كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

مفهوم النضال عند مُعلِّمي!

مفهوم النضال عند مُعلِّمي!

تاريخ النشر: 2026-05-07 | 11:27

كان أستاذي، سليمان في المرحلة الإعدادية يدرسني اللغة الإنجليزية والتاريخ، كان هذا المعلم شغوفا بقصص التاريخ أكثر من تدريس اللغة الإنجليزية، كان يشوقنا لنقرأ تاريخ العالم، كان يقسم حصته بين اللغة الإنجليزية وتاريخ فلسطين، كان تاريخ فلسطين في تلك الحقبة ليس مقررا علينا في مدارسنا للأسف، سأظل أذكره وهو يسرد قصة مدينة غزة عبر التاريخ، كان يسردها في صورة مشوقة محببة، يختار لها شخصيات محورية، ويضع على ألسنتهم معلومات قصصية مشوقة!

كان معلمي المحبوب مغرما بقصة، الإسكندر فيليب المقدوني المولود عام 365 قبل الميلاد، لا لأنه قائد جيش عظيم، صمم لأفراد جيشه أطول الرماح، وعلم جيشه البطولات والتضحية في سبيل الوطن، بل لأن الإسكندر مثقفٌ واسع الثقافة، تتلمذ على يد الفيلسوف أرسطو في أكاديميته، لم أكن أعرف يومها شيئا عن أكاديمية الفيلسوف الإغريقي أرسطو، ولا عن، ديوجين الفيلسوف الكلبي الزاهد في كل متع الحياة، لأن الفضيلة عند ديوجين تكمن في البساطة كحياة كلاب الشوارع، وتكمن في عدم امتلاك أية وسيلة من وسائل الرفاهية!

فصَّ علينا معلمنا قصة الإسكندر الأكبر مع، ديوجين، كان شوقنا يظهر في صمتنا المطبق، وعيوننا المتابعة لحركة شفتيه، كنا نستمتع بولادة الكلمات على شفتيه قال: "كان الفيلسوف الزاهد ديوجين يعيش في برميل قديم، لأنه لا يملك بيتا مسقوفا، يحتمى فيه من المطر، ينام فيه ليحظى بالدفء، زاره الإسكندر المقدوني يوما وهو نائم في البرميل مغطى بقطعة قماش بالية، كان يرغب أن يقبس من علم هذا الزاهد، أيقظه الإسكندر بابتسامة وقال له: "أنا الإسكندر الأكبر حاكم البلاد جئتك لأنهل من فلسفتك ولأنقذك من البرميل، فماذا تحتاج"؟ رد، ديوجين: "ابتعد، حتى لا تحجب عني أشعة الشمس الدافئة"؟!

لم يُخفِ معلمي سبب إعجابه بالإسكندر المقدوني، كان يردد بأنه قائد مثقف، على الرغم من أنه كان عسكريا عنيفا، أسس عدة مدن في العالم تحمل اسمه، وأبرزها مدينة الإسكندرية، وغيرها في كثير من دول العالم، توفي هذا القائد عام 323 قبل الميلاد، بعد أن فتح دولا عديدة في العالم، احتل بلاد فارس المنيعة، توفي وعمره اثنتان وثلاثون سنة فقط!

كنا نعرف أن نهاية القصة، لن تكون عن مغامرات الإسكندر الأكبر العسكرية، كنا نعلم أنه يخبئ التشويق في نهاية قصته، صمت قليلا ثم قال: "كان الفُرس يحكمون غزة، بقيادة بطل آخرـ تحدَّى الإسكندر المقدوني، وهو القائد، باتيس الذي ولاه ، داريوس الثالث إمبراطور فارس ولاية غزة، تمكن هذا القائد من جعل غزة مدينة حصينه، هذا القائد تمكن خلال أكثر من ثلاثة أشهر من هزيمة الإسكندر نفسيا،  أصابه بجراح، أرغمه أن يمكث في فتح غزة أكثر من ثلاثة أشهر كاملة، حتى يتمكن من اختراق حصونها المنيعة، لأن غزة كانت هي الطريق نحو مصر! كان معلمنا يعلمنا درسا في البطولة والشجاعة، على الرغم من نقص الإمكانات عند القائد الفارسي، باتيس، ويعلمنا في الوقت نفسه كيف نُحب مدينتنا الباسلة بواسطة هذه القصة التاريخية!

كان معلمي يحب، باتيس، لدرجة أننا كنا عندما نراه قادما إلى الفصل كنا نقول بصوت منخفض: "جاء باتيس" كان معلمي يُحب باتيس ليس لأنه قائد شجاع فقط، بل لأنه كان حريصا على شعب غزة، فقد أرسل في شوارع المدينة قبل وصول الإسكندر المقدوني منادين ذوي أصواتٍ عالية، ينادون في شوارع غزة يطلبون من أهل غزة أن يُخزنوا الطعام ليتمكنوا من الصمود، لأنهم سيواجهون جيشا جرَّارا في الأيام القادمة! عندما وصل الإسكندر غزة استغرب من قوة جيشها ومناعة حصونها لذلك قتل كل ذكورها، بلغ عدد القتلى عشرة ألاف قتيل، ثم سبى نساءها وأطفالها، وتمكن بعد قتال عنيف من أسر قائدها"! كنا نرى علامات الحزن بادية على وجه معلمنا، وكأنه فقد ابنا من أبنائه، واصل قائلا: "ربط الإسكندرُ القائد، باتيس بحبل من قدميه إلى عربة حصان وجرجره في شوارع غزة احتفالا بالانتصار، لم يكتفِ بذلك، بل إنه نهب حمولات كبيرة من أشجار بخور غزة ومن نباتاتها النادرة مثل نبات، المُر واللبان"! توقف معلمي ليسألنا سؤالا تفاعليا ليعزز التشويق: "ما بطولة القائد باتيس"؟ّ!

كان معلمي المثقف مؤمنا بأن بطولة، باتيس ليست هي البطولة العسكرية، بل كانت البطولة الحقيقية هي المحافظة على أرواح مواطنيه، فهو قد طلب منهم تخزين الطعام، ليتمكنوا من الصمود في وجه جيش قدم إلى غزة غازيا، باتيس لم يشعل حربا سرية ضد الإسكندر، بل كان مدافعا عن غزة، وليس مهاجما في السر بخطة شخصية ارتجالية، كما حدث اليوم!

كان معلمي يربط بين الغزي، باتيس وبين قصة سيدنا يوسف في عهد الفرعون القصة الواردة في التوراة والقرآن، عندما استشرف يوسف أن مصر ستمر بسبع سنين عجاف، وسبع سنين رخاء، لذلك عينه الفرعون مسؤولا عن المالية والاقتصاد، فكانت بطولة يوسف هي بطولة اقتصادية وليست عسكرية، فشرع في بناء مخازن الحبوب، ملأها بالقمح، صارت مصر بلدا منيعة ضد المجاعة، ورد في سفر التكوين 42: "قدمتْ كلُّ وفود الأرض إلى يوسف في مصر لتشتري قمحا، لأن الجوع كان شديدا في كل الأرض"

لم أعِ حكمة معلمي المثقف وعشقه لحكمة، باتيس قائد غزة إلا متأخرا، ولا سيما بعد كارثة السابع من أكتوبر، حين فقدت مدينتي غزة وممتلكاتي، عشت أيضا سبع شهور أبحث عن طعام جيد، أدركتُ أن للمقاومة معنىً آخر، وهو كيف نحمي أهلنا من القتل ومدينتا من الدمار، وليس فقط كيف نشعل حربا غير متكافئة!

تذكرتُ قصة مشهورة من تراثنا الديني غير الخاضع للأحزاب والفلسفات الفقهية، وهي قصة مستمدة من عام الرمادة في الجزيرة العربية في عهد الخليفة، عمر بن الخطاب، عندما أصاب القحطُ  بلاد المسلمين بسبب الجفاف وقلة المطر، لأن في القصة رسالة واضحة لكل المتفيهقين ممن ينسبون أنفسهم للإسلام، ويدعون أنهم مرسلون بأمر من الله، وهي قصة مشهورة في التراث: "ففي عام 18 للهجرة حلّتْ بالجزيرة العربية مجاعة، وفي هذا العام أقدم بعض الجوعى على سرقة ناقة يملكها رجل من قبيلة مُزينة، نحروها ليأكلوا لحمها، ألقي صاحب الناقة القبض عليهم، وعرضهم أمام الخليفة، عمر بن الخطاب، فاعترفوا بأنهم سرقوها ليأكلوا لحمها بسبب الجوع، لأن ربَّ عملهم، حاطب بن أبي بلتعة يُجيعهم ولا يُشبعهم، فقرر عمر إيقاف حد قطع يد السارق وهو الحد المنصوص عليه في القرآن الكريم، أمر الخليفة، عمر بن الخطاب بتغريم ربَّ عملهم الذي أجاعهم بدفع ثمن الناقة مضاعفا!

لم يكتف الخليفة، عمر بذلك بل إنه أوقف جمع الزكاة في عام الرمادة، ثم أعاد توزيع موارد الطعام، ثم نظم قوافل الجِمال لتستورد الغذاء من الشام ومصر، وأسس المخازن، وأشرف على توزيع المعونات من بيت مال المسلمين!

لم يحتكر، الخليفة عمر بن الخطاب تجارة الطعام والكساء والمساكن لمصلحة الدولة، ولم يلزم التجار بدفع مبالغ طائلة لإثراء موازنة الدولة، بل أقدم الخليفة عمر على الصيام وامتنع عن أكل اللحوم والألبان، وقرر أن يعيش كما يعيش فقراء وطنه! ولم يحتكر التجارة، ولم يفرض الإتاوات والضرائب، ولم يُهجر أبناء شعبه. أليست خطوات الخليفة عمر هي النضال الأفضل المتمثل في المحافظة على حياة المواطنين، وإلغاء القوانين غير الملائمة لعام الرمادة؟!

×
أخبار
الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو تقرير: عقيدة ما بعد 7 أكتوبر تُعلي الهوية اليهودية وتضع إسرائيل في حالة مواجهة عسكرية دائمة تباين حاد بين استطلاعات الرأي الإسرائيلية حول موازين القوى قبل أسبوعين من انتخابات الكنيست الدفاع المدني السعودي: إطلاق الإنذار المبكر في مدينة الرياض بسبب تهديد جوي أردوغان يدين هجوم مطار الملك خالد ويتوعد الحوثيين: "سيتم تفعيل بند الدفاع المشترك في اتفاق مكة " الاتحاد الأوروبي يدرج 1650 كياناً وفرداً روسياً جديداً ضمن قوائم العقوبات

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط