كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

مكر التضحية: من شرعية المقاومة إلى احتكار البطولة ومأزق السلطة

مكر التضحية: من شرعية المقاومة إلى احتكار البطولة ومأزق السلطة

تاريخ النشر: 2026-08-09 | 11:03

عائد زقوت
عائد زقوت
ليست المقاومة مجرد فعل عسكري أو سياسي، بل هي علاقة معقدة بين الشعوب وذاكرتها، بين الألم والأمل، وبين ما يُقدَّم من تضحيات وما يمكن أنْ تُنتجه من نتائج. إلا أنّ هذه العلاقة قد تنحرف، حين تغيب المراجعة النقدية، فتتحوّل التضحية من كلفة اضطرارية في مواجهة الظلم إلى مصدر دائم للشرعية، ومن وسيلة لتحقيق غاية سياسية إلى قيمة مقدسة تبرر استمرارها بذاتها. وإذا كان هيجل قد رأى في "مكر العقل" آلية يستخدم بها التاريخ أفعال البشر ومقاصدهم الجزئية لتحقيق مسارات تتجاوز وعيهم المباشر، فإنّ سوسيولوجيا الحركات التحررية تكشف عن مكر آخر: "مكر التضحية"؛ ذلك التحوّل غير المقصود الذي يجعل الألم المصدر الأكثر قداسة للشرعية، ويحوّل القدرة على تحمّل الخسائر إلى معيار للأحقية السياسية، والبطولة الأخلاقية، طارحًا جانبًا سؤال الإنجاز والفاعلية. في هذا السياق نتناول هذه الإشكالية في تجربة الحركة الوطنية الفلسطينية، وفي سياقاتها التاريخية والراهنة، حيث تلتقي شرعية المقاومة بمسؤولية السلطة، ويُختبر مدى قدرة الرأسمال الرمزي الناتج عن التضحية والصمود على تجاوز مأزق التحوّل من منطق الثورة إلى منطق المؤسسة، وعلى التحوّل إلى مشروع سياسي قادر على حماية الإنسان وبناء المستقبل، لا الاكتفاء بإنتاج ذاكرة الألم. فإذا كان مكر العقل يفسر كيف يستوعب التاريخ أفعال البشر ضمن مسارات أكبر من مقاصدهم المباشرة، فإنّ مكر التضحية يفسر كيف يمكن لقيمة نضالية نبيلة أنْ تتحوّل، داخل المجال السياسي، إلى آلية لإعادة إنتاج الشرعية، حين تنفصل عن سؤال النتائج والقدرة على تغيير الواقع. ومن هنا ينشأ مكر التضحية؛ لا بمعنى وجود خِداع متعمد من الفاعلين، بل بوصفه تحولًا غير مقصود لقيمة نبيلة إلى آلية لإعادة إنتاج شرعية مغلقة. فالتضحية، التي تكون في أصلها استجابة اضطرارية لمواجهة الظلم أو الدفاع عن قضية، قد تتحوّل مع الزمن إلى مصدر دائم للشرعية، وإلى معيار لامتلاك الحقيقة والبطولة. وحين تصبح المعاناة معيارًا للأحقية، لا يعود السؤال: ماذا أنجزنا؟ بل: كم دفعنا من أثمان؟ وكأنّ التاريخ يمنح الامتياز السياسي والأخلاقي لمن راكم الجراح أكثر، لا لمن استطاع تحويل التضحيات إلى نتائج تحفظ الإنسان وتصون المستقبل. وتظهر هذه الإشكالية بوضوح في سوسيولوجيا حركات التحرر الوطني، حيث تشكل سرديات المقاومة والشهادة والصمود جزءًا أساسيًا من بناء الهوية الجماعية. فالتضحية لا تؤدي وظيفة قتالية أو سياسية فقط، بل تُنتج أيضًا، وفق مفهوم بيير بورديو للرأسمال الرمزي، رصيدًا من الاعتراف والمكانة يمنح الفاعل السياسي قدرة على التأثير داخل مجتمعه. فالشهادة، والصمود، وتاريخ المواجهة تتحوّل إلى موارد رمزية تمنح الشرعية وتحدد مواقع الفاعلين داخل المجال السياسي. غير أنّ الرأسمال الرمزي، مهما بلغت قوته، لا يتحول تلقائيًا إلى قدرة على إدارة المجتمع أو إنتاج سياسات ناجحة. وهنا يظهر التوتر والتشابك بين شرعية النضال وضرورات بناء النظام السياسي؛ فالحركات التي تنشأ في بيئة الصراع تجد نفسها أمام اختبار الانتقال من منطق الثورة إلى منطق المؤسسة، ومن إنتاج الشرعية عبر التضحية إلى إنتاجها عبر الإنجاز. وقد عرفت الحركة الوطنية الفلسطينية هذا التوتر والتشابك على امتداد تاريخها؛ إذ شكلت المقاومة، بمختلف أشكالها، عنصرًا مركزيًا في الحفاظ على الهوية الوطنية ومواجهة الاحتلال. ولا تقتصر هذه الإشكالية على فصيل بعينه، بل تكشف عن تحدٍّ واجهته معظم حركات التحرر التي انتقلت من موقع الثورة إلى موقع الحكم: كيف تتحوّل الشرعية النضالية إلى قدرة على بناء نظام سياسي قادر على الاستمرار؟ وفي الحالة الفلسطينية المعاصرة، تبرز تجربة حركة حماس بوصفها إحدى الحالات التي تجسد تعقيد الانتقال من المقاومة إلى ممارسة السلطة. فقد منحتها مسيرتها النضالية ورصيدها في مواجهة الاحتلال قاعدة من الشرعية لدى قطاعات واسعة من الفلسطينيين، غير أنّ تولي مسؤولية الحكم فرض أسئلة مختلفة تتعلق بإدارة الحياة اليومية، وبناء الاقتصاد، وتحقيق الاستقرار، وتحويل الشرعية التاريخية إلى قدرة سياسية منتجة. فشرعية المقاومة شيء، وكفاءة الحُكم شيء آخر؛ والخلط بينهما يؤدي إلى إشكالية عميقة، لأنّ الرصيد النضالي لا يعفي أي حركة سياسية من مساءلة النتائج. فالحُكم لا يُقاس فقط بحجم الاستعداد لدفع الثمن، بل بقدرته على تقليل الأثمان التي يدفعها الناس. كما أظهرت الحروب المتكررة أنّ المعاناة، مهما كان حجمها، لا تتحول تلقائيًا إلى مكسب سياسي استراتيجي. فالتضحيات قد تُنتج تعاطفًا أو تضامنًا، لكنها لا تكفي وحدها لتغيير موازين القوة، وقد تؤدي، في بعض الحالات، إلى زيادة الكلفة الإنسانية وإضعاف القدرة على المناورة السياسية دون تحقيق تحوّل جوهري في الواقع. ولا يعني البحث عن الإنجاز السياسي التخلي عن الحقوق أو القبول بالواقع المفروض، بل يعني اختيار الاستراتيجيات التي تُعظّم فرص تحقيق هذه الحقوق بأقل قدر ممكن من الخسائر البشرية والمادية على المدى الطويل. كما يعني الانتقال من شرعية النوايا إلى شرعية النتائج، ومن الاكتفاء بسؤال: كم ضحينا؟ إلى سؤال أكثر صعوبة: ماذا حققنا بهذه التضحيات؟ إنّ تمجيد المعاناة لذاتها لا يعبر فقط عن الوجه اللاأخلاقي للإغراء الخلاصي، بل قد يحوّل السياسة من فن تقليل آلام البشر إلى طقس لتقديسها، ومن مسؤولية حماية المجتمع إلى منافسة على امتلاك لقب الأكثر تضحية. وعندما تصبح البطولة غاية مستقلة عن النتائج، تتحوّل التضحية من وسيلة لتحرير الإنسان إلى قيد يمنع المراجعة وتصحيح المسار. يبقى الحق في مقاومة الاحتلال قائمًا ما دام الاحتلال قائمًا، لكن هذا الحق يفقد جزءًا من فاعليته السياسية حين ينفصل عن سؤال الإنجاز: هل نُنتج واقعًا أفضل، أم نعيد إنتاج دائرة المعاناة والشرعية الرمزية؟ إنّ الانتقال مِن منطق "مَن دفع الثمن الأكبر؟" إلى منطق "مَن جعل الثمن أقل عبثية وأكثر قدرة على إنتاج مستقبل؟" لا يمثل تخليًا عن المقاومة، بل يمثل شرطًا لتحويلها من طقس رمزي إلى سياسة قادرة على تحقيق أهدافها. فالقضية الفلسطينية لا تحتاج فقط إلى سردية بطولة تحفظ الذاكرة، بل إلى مشروع سياسي يحوّل هذه الذاكرة إلى قدرة على تحقيق الحقوق. فاستمرار القضية لا يتطلب فقط أجيالًا قادرة على التضحية والموت، بل أجيالًا قادرة على العيش؛ لأنّ غاية النضال ليست إنتاج مزيد من الضحايا، بل حماية الإنسان الذي يحمل القضية ويمنحها القدرة على الاستمرار. فالتاريخ لا يمنح الحرية لمن يتألم أكثر، بل لمن يفهم أكثر، ويحوّل الفهم إلى قدرة على الفعل.
×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط