كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

مقهي له تاريخ (قصة قصيرة)

مقهي له تاريخ (قصة قصيرة)

تاريخ النشر: 2017-10-25 | 17:34

ما أن ينهض أبو علي الترك من فراشه في الصباح الباكر حيث يظل جسده مرتخياً تحت الفراش طيلة الليل حتى يتوضأ ويصلي ويمد كفيه متضرعاً ثم ينطلق إلى المقهى صامتا يقطع الأزقة الضيقة التي تضج بالحياة التي تكون في ذلك الوقت من النهار على أتم صخبها صياح الباعة المتجولين وخطوات تلاميذ المدارس والأطفال الصغار الذين خرجوا يلعبون أمام بيوتهم والنسوة اللواتي يذهبن إلى سوق المدينة يغبن برهة من الزمن بعد أن يكن قد فرغن من أشغالهن البيتية ليحضرن ما أمكن من متطلبات الطعام ، يفتح أبو علي باب المقهى الكبير المصنوع من ألواح من الخشب تغمره قناعة ورضا بالعمل الذي يقوم به ، يبدأ يومه بكنس أرضية المقهى ورشها بالماء ثم تصفيف الكراسي ووضع الطاولات الصغيرة بينها ويقف محدقا في المذياع الخشبي الكبير ومقترباً منه وملؤه الثقة في أن يسمع أخباراً جديدة في هذا الصباح فقد أحدثت الغارة الإسرائيلية على بئر الصفا الذي يزود مدينة غزة بالمياه فزعا كبيراً بين الناس .

هناك في غرفته الصغيرة التي لا تزيد مساحتها عن مترين داخل المقهى ينظر أبو علي إلى إبريق الشاي الكبير الذي وضعه فوق وأبور الكاز يدور حول الوابور الكبير ثم يفتح فوهة الإبريق فيندفع بخار الشاي الأبيض الممزوج برائحة نبته النعناع العطرة الزكية .. في ذالك الصباح عرف أبو علي أن حارس بئر الصفا أبو صقر وجد مقتولا بين أشجار البرتقال وأن جنازته ستنطلق بعد الظهر من الجامع القريب ولهذا بدأ يستعد لتلبية طلبات الناس الذين سيأتون بعد قليل ، حمل أبو علي مهنته هذه من اللد وكان من أوائل الذين فتحوا مقهى في هذا الحي يمتلئ المقهى بالرجال فيدور أبو علي بصينية الشاي بين الكراسي والطاولات فيما تنبعث من المذياع أغنية وطنية فتشحنه بالحيوية فتأخذ شفتاه بتمتمة كلماتها ، ينتهز الوقت بين الفينة والأخرى ويعد لنفسه فنجانا من القهوة ، يحتسيها ببطء وهو في جلسته على كرسي صغير من كراسي المقهى المصنوعة من القش فيحس عند ذلك بالراحة من تعب الوقوف ، يدخن سيجارة من سجائره الرخيصة التي اعتاد عليها وينفث دخانها الأبيض في سقف المقهى ويفكر في صمت وتأثر ، ما الذي فعله الإسرائيليون هذه الليلة ؟ مزيدا من الوحشية والعدوان وقد حزن الجميع على ذلك الحارس الطيب ، أبوه وزوجته وأولاده وجيرانه وأصدقاؤه ، يأتي الوقت الذي تنطلق فيه الجنازة فيخرج معظم الرجال الجالسين ، يعود أبو علي يدير إبرة المذياع على إذاعة صوت العرب فيقول أحد الجالسين : ألم يحن بعد موعد نشرة الأخبار ؟

 * * *

 كل ليلة يضج المقهى بأصوات الرجال والأغنيات ، يجلس كل ثلاثة أو أربعة من الزبائن الدائمين على طاولة يلعبون الورق أو الضومنو ،يخفضون رؤوسهم محدقين بصمت وفي بعض اللحظات يتكلمون بغضب وفي تلك الحالة يكون أبو علي أكثر اهتماما بهم فيلتصق بجانب الطاولة وهو في حالة من الضجر الواضح يبقى واقفا حتى تهدأ الأصوات ، تأتي وجوه وتختفي وجوه وتنبعث من داخل المقهى حرارة ودفء من جراء التصاق ظهور الرجال بعضهم ببعض ، كاسات الشاي وفناجين القهوة و الأراجيل التي تعلو رؤوسها جمرات الفحم المتوقدة والمذياع الخشبي الكبير المنتصب في صدر المقهى فوق لوحة من الخشب المقوى المثبتة بإحكام في الجدار ، ملامح الانبساط وبعض الوجوه التي تطل من باب المقهى فترى كل هذه الأشياء وتختفي ،يدخل جبريل الأكتع إلى المقهى ويستفسر بشيء من القلق : لماذا يغير علينا الإسرائيليون دائما في ظلام الليل ؟ وكان الظلام وقتها يهيمن على كل شيء فلم تكن هناك مصابيح كهربائية في الشوارع الضيقة فيثبت أبو علي عينيه في عيني جبريل ويقول غير مصدق : أأنت لا تعرف لماذا ؟ فيقول له جبريل : حقا لا أعرف فيقول له أبو علي : إنهم يهدفون إلى المفاجأة فتجتاح جبريل لحظة من الغضب وهو يتذكر غارة الليلة الماضية على مدينة خان يونس التي راح ضحيتها العديد من الشهداء الفلسطينيين والمصريين ويقول : لماذا لا نكون دائما على استعداد للمواجهة ؟! . لم يكن جبريل ليمل من تكرار الحديث عن الغارات الإسرائيلية في الليل فكل غارة كانت تسجل عدواناً جديداً على القطاع ومهما كانت صغيرة فقد كان الناس يفزعون منها لأنها تأتي في أعماق الليل قرب الفجر وغالباً من جهة الخط الشرقي .. كل يوم قبل أن تغيب الشمس كان يأتي الأقرع ريّان إلى المقهى ويجلس عند الباب على كرسي القش الصغير بانتظار أن يأتي أصحابه الذين يلتفون حوله فيملأ ضحكهم وضجيجهم مدخل المقهى ، يتحدثون عن كل شيء عن الزواج والطلاق والتجارة والشجار بين العائلات كل ذلك يحدث في وقت تنبعث من المذياع داخل المقهى أغاني عبد الوهاب وأم كلثوم وأغاني من ذلك الزمن الجميل ، يأتي منتصف الليل فيغادر جميع الجالسين المقهى إلى بيوتهم ، تختفي الحياة في الشارع فتجيء الكلاب تنبش في الشوارع عن شيء من بقايا الأطعمة في النفايات ويدع أبو علي قدميه المتعبتين تقودانه إلى البيت عبر الأزقة الضيقة التي تضج بأصوات صراصير الليل هناك في غرفته الصغيرة يسلم نفسه إلى فراش السرير ولكن قبل أن يغمض عينيه الذابلتين يسترجع أحداث اليوم أما زوجته فهي تنظر جهته دون أن تقول شيئا وكأنهما يسترجعان أحداثا ماضية قديمة ، جاء أبو علي إلى هذا الحي عام 48 وكان أول ما استقبله الجامع وعندما رحل منه سكن في هذا البيت القديم الذي كانت تغمره المياه في الشتاء فتنزحها أم علي بمقشة كبيرة لها عصا طويلة ، لقد تخطى الستين من عمره ولكن ما زال يحتفظ بشاربين عريضين اعتاد على تربيتهما منذ أن كان شابا في مدينة اللد لكن وجهه الآن قد بان عليه الكبر وشعره الذي كان غزيرا كفحمة سوداء قد تساقط أكثره فأصبح يغطي رأسه بطاقية من الصوف يقيسها قبل أن يشتريها من سوق فراس ..

كلما تفيض الذكرى بجبريل الأكتع الذي جاوز التسعين من عمره يتصور مقهى الترك أمامه بأضواء لمبات الكاز الساطعة التي تشع في الليل ، أبو علي الترك الذي يلبي طلبات الزبائن ويتحمل طيش ونزق البعض منهم ، جسده الناحل الضئيل وسرواله الأسود الواسع الذي يشبه سراويل صيادي بحر يافا وملامح وجهه الباسمة التي تفيض بشرا وتسامحا وحبا للناس ، يتمنى لو يراه بعد هذه السنين قبل أن يموت كما مات معظم أصحابه ليلقي على ذلك الرجل الطيب التحية والسلام ويستريح قليلا بجواره فوق كرسي القش الصغير الذي كان قد اعتاد أن يجلس عليه في ذلك المقهى الذي أصبح بعد غارة إسرائيلية ليلية وقعت في تلك المنطقة في ذلك الزمان أثرا بعد عين ... .

×
أخبار
الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو تقرير: عقيدة ما بعد 7 أكتوبر تُعلي الهوية اليهودية وتضع إسرائيل في حالة مواجهة عسكرية دائمة تباين حاد بين استطلاعات الرأي الإسرائيلية حول موازين القوى قبل أسبوعين من انتخابات الكنيست الدفاع المدني السعودي: إطلاق الإنذار المبكر في مدينة الرياض بسبب تهديد جوي أردوغان يدين هجوم مطار الملك خالد ويتوعد الحوثيين: "سيتم تفعيل بند الدفاع المشترك في اتفاق مكة " الاتحاد الأوروبي يدرج 1650 كياناً وفرداً روسياً جديداً ضمن قوائم العقوبات

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط