كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

مقاربة "معضلة السجين" وغياب الثقة بين أمريكا وإيران

مقاربة "معضلة السجين" وغياب الثقة بين أمريكا وإيران

تاريخ النشر: 2026-04-11 | 11:45

نص المقالمع استمرار الصراع بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، يبدو للوهلة الأولى أنه صراعٌ تقليدي يتعلق بالتنافس على النفوذ، وبتضارب في المصالح الاستراتيجية بين الطرفين. وعلى الرغم من صوابية هذا التقييم، إلا أن فهم خفايا هذا الصراع يتطلب فهمًا أعمقاً لأسباب استمراره، رغم محاولات الوسطاء الجادة لاحتواء التصعيد، وتوجيهه نحو مسار التفاوض برعاية باكستانية صينية.
انطلاقًا من هذه الفكرة، يناقش هذا المقال معضلة السجين كمقاربة سياسية قائمة على الشك وعدم الثقة واسقاطها على الصراع القائم بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، وذلك من خلال المحاور التالية:
أولاً- مقاربة معضلة السجين (تأصيل نظري مفاهيمي):
تساعد المقاربة في تفسير لماذا لا يثق الطرفان ببعضهما، وهي منبثقة من القصة التي تتضمن وجود متهمين، لا يملك المحقق أدلةً كافية على أيٍّ منهما لإثبات الجرم. الخيارات المتاحة أمام كل متهم أثناء التحقيق هي إما أن يشهد على المتهم الآخر أمام القاضي، أو أن يلتزم الصمت. وفي حال آثر المتهمان الصمت، لا تستطيع المحكمة إثبات التهمة على أيٍّ منهما، ويُحكم على كلٍّ منهما بالسجن ستة أشهر فقط. أما لو شهد أحد المتهمين على صاحبه، يخرج الشاهد دون حكم، ويُحكم على الآخر بالسجن عشر سنوات. وإذا اختار كلا المتهمين أن يشهد على الآخر، يُحكم على الاثنين بخمس سنوات من السجن. كلا المتهمين لا يعلم بقرار الآخر أثناء التحقيق معه.
تعتبر معضلة السجين مفهوماً مركزياً في نظرية الألعاب، التي نشأت نتيجة العمل التأسيسي لـ"جون فون نيومان" و"أوسكار مورغنسترن" في كتابهما: "نظرية الألعاب والسلوك الاقتصادي" عام 1944م، الذي وضع الأساس لنظرية الألعاب الحديثة. استنادًا إلى هذا الأساس، تم تطوير هذه المقاربة بواسطة "ميريل فلود" و"ميلفن دريشر" في مؤسسة راند للأبحاث والتطوير عام 1950م، كجزء من أبحاثهما في اتخاذ القرار الاستراتيجي ضمن نظرية الألعاب.
يُعد توازن ناش، الذي قدمه "جون ناش"، إضافةً نوعيةً لفهم معضلة السجين. إذ يصف مفهوم التوازن وضعًا لا يمكن لأي لاعب فيه الاستفادة من تغيير استراتيجيته من جانب واحد، إذا بقيت استراتيجيات الآخرين دون تغيير. ضمن معضلة السجين، يفسر توازن ناش سبب عدم تعاون الأفراد، حتى لو بدا أن التعاون يصب في مصلحتهم.
ثانياً- غياب الثقة في الحالة الأمريكية– الإيرانية:
توصف معضلة السجين بأنها تساعد في فهم منطق الحذر وعدم الثقة المفرطين اللذين يحكمان سلوك الطرفين. تعكس طبيعة النظام الدولي القائم على الفوضى، الذي يستبعد بنية الألعاب التعاونية على نحوٍ مطلق؛ ذلك أن هذه المعضلة تعزز الفواعل وتدفعها إلى عدم التعاون، لأن ذلك أفضل خيار يخدم مصلحتهم، وخصوصًا ضمن معادلة صفرية يكون فيها خاسر واحد، ورابح واحد، وربح أحد الطرفين يمثل الخسارة المطلقة للطرف الآخر.
تكمن مشكلة المقاربة ليس في غياب فرص التعاون، وإنما في هشاشتها. فالطرفان يدركان، بدرجات متفاوتة، أن التهدئة المتبادلة يمكن أن تخفف من الأعباء الاقتصادية والأمنية، إلا أن هذا الإدراك يصطدم دائمًا بسؤال جوهري مفاده: ماذا لو لم يلتزم الطرف الآخر؟ وهو ما يرسّخ حالة عدم الثقة والريبة. فالتعاون في بيئة غير مستقرة، ينظر إليه كمخاطرة أكثر من كونه فرصة، وهو ما يدفع كل طرف إلى تفضيل خيارات تبدو أكثر أمانًا على المدى القصير، حتى وإن كانت مكلفة على المدى البعيد.
يمكن قراءة العلاقات الأمريكية– الإيرانية من خلال معضلة السجين، حين تتراكم القرارات فوق بعضها البعض، وتتحول كل خطوة إلى مرجعية تُفسَّر من خلالها الخطوة التالية. فانسحاب الولايات المتحدة، على سبيل المثال، من الاتفاق النووي الإيراني عام 2015م، لم يكن مجرد قرار سياسي معزول، بل أعاد تشكيل إدراك إيران لموثوقية الالتزامات الأمريكية. وبالمقابل، فإن ردود الفعل الإيرانية اللاحقة عززت في الوعي الأمريكي صورة الطرف الذي يصعب احتواؤه. وبهذا المعنى، لا يتحرك الطرفان فقط وفق حسابات مادية، بل أيضًا ضمن ذاكرة سياسية مشبعة بالتجارب السلبية.
ثالثاً- العوامل الداخلية وغياب آليات بناء الثقة:
معضلة السجين كمقاربة لا تقتصر على العلاقة بين الدولتين فقط، بل تتأثر أيضًا بعوامل داخلية لكل دولة. فصانع القرار لا يملك حرية كاملة في اختيار التعاون، حتى لو كان ذلك الخيار منطقيًا، لأنه يواجه أيضًا ضغوطًا من الرأي العام والمؤسسات والأيديولوجيات ذات التأثير القوي. هذه الضغوط تدفعه إلى تبني مواقف متشددة بدلًا من المرونة، خوفًا من أن يظهر بمظهر الضعيف أو المتنازل أمام شعبه. لذلك، لا يخشى كل طرف خيانة الطرف الآخر فقط، بل يخشى أيضًا ردود الفعل الداخلية، مما يزيد من تعقيد المشهد ويجعل التعاون أكثر صعوبة.
ثمة مشكلة لا تكمن فقط في غياب الثقة، بل في غياب آليات قابلة لتوليدها. فالثقة في العلاقات الدولية لا تُبنى على النوايا، بل على ترتيبات مؤسسية وإجرائية تُقلل من هامش الغموض. وفي حالة الولايات المتحدة وإيران، تبقى هذه الترتيبات إما هشة أو مؤقتة، بحيث لم تنجح في تحويل لحظات التهدئة إلى قواعد مستقرة. لذلك، سرعان ما تؤدي أي انتكاسة في التفاعل إلى نقطة البداية، وكأن الطرفين يسيران في حلقة مفرغة.
هذا لا يعني أن الخروج من هذه المعضلة مستحيل. فالتجارب المقارنة في نظرية الألعاب تشير إلى أن التفاعلات المتكررة تتيح، نظريًا، فرصًا لبناء أنماط سلوكية أكثر تعاونًا، لكن بشرط أن تُدار هذه التفاعلات بطريقة تراكمية وحذرة. فبدلًا من التوجه نحو اتفاقات شاملة وكبيرة، قد يكون من الأجدى التركيز على خطوات جزئية تُختبر فيها النوايا بشكلٍ تدريجي. كما أن إدخال أطراف وسيطة أو أطر متعددة الأطراف يمكن أن يسهم في تخفيف عبء الشك المباشر بين الطرفين.
باعتقادي، أن تحليل الصراع بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران من خلال مقاربة معضلة السجين يكشف أن الإشكالية الأساسية ليست في تضارب المصالح بقدر ما هي في إدارة هذا التضارب في ظل غياب الثقة. فحين تتحول كل خطوة إلى اختبار للنوايا، يصبح التعاون معدوماً، ويصبح التصعيد خيارًا شبه افتراضي. ومن هنا، فإن أي تحول حقيقي في مسار هذا الصراع لن يكون نتاج اتفاق مفاجئ، بل نتيجة عملية طويلة من إعادة بناء الثقة، خطوة بخطوة، في بيئة لا تزال تفتقر إلى النوايا السلمية، والضمانات الكافية التي قد تساهم في ميل الأطراف نحو التهدئة المستدامة.

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط