كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

منظمة التحرير الفلسطينية.. في دائرة خطر الاستهداف الخارجي والتآكل الداخلي

منظمة التحرير الفلسطينية.. في دائرة خطر الاستهداف الخارجي والتآكل الداخلي

تاريخ النشر: 2026-08-23 | 02:02

وليد العوض
وليد العوض

قبل خمس سنوات، كتبت في جريدة «الاتحاد» الحيفاوية مقالين متتاليين حول منظمة التحرير الفلسطينية، الأول بعنوان «منظمة التحرير والتحديات الصعبة»، والثاني «منظمة التحرير بين التجديد وإعادة البناء». كان القلق آنذاك يتمحور حول ما أصاب المنظمة من ضعف وتهميش وتراجع في دورها، بالتزامن مع محاولات خارجية، أبرزها خلال مرحلة الرئيس ترامب الأولى، للنيل من مكانتها باعتبارها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني.

اليوم، وبعد ما شهدته القضية الفلسطينية من تحولات خطيرة، تبدو المخاوف التي عبّرت عنها آنذاك أكثر إلحاحاً. فاستهداف منظمة التحرير لم يتراجع، بل أخذ أشكالاً أكثر تعقيداً، في وقت تتعرض فيه القضية الوطنية الفلسطينية نفسها لمحاولات إعادة تعريف وتجزئة وتجاوز، بما يجعل الدفاع عن المنظمة وإعادة الاعتبار إليها، بل وإنقاذها مما يخطط لها في الغرف المعتمة، جزءاً من معركة حماية المشروع الوطني الفلسطيني برمته.

لقد كانت منظمة التحرير، منذ تأسيسها وبناء مؤسساتها في منتصف ستينيات القرن الماضي، أكثر من مجرد إطار سياسي. فقد أعادت للشعب الفلسطيني حضوره على الخارطة السياسية، وحوّلت قضية اللاجئين إلى قضية شعب يناضل من أجل العودة وتقرير المصير والاستقلال، وأصبحت الإطار الجامع للفلسطينيين في الوطن والشتات، وحملت قضيتهم إلى مختلف المحافل العربية والدولية، علاوة على كونها جزءاً من حركة التحرر العربية والعالمية الصاعدة آنذاك.

وفي زمن كانت فيه فلسطين تكاد تختزل في قضية لاجئين، نجحت المنظمة في إعادة تقديم الفلسطيني بوصفه صاحب قضية وحقوق وطنية، وفي انتزاع اعتراف عالمي متزايد بالشعب الفلسطيني وحقوقه. ومن هنا، فإن استهداف المنظمة ليس استهدافاً لمؤسسة إدارية أو سياسية عابرة، وإنما مساس بالإطار الذي جسّد وحدة الشعب الفلسطيني السياسية والوطنية وصانها على امتداد عقود.

غير أن الخطر لم يأتِ من الخارج وحده. فقد أسهمت عوامل داخلية في إضعاف المنظمة، خصوصاً منذ قيام السلطة الوطنية الفلسطينية بعد اتفاق أوسلو، حين تداخلت أدوار السلطة مع أدوار المنظمة، وبدأت السلطة ومؤسساتها تستحوذ تدريجياً على الاهتمام السياسي والإعلامي والدولي، بينما تراجع حضور المنظمة ومؤسساتها.

ومع مرور الوقت، أصاب التهميش مؤسسات المنظمة، وتراجع دور المجلس الوطني والمجلس المركزي واللجنة التنفيذية والاتحادات الشعبية، وتآكلت الصلة مع أبناء الشعب الفلسطيني في الشتات. كما أدى التفرد والبيروقراطية وتراجع الحياة الديمقراطية إلى إضعاف قدرتها على أداء الدور الذي أنشئت من أجله. ولم تكن محاولات البحث عن بدائل لمنظمة التحرير جديدة، فقد بدأت بوادرها منذ منتصف ثمانينيات القرن الماضي، في سياقات سياسية إقليمية ودولية مختلفة، غير أن شعبنا أفشل تلك المحاولات بكل عزم وصلابة، وتمسّك بالمنظمة إطاراً وطنياً جامعاً وممثلاً شرعياً وحيداً لقضيته. وفي ظل تصاعد حملات التشكيك بالمنظمة ووحدانية تمثيلها للشعب الفلسطيني، ومع الانقسام، ارتفعت مجدداً وتيرة التشكيك ومحاولات تشكيل البدائل.

لقد كان من الخطأ التعامل مع المنظمة وكأن قيام السلطة قد أنهى وظيفتها. فالسلطة كانت نتاجاً لقرار منظمة التحرير، وليست بديلاً عنها، فيما ظلت المنظمة الإطار السياسي الجامع للشعب الفلسطيني كله، في الداخل والشتات، والمسؤولة عن قضيته الوطنية ومستقبله السياسي.

واليوم، في ظل الحرب على شعبنا، وتصاعد مخططات التهجير والاستيطان ومحاولات الضم وتصفية حل الدولتين، ومحاولات الفصل بين الضفة الغربية وقطاع غزة، وتهميش الدور الفلسطيني المستقل في رسم مستقبل القضية، يصبح الحفاظ على منظمة التحرير أكثر أهمية من أي وقت مضى.

والأمر لا يتعلق بفلسطين وحدها. فثمة اتجاه دولي وإقليمي أوسع نحو تصفية الحساب مع حركات التحرر الوطني بطرق وأساليب مختلفة، ومن بوابات قد تبدو في ظاهرها مغرية وتحمل عناوين التجديد والإصلاح والديمقراطية، فيما قد تخفي في بعض الحالات أهدافاً تتجاوز ظاهرها إلى إعادة صياغة المشهد السياسي بما يخدم مشاريع أخرى. وفي هذا السياق، ينبغي النظر بجدية إلى محاولات تجاوز منظمة التحرير أو تفريغ تمثيلها من مضمونه.

لكن مواجهة هذا الخطر لا تكون بالدفاع عن واقع المنظمة كما هو. فالمنظمة تحتاج إلى حماية بإصلاحها وتجديدها، وإلى استعادة مكانتها من خلال إعادة بناء مؤسساتها على أسس ديمقراطية وتمثيلية، وإشراك مختلف القوى والتيارات السياسية والاجتماعية، وتعزيز حضور الشباب والمرأة، وإعادة الاعتبار للاتحادات الشعبية والجاليات الفلسطينية في الشتات.

إن المطلوب ليس التخندق حول المنظمة بواقعها الحالي، ولا الوقوع في فخ الاستدراج الخطر، بل الذهاب أولاً إلى تفعيل مؤسساتها، واستعادة اللجنة التنفيذية لدورها كمرجعية سياسية عليا، وإعادة الاعتبار للمجلس الوطني والمجلس المركزي، وتنشيط دوائر المنظمة وسفاراتها ومؤسساتها، وإعادة بناء العلاقة مع ملايين الفلسطينيين في الشتات، الذين لا يجوز أن تتحول قضيتهم إلى هامش في النظام السياسي الفلسطيني.

ثم تأتي الخطوة الأهم: تجديد بناء المنظمة ديمقراطياً، عبر انتخابات للمجلس الوطني باعتباره الهيئة التشريعية العليا للشعب الفلسطيني، على أن تكون انتخابات الداخل جزءاً من هذه العملية الوطنية الشاملة، لا بديلاً عنها ولا جسراً للالتفاف على منظمة التحرير أو الانقضاض على دورها التمثيلي.

ومن هنا، فإن أي مسار انتخابي مرتقب ينبغي أن يُقرأ في سياقه السياسي العام، وأن تؤخذ بجدية المحاذير التي سبق أن أشرت إليها في مقالات سابقة، حتى لا تتحول الانتخابات، عن قصد أو من دون قصد، من أداة لتجديد الحياة السياسية الفلسطينية إلى مدخل لإعادة تشكيل النظام السياسي ضمن سقوف وترتيبات لا تستجيب بالضرورة لمتطلبات إعادة بناء التمثيل الوطني الجامع.

وهنا تحديداً ينبغي الحذر من بعض المسارات التي قد ترتدي ثوب الإغراء والتجديد والديمقراطية، بينما تفضي في جوهرها إلى إضعاف الإطار الوطني الجامع أو تجاوزه. فالتجديد الحقيقي لا يبدأ بتهميش منظمة التحرير أو اختزال التمثيل الفلسطيني في مؤسسات أو انتخابات محكومة بسياقات محددة، وإنما يبدأ بإعادة الاعتبار للمنظمة وتفعيل مؤسساتها وتجديد شرعيتها على أسس ديمقراطية وتمثيلية، بحيث تكون الانتخابات وسيلة لاستعادة وحدة النظام السياسي الفلسطيني، لا مدخلاً لتفكيكه أو إعادة صياغته بعيداً عن مرجعيته الوطنية.

كما أن إصلاح المنظمة يجب أن يترافق مع اتفاق وطني على استراتيجية سياسية واضحة، تحمي الحقوق الوطنية الثابتة، وفي مقدمتها حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير وإقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس، وحق اللاجئين في العودة، ووحدة الشعب الفلسطيني ووحدة أراضيه السياسية، وحقه في مقاومة الاحتلال وفق القانون الدولي.

إن منظمة التحرير ليست ملكاً لفصيل أو قيادة أو جيل بعينه. إنها ملك للشعب الفلسطيني كله، وهي ثمرة نضالات وتضحيات أجيال متعاقبة. ولذلك فإن الدفاع عنها لا يعني الدفاع عن أخطائها أو واقعها الراهن، بل يعني الدفاع عن ضرورتها التاريخية والوطنية، والعمل على إنقاذها من التآكل الداخلي والاستهداف الخارجي معاً.

قبل خمس سنوات، دعوت إلى تفعيل المنظمة وتجديد بنائها، وقلت إن المهمة صعبة لكنها ممكنة إذا توفرت الإرادة السياسية الصادقة. واليوم تبدو هذه المهمة أكثر إلحاحاً، لأن التأخير لم يعد يعني استمرار الضعف فقط، بل يفتح الباب أمام مشاريع أخرى تسعى إلى تجاوز التمثيل الوطني الفلسطيني الموحد، وإعادة صياغة القضية بما يتلاءم مع مصالح الآخرين.

إن منظمة التحرير تحتاج إلى إنقاذ حقيقي، لا إلى بيانات احتفالية، وإلى شراكة وطنية لا إلى وصاية، وإلى ديمقراطية لا إلى محاصصة، وإلى تجديد مؤسساتها لا إلى الاكتفاء بإعادة تدويرها. فحماية المنظمة هي في جوهرها حماية لوحدة الشعب الفلسطيني وقضيته وحقوقه.

وفي هذه اللحظة التاريخية الصعبة، فإن السؤال لم يعد: هل نحتاج إلى منظمة التحرير؟ بل: هل نمتلك الإرادة للحفاظ عليها وتعزيزها وإعادة بناء مؤسساتها، بما يحتاجه شعبنا في معركته الطويلة من أجل الحرية والاستقلال والعودة؟

إن الإجابة عن هذا السؤال لا تحتمل المزيد من التأجيل.

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط