كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

مقترحات لتغيير سياسي فلسطيني

مع قيام السلطة الفلسطينية، بموجب اتفاق أوسلو (1993)، بدا أن الحركة الوطنية الفلسطينية لم تتحول فقط من حركة تحرر إلى سلطة، وإنما هي تراجعت عملياً عن مشروعها الأساسي ومبرّر وجودها. فوق ذلك ارتهنت هذه القيادة الى واقعها الجديد كسلطة، ما فرض عليها ازاحة الرواية الأصلية، والتخلي عن أي شكل من المقاومة، وتهميش كياناتها الكفاحية وضمنها منظمة التحرير، في إطار تماهيها مع عملية التسوية، وتأكيد اهليتها لثقة إسرائيل.

باستثناء مرحلة الانتفاضة الثانية (2000-2004)، فإن القيادة الفلسطينية لم تعمد إلى تغيير هذا الواقع، على رغم أن إسرائيل ظلت تقضم اتفاق اوسلو، الظالم والمجحف، إلى حدّ القضاء عليه نهائياً، بدءاً من أول صعود لنتانياهو إلى رئاسة الحكومة (1996- 1999)، مروراً بعهود باراك وشارون وأولمرت، وصولاً إلى العهد الثاني لنتانياهو (منذ ستة أعوام). وقد تمت ترجمة ذلك عبر الاستيطان ومصادرة الأراضي، ثم في بناء الجدار الفاصل، لفرض الامر الواقع، وتقطيع اوصال الأراضي الفلسطينية، وفي الانسحاب الأحادي من غزة، التي باتت تحت حصار ظالم منذ ثمانية أعوام، وها نحن اليوم إزاء محاولتي تشريع الاعتراف بإسرائيل، كدولة قومية لليهود، وفرض القانون الإسرائيلي على مستوطنات الضفة الغربية، ما يعني ضمها.

هكذا، فخلال عقدين من الزمن، وباستثناء الأعوام الاربعة للانتفاضة، ظلت القيادة الفلسطينية تتحدث عن خيارات بديلة، من دون أن تفعل شيئاً، من الناحية العملية، والأهم من ذلك أنها لم تمهّد لشعبها، ولم تهيئ ذاتها، لأي خيار بديل، علماً أن كل خياراتها ظلت في إطار المعادلة التي بني عليها اتفاق أوسلو، في حين ان خيارات إسرائيل البديلة ظلت تتأسس على الضد من هذا الاتفاق، أي على أساس تجاهل حقوق الفلسطينيين، واستمرار السيطرة على أراضيهم، وتأكيد الرواية الإسرائيلية.

المعنى أن القيادة الفلسطينية مطالبة بتغيير هذا الواقع، بالإقلاع عن التلويح بخيارات بديلة في التصريحات، واتخاذ خطوات عملية في هذا الاتجاه. علماً أن الأمر بات يتطلب الخروج من المعادلة القائمة، لأن البقاء في ملعب أوسلو لم يعد مفيداً، ولا مجدياً، إذ باتت إسرائيل، مع كل المشاريع التي تطرحها، في مكان آخر، او في لعبة أخرى تماماً.

لعل نقطة البداية في البدائل الفلسطينية، التي يفترض العمل عليها، فعلاً لا قولاً فقط، تتمثل بالتركيز على إعادة بناء الكيانات السياسية (المنظمة والسلطة والفصائل)، على قواعد مؤسسية وديموقراطية وتمثيلية ووطنية، لأن الاشتغال على أي خيار كفاحي، لصد التحديات الإسرائيلية، لا يمكن التأكد من صدقيته، وفعاليته، من دون توفر البنى القادرة على حمله، والبنى الشعبية الحاضنة له.

أما الخطوة التالية فتتعلق بالخروج من إسار العقلية التي قامت على أساسها مفاوضات أوسلو، باعتبار توافق الطرفين المعنيين هو المرجعية الوحيدة للمفاوضات، ما جعل هذه العملية رهناً بالطرف الإسرائيلي لأنه الطرف المسيطر، والأكثر قوة. ففي هذه الظروف، وبالنظر الى عدم توافر المعطيات وموازين القوى العربية والدولية المناسبة للفلسطينيين، من الأجدى إعادة الاعتبار الى مرجعية القرارات الدولية، بدءاً من القرارين 181 و 194، اللذين يتحدثان عن دولة فلسطينية ضمن حدود نصف خريطة فلسطين التاريخية، وليس ضمن حدود 22 في المئة فقط، وعن بقاء الفلسطينيين في بيوتهم وممتلكاتهم أينما كانوا، وعن حق العودة للاجئين، فضلاً عن باقي القرارات التي لا تعترف باحتلال إسرائيل للضفة والقدس الشرقية، وتنزع الشرعية عن الاستيطان، وعن أي اجراء يغير الوضع في الأراضي المحتلة (1967)، ويطالب بانسحاب إسرائيل منها، من دون أي شروط.

والواقع، فإن القضية الفلسطينية هي أكثر قضية لا تستحق، ولا تتطلّب، كل هذا التفاوض بشأنها مع كل هذه القرارات الدولية الواضحة، علماً انها أكثر قضية في التاريخ شهدت عرضاً تفاوضياً، من حيث أمد المفاوضات ومواضيعها ومشكلاتها.

بديهي أن المطلبين الأول والثاني يفيدان بأن الغرض ليس حل السلطة، فهذا ليس بالأمر الهيّن، فضلاً عن أن ذلك يسهّل على إسرائيل، ناهيك انه ينم عن عجز، وإنما الغرض هو تغيير وظائف هذه السلطة، واستعادة الحركة الوطنية لطابعها كحركة تحرر وطني، وتركيز الاهتمام على إعادة بناء الكيانات الفلسطينية كما قدمنا، وتوفير المستلزمات لصمود الفلسطينيين في أرضهم، وتعزيز مقاومتهم للسياسات الاستيطانية والاحتلالية والعنصرية الإسرائيلية، بالوسائل الممكنة والمناسبة له.

كما أن هاتين المسألتين هما في متناول القوى الفلسطينية الحية والفاعلة، إذا حسمت امورها، وغلّبت المصلحة الوطنية والمستقبلية على المصالح الخاصة والآنية. والراجح أن الظروف الراهنة مواتية لهذا التغيير، إن على الصعيد الدولي، مع تعزز مسار نزع الشرعية عن إسرائيل، والاعتراف بالدولة الفلسطينية، والفجوة بين حكومتي الولايات المتحدة وإسرائيل، أو على الصعيد العربي مع التداعيات التي تثيرها التغيرات السياسية، لا سيما في منطقة المشرق العربي، كما على الصعيد الإسرائيلي، بعد تضاؤل شعبية نتانياهو، وتجدد التناقض بين العلمانيين والمتدينين في المجتمع الإسرائيلي، إثر تزايد نفوذ المتطرفين المتدينين وأحزابهم.

في هذه الظروف تتوافر الفرصة أيضاً لإعادة النظر بالاعتراف الفلسطيني بإسرائيل، بعد كل ما جرى، وبعد مطالبتها بالاعتراف بها كدولة يهودية. كما أن هذه فرصة مواتية لوقف التنسيق الأمني، ولإعادة النظر في وظائف السلطة، وتحويل آلاف المنخرطين في السلك الأمني، إلى الخدمات المدنية والانتاجية.

ايضاً، يمكن القيادة الفلسطينية اتخاذ خطوات غير تقليدية وشجاعة، من خلال إيجاد تشريع قانوني لمسألة الأرض، بتمليك الشباب، ما يوفر الحافز لهم للبقاء في ارضهم، بدلاً من تركها لنهب إسرائيل واستيطانها. واضح ان الشباب الفلسطيني يستحق بادرة من هذا النوع، على معاناته وتضحياته، ومن المدهش ان حركة تحرر لا تقوم بذلك، في حين ان اسرائيل تقتطع أراضي الفلسطينيين لمصلحة المستوطنين، الذين تقدم لهم فوقها الامتيازات والمساعدات للبناء والبقاء في الضفة.

والحقيقة، فإن هذه الفكرة اللافتة والمبتكرة طرحها المهندس سعدي الأشقر (غزة)، ومفادها، باختصار، أن أسعار الأراضي في الضفة والقطاع، باهظة جداً، بحيث إن الشاب الفلسطيني، من ذوي الدخل المحدود، قد يقضي عمره وهو يدّخر من اجل تملك بيت صغير. والمشكلة هنا أن السلطة، التي يفترض انها سلطة حركة تحرر، لم تتجه الى حل مشكلة الأرض، على رغم انها تواجه عدواً من طبيعة استيطانية. وحتى في غزة، التي انسحبت منها إسرائيل وأخلت مستوطناتها، فإن حكومة «حماس» لم تتجه الى منح جزء من أراضي ومساكن ومزارع المستوطنات للشباب، أقله كتعويض لهم عن جزء من تضحياتهم. وفي الضفة، فإن الحاجة ماسة للقيام بذلك وفق تخطيط معين لإيجاد حواجز بشرية امام الزحف الاستيطاني والربط بين مدن الضفة وقرها.

القضية كما طرحها الأشقر لا تحتاج إلى مناطق واسعة، ذلك أن تمليك 20 متراً مربعاً للشاب الواحد، مثلاً، يعني تملكه بيتاً مساحته حوالى 80 متراً، من بناء يتألف من أربعة طوابق. هكذا، ووفق الأشقر، فإن 100 ألف شاب يحتاجون إلى مساحة قدرها 2 كلم متر مربع. أما في الضفة، حيث مساحتها 6 آلاف كلم مربع، فيمكن توسعة هذه المساحة بحكم انها أكبر بكثير من قطاع غزة (الذي يعيش فيه قرابة مليوني فلسطيني في 360 كلم مربع)، علماً ان مساحة المستوطنات «المحررة» تبلغ 70 كلم مربع. وطبعاً فإن تملك هذه الأراضي، او إيجاد صيغة معينة لذلك، سيؤدي إلى استقرار الشباب، وتنمية الشعور بالأمل لديهم، كما انه ستؤدي الى تشغيل قطاعات واسعة منهم والحد من البطالة، أي ان هذه المشروع يخدم الاستراتيجية المتعلقة بالصمود إزاء إسرائيل، وبناء المجتمع الفلسطيني.

القصد أن الرد على التحديات والمشاريع الإسرائيلية لا يكون فقط بالبيانات والمناشدات، أو بالتوجه إلى الأمم المتحدة، فذلك يتطلب استراتيجية كفاحية بديلة، تتأسس على بناء الذات، على أن تقترن بخطوات عملية حاسمة ومتوازنة.

عن الحياة اللندنية

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط