسط إلى ساحات اشتباك متقدمة في التنافس الدولي الجديد.

فالمشكلة لم تكن يومًا في اليورانيوم المخصب وحده، بل في تحويل الجغرافيا العربية إلى وقود دائم لصراعات النفوذ، حتى بات "مُفاعل الوكلاء" أكثر قدرة على التفجير من أي منشأة نووية، لأنه لم يستهدف حدود الدول فقط، بل أصاب فكرة الدولة نفسها في قلبها. والخطر الحقيقي ليس في إخراج الميليشيات من المعادلة التفاوضية، بل في وهم أنّ القصف الجوي وحده كفيل بتفكيك "مُفاعل" زرعته إيران داخل نسيج الدول ذاتها.
في جوهر الخطر، لا تبدو إيران دولة تفاوض بعقل سياسي متماسك أو بمركز قرار موحد، وهو ما يفسر جانبًا من مأزق المشهد الإقليمي الراهن. فأي اتفاق يُبَرم في ظل تنازع المؤسسات الصانعة للقرار، وتصارع مراكز القوى لحماية مصالحها، لا يصبح اتفاقًا هشًا فحسب، بل يُبقي المنطقة معلّقة بين مطرقة الدبلوماسية وصاروخ الميدان. فالأطراف الإقليمية والدولية لا تبحث في النهاية عن نص مكتوب فقط، بل عن سلطة قادرة على فرض النص وتطبيقه.
ويبقى السؤال الحاضر الغائب عربيًا: ألم يأنِ الأوان للدول العربية للانتقال من موقع الاستجابة لتداعيات الصراع إلى موقع المبادرة في صياغة ترتيباتها الأمنية الخاصة، أم أنها ستظل تتعامل مع نتائج "مُفاعل الوكلاء" بدل الانشغال بشروط تفكيكه؟

×
أخبار
مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو تقرير: عقيدة ما بعد 7 أكتوبر تُعلي الهوية اليهودية وتضع إسرائيل في حالة مواجهة عسكرية دائمة تباين حاد بين استطلاعات الرأي الإسرائيلية حول موازين القوى قبل أسبوعين من انتخابات الكنيست الدفاع المدني السعودي: إطلاق الإنذار المبكر في مدينة الرياض بسبب تهديد جوي أردوغان يدين هجوم مطار الملك خالد ويتوعد الحوثيين: "سيتم تفعيل بند الدفاع المشترك في اتفاق مكة "

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط