كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

... من أجل تسييس المشكلة الفلسطينية

... من أجل تسييس المشكلة الفلسطينية

تاريخ النشر: 2019-09-08 | 09:32

حازم صاغية
حازم صاغية

حين تستطيع إيران أن «تمثّل» القدس وفلسطين، فهذا يطرح مشكلة تتعلّق بالمشكلة الفلسطينية وبطرق فهمها. والحال أنّ إيران ليست أوّل عابر سبيل «يمثّل» فلسطين، ولا أفدح من تصدّى لذلك. يكفي التذكير بأنّ حافظ الأسد استطاع أن يفعل الشيء نفسه، ويبلغ فيه ما لم يبلغه سواه.

جيشه وتابعوه قتلوا من الفلسطينيين عدداً فاق العدد الذي قتلته إسرائيل. لقد شقّ منظمة التحرير وأغرقها في حروب استكملت هزيمتها عام 1982، وأوصلتها، فيما هي تقارب الاحتضار، إلى أوسلو. «تمثيل» الأسد الأب لفلسطين، رغم هذا، لم يَضعف.

بشّار، نجل حافظ، دمّر مخيم اليرموك وظلّ هو الآخر «يمثّل» فلسطين. لقد ورث «تمثيلها» عن الأب، مثلما ورث الجمهورية السورية بأبيها وأمّها.

أين تكمن المشكلة التي تسمح لمن يشاء، وبغضّ النظر عمّا يفعل، أن «يمثّل» الفلسطينيين وقضيتهم؟

هناك العنف طبعاً، وقد مورس منه الكثير، لكنْ هناك أيضاً ما لا يفسّره العنف. إنّه خلل في العقول والقلوب.

فالطريقة التي وُصفت بها تلك القضية، جيلاً بعد جيل، هي في أغلب الظنّ، أبرز أسباب المشكلة. ذاك أنّ النظام العربي، لا سيما أكثر أجنحته عسكرية وأقلّها إنجازية، نزع عن الحقّ الفلسطيني سياسيّته وحوّله إلى مسألة مقدّسة. الهدف كان النجاة بهذا المقدّس من مواجهة ما هو «مدنّس»، كبناء مجتمع ودولة وتحقيق إنجازات فعلية للسكّان. لكنّ المسألة المقدّسة مكتملة ومغلقة بطبيعتها، يستحيل أن يضاف حرف إلى سرديتها الجاهزة ويستحيل أن ينقص حرف من تلك السردية. إذن علينا أن ننضبط بالاكتمال والانغلاق اللذين يكمن الشيطان خارجهما وتقيم الخطيئة.

هذا ما يجعل تعريض القضية الفلسطينية للسياسة أو المراجعة أو النقد أو النقاش الجدّي عدواناً عليها أو خيانة لها. ورغم عدالية القضية، بات كلّ ما يحفّ بها ضعيف المناعة حيال الخرافة، وهذا ما يحيط دوماً بالقضايا المغلقة التي تُرفع إلى ما فوق الأرض والتراب: فكلّ قذيفة تُطلق هي «اقتراب» من فلسطين، أو تثبيت لـ«خطّ أحمر» جديد، أو يوم تاريخي سوف تنحني أمامه ذاكرة المستقبل! وكلّ ضربة كفٍّ ملحمة حتّى لو كنّا نحن من أصيب بها. إنّ ما حصل قبل أيام على الجبهة اللبنانية - الإسرائيلية كان سخرية من العقل المتبرّع دوماً بأن يُسخَر منه.

لا شكّ أنّ الإحساس العميق بالهزيمة والإحباط رفيق دائم للوعي الخرافي المذكور. هكذا رأينا كيف تعاظم توظيف القضية من منافسات في السياسات الخارجية، على ما كانت الحال بين مصر والعراق والأردن في 1948، إلى واحد من الأسس الداخلية التي يُبنى عليها النظام نفسه، على ما بات شائعاً مع الأنظمة القومية والأمنية، خصوصاً في سوريا. إلا أنّ النظام الأمني العربي بتكريسه هذا المعنى، وبتوسيعه عَوَج المكان المعوج في الوعي السائد، متّن الميل التقديسي المغلق والمكتمل. لقد صار الأخير، بفعل التراكم المصنوع، كوناً فكرياً وشعورياً مترامي الأطراف.

وبسبب قوّة الخرافة التي ضخّمته، بات المصنوع المقدّس أكبر من صانعه، فرأينا الأغنية تتمرّد على المغنّي قبل أن يعاود السيطرة عليها: حتّى جمال عبد الناصر حين وافق، بعد هزيمة 1967، على مشروع روجرز والقرار 242، وحافظ الأسد حين دخل في 1976 إلى لبنان، وُصفاً بخيانة ما أنجباه.

زاد الأمر سوءاً أنّ سياسيي فلسطين بلا لسان. فهم ينجرّون إلى خطاب القداسة بحيث تبدو أفعالهم السياسية - وهي بطبيعتها لا تنتمي إلى المقدّس - عملاً نافراً: ينتجون حدّاً أدنى من التفكير والتنظير لأفعال تتطلّب حدّاً أقصى منهما. هكذا لا تُسمع منهم إلا شعارات بائسة ومضجرة كـ«سلام الشجعان» تواكب سياسات تفتقر إلى «ثقافتها» بما يسهل التشكيك والطعن بها. أما فلسطينيو إسرائيل الذين يدافعون عن حقوقهم بالسياسة، لا بالخرافة، فممنوعٌ أن يؤثّروا في جوارهم، وإذا بادر جوارهم وُصف بـ«التطبيع».

ولأنّ القضية مكتملة ومغلقة فهذا ما يخشّبها. هكذا لا تضاف نقطة أو فاصلة إلى ما سبق قوله آلاف المرّات، فيما الذين يرونها قضية سياسية تتحرّك وتعلو وتنخفض، يجدون أنفسهم مطرودين من هذا المحفل ومن تعويذاته.

إلى ذلك، فاكتمال القضية وإغلاقها يحرّمان تعايشها مع أي قضية أخرى. القضية الأخرى تبدو حسماً من رصيدها ومنافسة معها. إنّهما أيضاً يعيقان تفاعلها مع عالم متحرّك ومتعدّد الهموم.

وهذا الفهم لـ«القضية» يحوّلها أداة بالغة الفعالية في قتل التعدّد والاختلاف في البيئات التي تحضر فيها. يحوّلها أيضاً حليفاً للحاكم الأمني المستبد، شاءت ذلك أم أبت. وليس صدفة أن يؤدّي درب كهذا إلى الوعي «الحمساوي»، العنصري والطائفي، ومنه إلى ما هو دائماً أسوأ.

الآن، مع الانسداد الذي يواجه الشعب الفلسطيني، بعنف إسرائيل العنجهي والعنصري، وباحتمالات «صفقة القرن» الخطيرة والظالمة، تغدو إعادة تسييس القضية الفلسطينية وتعريضها للنقاش والمساءلة، والترحيب بالانقسام حولها شأنها شأن كلّ القضايا، هي ما يجدّد إحياءها، وفي الحدّ الأدنى، يوقف قدرة أي كان على زعم «تمثيلها». إنّها اليوم معبودة الجميع ودمية أي كان، وهو ما ينبغي أن يتوقّف.

عن الشرق الأوسط اللندنية

×
أخبار
السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو تقرير: عقيدة ما بعد 7 أكتوبر تُعلي الهوية اليهودية وتضع إسرائيل في حالة مواجهة عسكرية دائمة تباين حاد بين استطلاعات الرأي الإسرائيلية حول موازين القوى قبل أسبوعين من انتخابات الكنيست

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط