كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

مفاوضات مسقط المرتقبة … هل تغيّر واشنطن جوهر موقفها أم تعيد إنتاج الخديعة ؟

مفاوضات مسقط  المرتقبة … هل تغيّر واشنطن جوهر موقفها أم تعيد إنتاج الخديعة  ؟

تاريخ النشر: 2026-02-05 | 14:53

قبل يومين من الاجتماع المقرر بين واشنطن وطهران غدا الجمعة في مسقط شهدت المفاوضات بين الطرفين تراجعا مفاجئا من الجانب الأمريكي مما أثار العديد من التساؤلات حول دوافع هذا التغيير في الموقف إلا أن الضغوط المتزايدة من دول عربية وإسلامية التي عبرت عن قلقها من تبعات هذه المفاوضات على استقرار المنطقة كان لها دور كبير في دفع الولايات المتحدة للعودة إلى طاولة التفاوض والموافقة على استئناف الحوار مع إيران هذا التحول يسلط الضوء على التوازنات الدقيقة التي تتحكم في العلاقات الدولية في منطقة الشرق الأوسط وأثر التدخلات الإقليمية في تحديد سياسات القوى الكبرى

 

نقل مكان المحادثات من تركيا إلى سلطنة عمان جاء بناء على طلب ايراني وموافقة  امريكية كما طلبت ايران أيضًا بأن تكون المباحثات مباشرة بين واشنطن وطهران فقط رغبة منها  في التحكم في إطار ومحتوى الحوار وتقليص جدول الأعمال ليقتصر على النقاش النووي فقط وإبعاد الضغط الأمريكي نحو ملفاتها العسكرية أو نفوذها الإقليمي في المنطقة

 

عمان تعد خيارًا محايدًا ومعتادًا في المفاوضات الأمريكية – الإيرانية وقد سبق أن استضافت جولات مفاوضات غير مباشرة في الماضي وبمقارنتها مع إسطنبول التي كانت مقررة للجولة تعتبر مكان أقل صخبًا سياسيًا وإعلاميًا وقد تساعد إيران على التعامل في إطار ثنائي مباشر دون وسطاء كثيرين أو حضور أطراف إقليمية قد تضغط نحو توسيع الموضوعات كما ان اختيار عمان يمكن أن يكون إشارة من طهران بأنها تريد تقليل احتمالات الخلاف حول الطرح الأمريكي ومحاولة الحفاظ على شكل أقل توتراً للمحادثات في ظل ثبات ايران على أن ملف الصواريخ والقدرات الدفاعية الغير قابلة للتفاوض في هذه الجولة واعتبارها  خطًا أحمر بالضافة الى  تفاقم التصعيد العسكري  في المنطقة مع إسقاط طائرة إيرانية مسيرة وتصاعد المواجهات البحرية  مما يرفع المخاطر في حال فشل الحوار والتوتر في المصالح هو الذي دفع إيران لطلب هذا التغيير في المكان والموضوع

 

يوم الجمعة المقبل تتجه أنظار الإقليم والعالم إلى مدينة مسقط حيث يُفترض أن تُعقد جولة مباحثات مباشرة بين إيران والولايات المتحدة في توقيت بالغ الحساسية يأتي بعد حرب الأيام الاثني عشر وما خلّفته من اغتيالات وضربات ودمار وصدمة سياسية عميقة داخل إيران وخارجها وهذه الجولة التي سيترأس فيها وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي الوفد الإيراني ويقابله المبعوث الأميركي الخاص ستيف ويتكوف لا يمكن فصلها عن سياق التهديد العسكري المفتوح ولا عن الحشود الأميركية في المنطقة ولا عن التناغم المتصاعد بين واشنطن وتل أبيب ما يجعلها أقرب إلى مفاوضات على حافة الحرب منها إلى مسار دبلوماسي تقليدي

 

منذ الإعلان عن هذا اللقاء تتعامل طهران بحذر معلن وقلق غير خفي مع ما يجري إذ أن التجربة القريبة ما زالت حاضرة بقوة حين سبقت حرب الأيام الاثني عشر مراسلات ورسائل ووساطات أوحت حينها بوجود فرصة تفاوضية ثم تبيّن لاحقاً أنها كانت جزءاً من مرحلة خداع استراتيجي استخدمته واشنطن وتل أبيب لتهيئة المسرح السياسي والعسكري لعملية واسعة النطاق وهذا الإرث الثقيل من انعدام الثقة يجعل أي حديث عن نوايا أميركية صادقة موضع تشكيك عميق داخل مؤسسات القرار الإيرانية

 

اللافت في هذه الجولة ليس فقط تغيير مكانها أو مستوى التمثيل فيها بل البيئة السياسية التي تسبقها حيث يأتي الاجتماع بعد أشهر قليلة من انهيار مسار تفاوضي مشابه انتهى بحرب خاطفة وعمليات اغتيال استهدفت علماء ومنشآت داخل إيران في وقت كانت فيه القنوات الخلفية لا تزال مفتوحة وهو ما عزز داخل دوائر القرار الإيرانية قناعة بأن واشنطن تستخدم التفاوض أحياناً كأداة لإدارة الصراع لا لحلّه وكوسيلة لكسب الوقت وجمع المعلومات وتهيئة المسرح الميداني لا لتقديم ضمانات حقيقية

 

المعطيات التي كشفتها وسائل إعلام غربية مثل أكسيوس ورويترز وفايننشال تايمز حول احتمال مشاركة جاريد كوشنر في لقاء عمان وزيارة ويتكوف المسبقة إلى إسرائيل تضيف طبقة سميكة من الريبة لان وجود كوشنر اصلا لا يحمل أي دلالة دبلوماسية بقدر ما يستحضر مرحلة الضغط الأقصى والانحياز الكامل لإسرائيل كما أن التنسيق العلني مع تل أبيب قبل أي لقاء مع طهران يوحي ايضا بأن واشنطن لا تأتي إلى المفاوضات بوصفها وسيطاً أو طرفاً مستقلاً بل بوصفها شريكاً في رؤية أمنية إسرائيلية أوسع

 

في صلب النقاش تصر إيران على أن يكون التفاوض محصوراً بالملف النووي دون سواه وهو موقف ثابت يستند إلى قناعة استراتيجية مفادها أن فتح ملفات الصواريخ أو النفوذ الإقليمي أو الحلفاء يعني الدخول في مسار استنزاف طويل قد ينتهي بتجريد إيران من عناصر قوتها واحدة تلو الأخرى وان التصريحات الصادرة عن البرلمان الإيراني والرئاسة ووزارة الخارجية تؤكد أن التفاوض لا يعني وقف البرنامج النووي بل تنظيمه ضمن نسب تخصيب وآليات رقابة تضمن حق إيران السيادي في التكنولوجيا النووية السلمية

 

واشنطن لا زالت تتمسك بمنع إيران من امتلاك اي سلاح نووي لكنها تترك هذا الامر فضفاضاً بما يسمح بتحميله مطالب تتجاوز هذا الهدف بكثير وحديث المسؤولين الأميركيين عن عدم التخصيب وتفكيك المنشآت وتصفير القدرات يعكس عملياً سعياً لإلغاء البرنامج لا لضبطه وهو ما تعتبره طهران محاولة لإعادة إنتاج معادلة الإملاء بالقوة لا التسوية المتوازنة

 

إسرائيل من جهتها لا تخفي موقفها المتشدد إذ تشير تسريبات الإعلام العبري إلى أن تل أبيب ترى في أي اتفاق جزئي خطراً مؤجلاً وتدفع نحو مقاربة شاملة تستهدف البرنامج النووي والصاروخي والدور الإقليمي لإيران وصولاً إلى إضعاف النظام نفسه أو إسقاطه إن أمكن وهذا الموقف الإسرائيلي يشكل ضغطاً دائماً على واشنطن ويجعل أي مسار تفاوضي عرضة للتخريب المتعمد في اللحظة التي ترى فيها تل أبيب أن الدبلوماسية لا تخدم أهدافها الاستراتيجية

 

تحليلات خبراء الشأن الإيراني تشير إلى أن ما يجري حالياً لا يزال في إطار نقاشات تمهيدية واختبار نيات أكثر منه مفاوضات فعلية والجلسة المرتقبة في مسقط تشبه عصفاً ذهنياً سياسياً يبحث في احتمالات الحرب أو تجنبها وفي حدود التنازلات الممكنة لدى كل طرف دون وجود ضمانات حقيقية أو خريطة طريق واضحة وهو ما يفسر غموض التصريحات وتناقض التسريبات بين العواصم المعنية

 

الخطير في هذه المرحلة أن التفاوض يجري في ظل تهديد عسكري مباشر وتصعيد إعلامي وأمني غير مسبوق والحشود الأميركية في المنطقة والتسريبات عن جاهزية خطط الضرب والحديث عن سيناريوهات إسقاط النظام أو إنهاكه تتزامن مع خطاب دبلوماسي ناعم نسبياً ما يثير شبهة بأن المفاوضات قد تُستخدم مرة أخرى كأداة لتخدير الرأي العام الدولي وامتصاص أي ردود فعل مسبقة على ضربة محتملة

 

على طهران عدم من الركون ثانية إلى النوايا الأميركية المعلنة أو التعويل على لغة الدبلوماسية وحدها خصوصا وان التجربة أثبتت أن واشنطن قادرة على الجمع بين التفاوض والضربة في آن واحد وأن إسرائيل تلعب دوراً محورياً في هندسة الخداع عبر تسريب معلومات متناقضة وافتعال خلافات ظاهرية مع الإدارة الأميركية لتهيئة العالم لتقبل أي عمل عسكري باعتباره نتيجة فشل إيراني لا خياراً مخططاً له مسبقاً إن تجاهل هذا العامل الإسرائيلي في معادلة التفاوض قد يكون خطأً استراتيجياً فادحاً

 

اذا ما فشلت جولة مسقط يمكن تصور عدة سيناريوهات للردود الامريكية أولها توجيه ضربات عسكرية محدودة تستهدف ما تبقى من البرنامج النووي والبنية الصاروخية تحت عنوان فرض الخطوط الحمراء وثانيها تصعيد أوسع قد يشمل منشآت عسكرية وأمنية بهدف إنهاك النظام ودفع الداخل الإيراني نحو انفجار سياسي وثالثها استخدام الفشل التفاوضي كذريعة لتشديد العقوبات وخنق الاقتصاد الإيراني تمهيداً لمواجهة أكبر لاحقاً أما أخطر هذه السيناريوهات فهو الجمع بين الضغط العسكري المحدود والفوضى الداخلية بما يفتح الباب أمام مرحلة عدم استقرار طويل الأمد تتجاوز حدود إيران إلى كامل الإقليم

 

جولة الجمعة المرتقبة تجعل عمان تقف على حافة لحظة تاريخية دقيقة إما أن تُستثمر كفرصة أخيرة لبناء مسار تفاوضي حقيقي قائم على الضمانات والاحترام المتبادل وإما أن تتحول إلى حلقة جديدة في سلسلة الخداع التي خبرتها طهران مراراً ما يجعل نتائجها أخطر من فشلها ونجاح هذه الجولة لن يُقاس بالبيانات الختامية ولا بالتصريحات الدبلوماسية بل بما إذا كانت ستمنع الحرب فعلاً أم ستؤجلها فقط إلى توقيت اخر تختاره واشنطن وتل أبيب بعناية فائقة

 

في المحصلة : تبدو مسقط اليوم بين طهران وواشنطن أكثر من مجرد محطة تفاوضية عابرة ومه تزايد حدة التصعيد العسكري الأميركي وثبات إيران على خطوطها الحمراء في الملف النووي والصواريخ الباليستية تطرح جولة المباحثات هذه سؤالاً محوريًا هل هي فرصة حقيقية لتغيير جوهر الموقف الأميركي تجاه إيران أم أنها مجرد إعادة إنتاج لخديعة دبلوماسية متكررة تُحسن واجهة الحوار بينما تبقى الأهداف الحقيقية معلقة وراء الستار في ظل حالة جدلية حادة بين وعود الدبلوماسية ومخاطر الواقع الميداني

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط