كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

مناورة نتنياهو المكشوفة

لايمل نتنياهو أبداً من افتعال العراقيل على طريق عملية السلام. ومثلما اعترف هو نفسه بذلك قبل بضعة أسابيع، فإنها جميعها جزء من مناورة خبيثة يقوم بها في محاولة لإجهاض فرص تحقيق السلام.

فهو أولاً، يشدد على ضرورة الإبقاء على السيطرة الإسرائيلية على غور الأردن. وثانياً، تعهد بعدم «اجتثاث إسرائيلي واحد» من مستوطنات الضفة الغربية، وذلك حتى يضطر الفلسطينيون، بالإضافة إلى إرغامه لهم على القبول بضم إسرائيل لمستوطنات الضفة الغربية التي تعتبر «وقائع جديدة»، للرضوخ أمام «حق» المستوطنين في البقاء في مستوطناتهم بعد السلام! وإذا أضفنا إلى ذلك إصراره على ألا تكون ثمة عاصمة فلسطينية في القدس، فإن موضوع مناورته يصبح واضحاً: وضع مطالب وشروط تعجيزية للغاية بحيث يضطر الفلسطينيون لقول: «لا»، وبذلك يظهرون بمظهر العقبة التي تعترض طريق السلام.

ولعل الأكثر إزعاجاً من بين كل «عقبات» نتنياهو هو مطالبته المستمرة بضرورة أن يعترف الفلسطينيون بإسرائيل كدولة يهودية، وبأنها موطن الشعب اليهودي. ولئن كان البعض في الغرب قد يتفهم الرفض الفلسطيني للتخلي عن غور الأردن أو القدس أو لقبول بقاء المستوطنين، العنيفين في كثير من الأحيان، في مستوطناتهم، فإنهم سيجدون صعوبة في فهم السبب الذي يجعل الفلسطينيين لا يوافقون بكل بساطة على الاعتراف بإسرائيل باعتبارها «دولة للشعب اليهودي».

والواقع أن مشكلة الفلسطينيين ليست في اسم «الدولة اليهودية» - وإنما في ما يعنيه هذا الاسم. فالمتحدثون باسم الفلسطينيين يقولون إن نتنياهو، وبإرغامه لهم على قبول هذه التسمية، يريد من الفلسطينيين أن يعترفوا بالرواية التاريخية الإسرائيلية وينسوا روايتهم. إنه يريد من الفلسطينيين، مثلما نقول في العامية الأميركية، أن يقولوا: «لقد استسلمنا». غير أنهم بكل بساطة لا يستطيعون فعل ذلك.

إن الروايات مهمة بالنسبة للشعوب والدول لأنها تحدد الواقع وتعطي معنى للتاريخ. وقد تعلمتُ شخصياً دروساً مهمة حول الأدوار الدقيقة التي تلعبها الروايات التاريخية في السياق الفلسطيني من خلال سلسلة من اللقاءات الشخصية التي وقعت قبل أكثر من 40 عاماً.

حدث ذلك في عام 1971. فقد سافرتُ إلى لبنان لإجراء بحث من أجل أطروحة الدكتوراه حول صعود الهوية الوطنية الفلسطينية. وفي إطار هذا البحث، أمضيتُ وقتاً في مخيم عين الحلوة للاجئين الفلسطينيين في جنوب لبنان، حيث أجريتُ استجوابات مع لاجئين من عشرات القرى والبلدات كانوا قد غادروا فلسطين في 1948، وحكى لي العديد منهم قصص قدوم عناصر يهودية مسلحة إلى قراهم ليزرعوا في سكانها الرعب، وبالتالي تم إرغامهم على الفرار.

وقد ذهلتُ شخصياً كثيراً برباطة جأشهم وتصميمهم على الحفاظ على تعلقهم بأرضهم ومنازلهم وثقافتهم. وهو ما نجحوا فيه بطرق مثيرة للاهتمام حقاً. فعلى سبيل المثال، حرص الفلسطينيون في المخيم على إعادة خلق حياتهم القديمة، حيث تجمَّع سكان القرى في أحياء سميت بأسماء المناطق التي فروا منها. وهكذا، يمكن للمرء خلال جولة قصيرة على شارع واحد في المخيم أن يمر عبر حيفا وعكا وصفد والقدس. وقد تكون المنازل التي في المخيم فقيرة، ولكنك حين تدخلها يتملكك إحساس بأنك قد عدت إلى القرية.

وأحد اللقاءات التي ظلت عالقة في ذهني كان حواراً أجريتُه مع أم عابد، وهي جدة الصديق الذي أخذني إلى عين حلوة. ومثلما كان شائعاً بين أبناء وبنات جيلها، كانت أم عابد تحمل على خيط معلق حول عنقها مفتاحَ منزلها في فلسطين، الذي استولى عليه مستوطنون إسرائيليون عام 1948. وقد أخبرتني بقصتها -وهي قصة مؤثرة عن الظلم والألم.

وفي لحظة من اللحظات، سألتني أم عابد عما إن كنت أرغبُ في رؤية منزلها. وعندما أجبتُ بالإيجاب، أخرجتْ ألبوم صور قديماً مملوءاً بصور منزلها وعائلتها والحياة التي كانوا يعيشونها في فلسطين. وبفخر أشارت بأصبعها إلى الحائط الذي كان والدها قد بناه والشجرة التي كان جدها قد غرسها. ولكن بعد ذلك أخبرتني بنبرة اختلط فيها الغضب بالحسرة بأن الشجرة قطعها الإسرائيليون الذين استولوا على منزلها. وقد عرفتْ ذلك من خلال صورة كان صحافي سويدي قد التقطها وأراها إياها.

وحين كنت أهمُّ بمغادرة منزلها، أخبرني شقيقها بتوق العائلة الشديد إلى العودة قائلاً: «إنه منزلنا. لقد عاشت في ذلك المنزل أربعة أجيال. فأنا وُلدت هناك وعشتُ حياتي كلها. الإسرائيليون، الذين لم يعيشوا هناك أبداً، يقولون إنهم لم ينسوا بعد مرور 2000 عام. أما بالنسبة لنا، فإنه لم تمض سوى 25 عاماً. فكيف يمكننا أن ننسى؟».

إن الانفصام بين واقع خسارة أم عابد يحدد النقاش حول «الروايات». وسأكون هنا صادقاً وأعترفُ بأنني أفهم تعلق أم عابد بمنزل بناه أجدادها والأشجار التي غرسوها. فقد كانت ذكرياتها قوية جداً كأن الأحداث التي حكتها لي وقعت البارحة فقط وكان المفتاح الذي تحمله يمثل تذكيراً بخسارة لا تطاق. وبالتالي، فأن نطلب منها أن تمحو تلك الذاكرة، وتتخلى عن مطلبها، وتنفي قصتها إنما يرقى إلى أن نطلب منها بتر أحد أعضائها.

والواقع أن ثمة مئات الآلاف من أمثال أم عابد الذين تنتابهم مشاعر قوية وجياشة بشأن تاريخهم وحقوقهم. فقد فقدوا الكثير على مدى القرن الماضي. وكل ما تبقى لديهم، في كثير من الحالات، هو روايتهم للماضي وآمالهم للمستقبل. وباسمهم، لا يستطيع الرئيس الفلسطيني أن يقول: «لقد استسلمنا». والأكيد أن القفز على هذه العقبة الإسرائيلية سيكون مكلفاً للغاية.

عن الاتحاد الاماراتية

×
أخبار
مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو تقرير: عقيدة ما بعد 7 أكتوبر تُعلي الهوية اليهودية وتضع إسرائيل في حالة مواجهة عسكرية دائمة تباين حاد بين استطلاعات الرأي الإسرائيلية حول موازين القوى قبل أسبوعين من انتخابات الكنيست الدفاع المدني السعودي: إطلاق الإنذار المبكر في مدينة الرياض بسبب تهديد جوي أردوغان يدين هجوم مطار الملك خالد ويتوعد الحوثيين: "سيتم تفعيل بند الدفاع المشترك في اتفاق مكة "

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط