كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

منظومة الأمن الرقمي وسبل مكافحة الجريمة السيبرانية بالمغرب

منظومة الأمن الرقمي وسبل مكافحة الجريمة السيبرانية بالمغرب

تاريخ النشر: 2026-03-08 | 13:46

يشهد العالم اليوم تحولاً رقمياً متسارعاً، بات معه الفضاء السيبراني ساحة حيوية للتفاعلات الاقتصادية والاجتماعية وحتى العسكرية. غير أن هذا التطور لم يأتِ من دون ثمن، إذ واكبته موجات متصاعدة من الجرائم السيبرانية التي تهدد الأفراد والمؤسسات والدول على حد سواء. وفي خضم هذا المشهد المتقلب، برز المغرب كأحد الدول الساعية إلى بناء منظومة أمن رقمي متكاملة، تجمع بين الترسانة القانونية والبنية المؤسسية، قادرة على التصدي لهذه الجرائم المستحدثة ومواكبة تطورها المتسارع .

إن الحديث عن الأمن الرقمي يقتضي بدايةً استجلاء مفهومه، الذي لا يقتصر على كونه مجرد إجراءات تقنية، بل هو منظومة متكاملة من التدابير القانونية والفنية التي تهدف إلى حماية نظم المعلومات والبيانات الرقمية من الاختراق والاعتداء. وتتجلى أهميته القصوى في العصر الحديث من خلال دوره المحوري في حماية البنيات التحتية الحيوية للدول، وضمان استمرارية الخدمات العمومية والخاصة، فضلاً عن صون الاقتصاد الوطني من خسائر فادحة قد تنجم عن هجمات إلكترونية مدمرة. غير أن مسار تعزيز هذا الأمن يواجه تحديات جمة في المغرب، أبرزها تزايد الاعتماد على الرقمنة في جميع القطاعات، واتساع رقعة الفضاء السيبراني بشكل مطرد، إضافة إلى ضعف الوعي الأمني لدى شريحة واسعة من المستخدمين. وتزداد هذه التحديات خطورة حين ندرك العلاقة الوثيقة بين الأمن الرقمي والأمن الوطني، حيث باتت الهجمات السيبرانية تشكل تهديداً وجودياً للدول، قادرة على زعزعة استقرارها والإضرار بأمنها العام، وهو ما يجعل التصدي لها أولوية قصوى في أي استراتيجية دفاعية عصرية .

أما الجريمة السيبرانية، فهي الوجه الآخر لهذه العملة الرقمية. وقد تعددت التعريفات الفقهية لها، غير أنها تتفق جميعها على وصفها بأنها (سلوك غير مشروع يستهدف الأنظمة المعلوماتية أو البيانات الرقمية ). وتمتاز هذه الجرائم بخصائص فريدة تجعل مكافحتها أكثر تعقيداً من الجرائم التقليدية؛ فهي عابرة للحدود الوطنية، إذ يمكن أن يرتكبها شخص في بلد وتكون ضحاياه في بلد آخر، وهي تتسم بالسرعة الفائقة في التنفيذ، إلى جانب صعوبة إثباتها وسهولة إتلاف أدلتها الرقمية، ناهيك عن كون مرتكبيها عادةً ما يكونون من ذوي المهارات التقنية العالية .

تتنوع صور هذه الجرائم لتشمل التصيد الاحتيالي (Phishing)، وبرامج الفدية (Ransomware) التي تشل حركة المؤسسات، واختراق الأنظمة المعلوماتية، وسرقة الهوية، والابتزاز الإلكتروني، والاستغلال الجنسي للأطفال عبر الإنترنت،وتترتب على هذه الجرائم آثار سلبية وخيمة، تمتد من الخسائر الاقتصادية الفادحة إلى انتهاك الخصوصية وإلحاق أضرار نفسية عميقة بالضحايا، خاصة منهم الأطفال .

لمواجهة هذه المخاطر، عمل المغرب على بناء بنية مؤسسية متينة، تشكل العمود الفقري لمنظومة الأمن الرقمي الوطني. ويأتي على رأس هذه المؤسسات المديرية العامة لأمن نظم المعلومات (DGSSI)، التي تم إحداثها بموجب المرسوم رقم 2.11.509 الصادر في 21 سبتمبر 2011، والتابعة لإدارة الدفاع الوطني . وتضطلع هذه المديرية بمهام محورية، توزعها على أربع مديريات متخصصة: مديرية تدبير مركز اليقظة والرصد والتصدي للهجمات المعلوماتية (ماسيرت) التي تتكلف برصد التهديدات والإنذار المبكر، ومديرية الاستراتيجية والتقنين المسؤولة عن إعداد الاستراتيجية الوطنية واقتراح النصوص القانونية، ومديرية المساعدة والتكوين والمراقبة والخبرة التي تقوم بافتحاص أمن نظم المعلومات، وأخيراً مديرية نظم المعلومات المؤمنة التي تعمل على تطوير أنظمة تشغيل آمنة . وإلى جانب هذه المديرية، يبرز دور المديرية العامة للأمن الوطني والدرك الملكي من خلال وحدات متخصصة في مكافحة الجريمة السيبرانية والتحري الرقمي، إلى جانب اللجنة الوطنية لحماية المعطيات ذات الطابع الشخصي (CNDP) التي تسهر على حماية البيانات الشخصية ومراقبة معالجتها. كما تم إحداث منصة التبليغ عن المحتويات الرقمية الإجرامية (e-blagh.ma) كآلية ميسرة للمواطنين للإبلاغ عن الجرائم السيبرانية، مما يعزز دور المجتمع في التصدي لهذه الآفة .

وتتكامل هذه البنية المؤسسية مع رؤية استراتيجية واضحة، تجسدت في الاستراتيجيات الوطنية للرقمنة مثل "المغرب الرقمي 2013" و"المغرب الرقمي 2020"، وصولاً إلى الاستراتيجية الوطنية للأمن السيبراني 2030. وترتكز هذه الاستراتيجية الأخيرة على عدة محاور أساسية، منها تعزيز الحوكمة الأمنية، وتطوير الإطار القانوني، وتنمية الرأسمال البشري المتخصص، وحماية الأنظمة الحساسة والبنيات التحتية الحيوية. وتدرك هذه الاستراتيجية أهمية التعاون بين القطاعين العام والخاص، عبر إقامة شراكات مع شركات التقنية لتبادل الخبرات والمعلومات حول التهديدات المستجدة، إلى جانب تنظيم دورات تكوينية وندوات تحسيسية تهدف إلى رفع مستوى الوعي الأمني لدى جميع الفاعلين والمستخدمين .

على المستوى القانوني، شكل المشرع المغربي ترسانة تشريعية متكاملة لمكافحة الجريمة السيبرانية، كان في مقدمتها القانون رقم 07-03 المتمم لمجموعة القانون الجنائي، الذي أتى بباب خاص بالمس بنظم المعالجة الآلية للمعطيات (المواد 607-3 إلى 607-11) . ويجرم هذا القانون أفعالاً عدة، أبرزها الدخول الاحتيالي إلى الأنظمة المعلوماتية أو البقاء فيها دون حق، وإدخال معطيات كاذبة أو تغييرها بقصد الاحتيال، وإتلاف البيانات أو إفشائها بدون وجه حق، كما يعاقب على محاولة ارتكاب هذه الجرائم . وتشتد العقوبات في الظروف المشددة، كأن تستهدف الجرائم أنظمة تتضمن معلومات تمس الأمن الداخلي أو الخارجي للدولة، أو إذا ارتكبت من طرف موظف أثناء مزاولة مهامه، أو إذا تعلق الأمر بجرائم ضد الأطفال أو عبر منظمات إجرامية .

ويكتمل هذا البناء القانوني بالقانون رقم 05-20 المتعلق بالأمن السيبراني، الذي يهدف إلى وضع قواعد وتدابير أمنية لتعزيز صمود نظم معلومات الإدارات العمومية والبنيات التحتية الحيوية. كما يأتي القانون رقم 09-08 المتعلق بحماية الأشخاص الذاتيين تجاه معالجة المعطيات ذات الطابع الشخصي ليؤكد ضمانات حماية الخصوصية في الفضاء الرقمي، في حين يؤطر القانون رقم 53-05 المتعلق بالتبادل الإلكتروني للمعطيات القانونية المعاملات الإلكترونية ويمنح الحجية القانونية للوثائق الإلكترونية .

غير أن النصوص وحدها لا تكفي، إذ تظل آليات المكافحة والتطبيق هي الفيصل في نجاح أي منظومة أمنية. وتتطلب الجرائم السيبرانية آليات تحري خاصة، تراعي خصوصية الأدلة الرقمية وسهولة إتلافها، مما يستدعي خبرة رقمية عالية في عمليات جمع الأدلة وحفظها. وتعمل أجهزة اليقظة والرصد على تتبع تطور الثغرات واستغلال أنظمة المراقبة المتطورة، في حين يشكل الإبلاغ عبر منصة e-blagh.ma حلقة وصل مهمة بين المواطن والسلطات المختصة، التي تتعامل مع هذه البلاغات بجدية لاتخاذ الإجراءات اللازمة. كما يلزم الافتحاص والمراقبة المؤسساتية الدورية لضمان مطابقة نظم معلومات الإدارات والمؤسسات العمومية للمعايير الأمنية المطلوبة .

وأخيراً، تدرك المملكة المغربية أن مكافحة الجريمة السيبرانية تتجاوز الحدود الوطنية، مما يحتم الانخراط الفاعل في التعاون الدولي. وقد تجلى ذلك في انضمام المغرب إلى اتفاقية بودابست لمكافحة الجريمة السيبرانية لسنة 2001 في يونيو 2018 ، كما واصل مسيرته بتوقيع اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة السيبرانية لسنة 2024، مما يعزز التعاون القضائي والأمني مع الدول الأخرى في ملاحقة الجناة وتبادل الأدلة الرقمية. ومع ذلك، تبقى التحديات المستقبلية كبيرة، في ظل التطور المتسارع لتقنيات الإجرام، وصعوبة ملاحقة الجناة عبر الحدود، والتحديات التقنية والقانونية المرتبطة بالحصول على الأدلة الرقمية. ولذلك، يبقى التطوير المستمر للمنظومة الوطنية، عبر مواكبة التطورات التقنية والتشريعية، هو السبيل الوحيد لضمان فضاء رقمي آمن يعزز مسار الانتقال الرقمي للمملكة ويصون أمنها الوطني في عالم سيبراني متقلب.

×
أخبار
أمريكا: القبض على مهندس "يحمل الجنسية السعودية" في "أوبن أل" جيش الاحتلال يغتال مواطنة فلسطينية ويصيب أخرين في قصف على قطاع غزة مسؤولان: إيران تغير أساليبها في استهداف السفن عبر المضيق قبل الانتخابات الأمريكية الخارجية الأميركية تنتقد ملاحقة سفيرة لبنان في واشنطن بعد لقاء إسرائيلي نتنياهو يقرّ بزيارة رئيس المخابرات المصرية قبل 7 أكتوبر وينفي لقاءه تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط