كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

منهاج القُبَّرة

منهاج القُبَّرة

تاريخ النشر: 2021-01-30 | 20:17

قيل: نهض (الحارث بن حَوطٍ اللَّيثي) إلى (عليِّ بن أبي طالب)، وهو على المنبر، فقال: "أ تظُنُّ أنَّا نظُنُّ أنَّ (طلحة) و(الزُّبير) كانا على ضَلال؟" قال: "يا حَارِ، إنَّه ملبوسٌ عليكَ، إنَّ الحقَّ لا يُعرَفَ بالرِّجال، فاعرفْ الحقَّ تَعرِفْ أهلَه!"  وتلكم معضلةٌ ثقافيَّةٌ، قديمةٌ حديثة.  ذلك أن العقليَّة الشعبيَّة- وإنْ اختلفت الثقافات، وتعدَّدت السياقات، وتباينت ألوان الخطاب- هي عقليَّة عدم معرفة الحقِّ إلَّا بالرِّجال، لا معرفة الرِّجال بالحق.  وما تنهض أُمَّةٌ هذا شأنها وتلك غايتها: الدوران ثمَّ الدوران حول فُلان وفُلان.  بل إنَّ أُمَّةً هذا منهاجها هي أَلَدُّ أعداء نفسها، وأَبَرُّ ناصري خصومها.  وهي، قبل غيرها، تُشوِّه وجهها، وتضع العثرات في سبيل مستقبلها، مدافِعةً عن كائديها، بنحوٍ مباشرٍ أو غير مباشر، سانَّةً السيوفَ بأيديها كي تضعها بأيدي قاتليها.  قال صاحبي:

- بل إنَّك لتجد هذا- لدَى العُربان خاصَّة- حتى في مجال العلوم الإنسانيَّة!

- نعم.. ثمَّ خَلَفَ من بعد التبابعة التقليديِّين خَلْفٌ أرادوا احتكار العلوم باسم التخصُّص، جاعلين علوم العربيَّة أحماءً، سُنَّةَ جدِّهم (كُلَيب بن ربيعة).

- ما العلاقة؟

- يُروَى أن كُليبًا بلغ من تغطرس بَغْيِه أنَّه رمَى ناقة (البسوس) لمَّا دخلتْ حِماه من دون إذنه؛ ولأنها خرَّبت عُشَّ (قُبَّرَةٍ) كانت في الحِمَى قد عَشَّشت وباضت.

- رفقًا بالحيوان!

- بل رفقًا بحيوانيَّة الإنسان!  فأصحابنا- أدعياء التخصُّص هؤلاء- هم ككُلَيبٍ هذا، يدافعون عن عُشِّ قُبَّراتهم.  إيَّاك أن تقترب من حِماهم، أو تنتهك ذِمارهم! يحسبون كلَّ صيحةٍ عليهم! محرِّمين على الناس، من غير أصحاب "الحِمَى"- أو قُل: "كار" الصنعة- الخوضَ في تخصُّصهم، ولو بإبداء الرأي أو تسجيل الملحوظات والتساؤلات.  وما بهم من ذلك من شيءٍ، وإنَّما غايتهم قمع المنتقدين، متَّخذين حُجَّة "التخصُّص" العقيم في الدراسات الإنسانيَّة حُجَّةً واهيةً للحفاظ على سلطانهم.  ولكي يخلو لهم جَوُّ قُبَّرة (كُلَيب)، التي قال عنها، متمثِّلًا شِعر (طَرَفَة بن العبد):

خَلا لَكِ الجَوُّ فبِيْضِي واصفِري ... ونَقِّري ما شِئتِ أَن تُنَقِّري

- أ لا تؤمن بالتخصُّص؟

- كلَّا لا أؤمن به كلَّ الإيمان في العلوم الإنسانيَّة، إيماني به في العلوم الطبيعيَّة.  اللغة، على سبيل النموذج، شأنٌ عامٌّ، (من البَيض والصَّفر والتَّنقير)، وليست بتخصُّصٍ احتكاريٍّ للقُبَّرات اللغويَّة. وهي تَهُمُّ جميع الناطقين، وإنْ لم يكونوا من أبنائها، فضلًا عن الباحثين في مجالاتها.  والمتشدِّدون في هذا الحقل إنَّما يردِّدون منطق القُبَّرة الجاهليَّة، رغم آناف علوم اللغة، العامَّة، والتاريخيَّة، والتقابليَّة، والمقارنة، وعلى الرغم من أنَّ الحدود الفاصلة بين العلوم الإنسانيَّة عمومًا ليست بصرامة تلك الحدود بين العلوم البحتة أصلًا. ولم يأخذ بهذا التقوقع المعرفيِّ عقلٌ رشيد، لا في الماضي ولا في الحاضر، لا عند العَرَب ولا عند غيرهم، منذ (الخليل بن أحمد الفراهيدي)- الشاعر، الموسيقيِّ، الرياضيِّ، اللغويِّ، المعجميِّ، النحويِّ، العَروضيِّ- إلى (نعوم تشومسكي)، بنحوه التوليديِّ التحويليِّ، في اللغة ثمَّ في التاريخ والفكر والسياسة.

- لماذا؟

- لماذا؟ لأن الأخذ بـ(أُكذوبة التخصُّص) هاهنا يعني العُقم في الباحث والموت في مادَّة بحثه.  بَيْدَ أنَّ الأمر بأَخَرَةٍ لم يعد عِلْمًا، لدَى جماعة (القُبَّرة) المتخصِّصين، بمقدار ما أصبح وظيفةً خاصَّة وارتزاقًا عامًّا.  وعندئذٍ لا غرابة أن يدافع كلٌّ عن باب رزقه، وإنْ كان بابًا من أبواب السِّحر والشعوذة، تحت عنوان "شمس المعارف"، ولا أن يَذُبَّ عن حانوته في سوق النِّخاسة المعرفيَّة، وإنْ لم يَعُد له في سوق الحاضر مِن سوق. 

- كفانا الله شرَّك!

- بل كفانا الله شرَّ (كُلَيب بن التخصُّص)، في علوم اللغة والنحو والآداب والفنون.  لا نعني بذلك الفوضى، أو أن يهرف المرء بما لا يعرف.  فهذا شيءٌ، وحكاية محتكري هذه العلوم، بدعوى التخصُّص- حيلولةً دون انتقاد أحبارهم ورهبانهم- شيءٌ آخر.  إنَّ اللغة العربيَّة وآدابها تُحوَّل اليوم إلى أحماء، حتى يكاد أحد الكُلَيْبيِّين يتخصَّص في حرفٍ واحد من حروف الجَرِّ، لا يعرف سواه، ينال فيه شهادة الماجستير والدكتوراه، وينفق عُمره وهو يجترُّه صباحًا ومساءً.

- ما العيب في ذلك؟  هذا حريٌّ أن يجعله حُجَّةً في هذا التخصُّص الدقيق.

- العيب عيبان: أن لا يعرف إلَّا تِلْمَهُ الذي هو فيه منذ كان، يُبدئ فيه ويُعيد، لا يهتمُّ بغيره، ولا يبحث.  وهذا يجعله غير منتجٍ حتى في ما يعتقد أنَّه تخصُّصه؛ لأنَّ العلوم الإنسانيَّة متواشجة، أوعيتها كالأواني المستطرقة، وليست كالعلوم التي تبحث في الماديَّات، بحيث يمكن أن ينفصل بعضها عن بعض.  والعيب الآخَر أن يعتقد صاحبنا أنَّ ما يسمِّيه تخصُّصه تخصُّصٌ بالفعل، صُلْبُ الجدران؛ فإذا هو يتغنَّى به، ويحظر على غيره زيارته، عادًّا ذلك تطفُّلًا على تخصُّصٍ له أهله، وعُدوانًا على قُبَّرة (كُلَيب بن التخصُّص).

- وفي "أهله" هذه مربط الفرس!

- بالضبط.  فمعظم هؤلاء المتعصِّبين، المتدرِّعين بدِرع "التخصُّص"، هم في الواقع من أرباب "التشخُّص"، لا التخصُّص.

- ماذا تقصد؟

- هم يدافعون عن أشخاصهم، ووظائفهم، وعن أشخاص أشياخهم، وأسلافهم، الذين يرونهم فوق النقد أو الاستدراك أو المساءلة.  فهم أبعد ما يكنون عن العِلم، والموضوعيَّة، والخدمة الحقيقيَّة للحقل الذي ينسبون أنفسهم إليه.  جُلُّ ما تجدهم يُحسِنون: الطَّوافُ حول إمامهم فلان، والسعي بين صَفا علَّامتهم فلتان ومَرْوَته. 

- وأولئك هم الأحفاد الثقافيُّون لجَدِّهم، الشاهر لسانه بالقول: "كذَّاب ربيعة أحبُّ إلينا من صادق مُضَر!"

 أ.د/ عبدالله بن أحمد الفَيفي

تابع مواد أخرى للكاتب على حساب "تويتر": https://twitter.com/Prof_Dr_Alfaify

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[email protected]

https://twitter.com/Prof_Dr_Alfaify

http://www.facebook.com/p.alfaify

http://khayma.com/faify

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* [أ.د/ عبدالله بن أحمد الفَيفي، عنوان الموضوع: «منهاج القُبَّرة: (التخصُّص العقيم في العلوم الإنسانيَّة)»:

https://www.al-jazirah.com/2021/20210129/cm38.htm

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

واقرأ أيضًا:

حداثة النص الشِّعري في المملكة العربيّة السعوديّة: قراءة نقديّة في تحولات المشهد الإبداعي، (الرياض: النادي الأدبي، 2005).‏ [محكّم من المجلس العلمي بجامعة الملك سعود].

متوافر على "الإنترنت"، للمطالعة أو التنزيل:  http://archive.org/details/ModernismPoeticText

موقع أ.د/ عبدالله الفَيْفي:  http://khayma.com/faify

قناة أ.د/ عبدالله الفَيْفي:     http://www.youtube.com/user/ProfAAlfaify

جديد: من المكتبة الثقافية كتاب| شعر النقاد: استقراء وصفي للنموذج تأليف| د. عبدالله الفيفي (القناة الثقافية):ـ https://goo.gl/L7a9zL

*  كتب أخرى للقراءة والتحميل: https://archive.org/details/@almotanabby

http://i.makeagif.com/media/3-07-2017/uVXZW0.gif

×
أخبار
الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو تقرير: عقيدة ما بعد 7 أكتوبر تُعلي الهوية اليهودية وتضع إسرائيل في حالة مواجهة عسكرية دائمة تباين حاد بين استطلاعات الرأي الإسرائيلية حول موازين القوى قبل أسبوعين من انتخابات الكنيست الدفاع المدني السعودي: إطلاق الإنذار المبكر في مدينة الرياض بسبب تهديد جوي أردوغان يدين هجوم مطار الملك خالد ويتوعد الحوثيين: "سيتم تفعيل بند الدفاع المشترك في اتفاق مكة " الاتحاد الأوروبي يدرج 1650 كياناً وفرداً روسياً جديداً ضمن قوائم العقوبات

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط