كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

من إدارة الأزمة إلى صناعة المستقبل: نحو مجلس وطني استراتيجي لحماية المشروع الوطني الفلسطيني

في التاريخ السياسي للشعوب لا تُقاس قوة الأمم بحجم ما تمتلكه من موارد وإمكانات فقط، بل بقدرتها على تحويل التحديات إلى فرص، والأزمات إلى محطات لإعادة البناء، واستشراف المستقبل بدل الارتهان لردود الأفعال. فالدول والحركات الوطنية التي نجحت في تحقيق أهدافها الكبرى لم تنتصر لأنها كانت الأقوى عسكرياً أو اقتصادياً، وإنما لأنها امتلكت رؤية استراتيجية ومؤسسات قادرة على التخطيط وصناعة القرار وإدارة التحولات.
واليوم تقف القضية الفلسطينية أمام واحدة من أخطر المراحل في تاريخها المعاصر؛ مرحلة تتجاوز حدود الصراع التقليدي على الأرض لتطال جوهر المشروع الوطني الفلسطيني ذاته. فإسرائيل لم تعد تكتفي بإدارة الاحتلال أو توسيع الاستيطان، بل انتقلت إلى محاولة إعادة تشكيل الواقع الجيوسياسي والديمغرافي والقانوني لفلسطين التاريخية، مستفيدة من التحولات الإقليمية والدولية، ومن تراجع مركزية القضية الفلسطينية في أجندة النظام الدولي، ومن الانقسام الفلسطيني المستمر، ومن حالة العجز التي أصابت العديد من المؤسسات الوطنية.
إن التحدي الذي يواجه الفلسطينيين اليوم لا يكمن فقط في السياسات الإسرائيلية، مهما بلغت خطورتها، بل في غياب منظومة وطنية متكاملة لصناعة القرار الاستراتيجي، قادرة على الانتقال من إدارة الأزمات اليومية إلى بناء رؤية وطنية طويلة المدى. فالمعركة الحالية ليست معركة حدود أو تفاوض أو إجراءات ميدانية فحسب، بل هي معركة وجود وهوية ورواية وحقوق تاريخية وقانونية وسيادة سياسية.

التحول الإسرائيلي من إدارة الصراع إلى حسمه

تشير السياسات الإسرائيلية خلال السنوات الأخيرة إلى انتقال تدريجي من مفهوم "إدارة الصراع" إلى مفهوم "حسم الصراع" من منظور إسرائيلي أحادي. ويتجلى ذلك في تسارع مشاريع الضم والاستيطان، ومحاولات تقويض مكانة السلطة الوطنية الفلسطينية، واستهداف وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، وفرض وقائع ميدانية تهدف إلى إغلاق الباب أمام أي إمكانية لقيام دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة.
وفي الوقت ذاته، يعلن قادة اليمين الإسرائيلي بصورة متزايدة انتهاء صلاحية اتفاقيات التسوية السياسية التي حكمت المرحلة السابقة، والدفع نحو نموذج جديد يقوم على فرض السيادة الإسرائيلية وتكريس واقع الاحتلال الدائم. وهو ما يعني أن المرحلة الراهنة ليست امتداداً لما سبقها، بل تمثل انتقالاً استراتيجياً في طبيعة الصراع وأهدافه.
وأمام هذا التحول الجذري، يصبح استمرار إدارة الملف الفلسطيني بالأدوات التقليدية ذاتها أمراً غير كافٍ، بل قد يتحول إلى مصدر خطر على المشروع الوطني الفلسطيني نفسه.

مراجعة نقدية لمسار التنازلات السياسية

لقد كشفت التجربة الفلسطينية الممتدة منذ اتفاق أوسلو وما تلاه من استحقاقات سياسية أن سياسة التنازلات غير المتبادلة لم تؤدِّ إلى إنهاء الاحتلال أو إقامة الدولة الفلسطينية، بل ترافقت مع توسع غير مسبوق للمشروع الاستيطاني، وتراجع فرص الحل السياسي القائم على قرارات الشرعية الدولية.

إن الدرس الأهم الذي ينبغي استخلاصه من العقود الماضية يتمثل في أن أي تنازل لا يقابله التزام قانوني وسياسي واضح ومحدد وقابل للتنفيذ يتحول عملياً إلى مكسب مجاني للطرف الآخر، ويشجعه على المطالبة بمزيد من التنازلات دون تقديم أي مقابل حقيقي.
ومن هنا فإن المطلوب فلسطينياً ليس رفض الحلول السياسية أو الانغلاق أمام المبادرات الدولية، وإنما إعادة تعريف قواعد الاشتباك السياسي على أساس المصالح الوطنية والمرجعيات القانونية الدولية، بحيث تصبح أي عملية سياسية مرتبطة بضمانات وآليات تنفيذ واضحة، لا بمجرد الوعود أو الرهانات على تغير الحكومات أو المزاج السياسي الدولي.

الحاجة إلى عقل استراتيجي وطني جامع

في ظل هذه التحديات المتشابكة، تبرز الحاجة الملحة إلى إنشاء مجلس وطني أعلى للتخطيط الاستراتيجي والسياسات العامة، يكون بمثابة العقل الاستراتيجي الجماعي للشعب الفلسطيني، ويعمل إلى جانب مؤسسات القيادة الوطنية، دون أن يكون بديلاً عنها.
إن جوهر الفكرة لا يتمثل في إنشاء مؤسسة بيروقراطية جديدة، بل في بناء منصة وطنية دائمة تجمع الكفاءات والخبرات الفلسطينية في الوطن والشتات، وتربط المعرفة بصناعة القرار، والخبرة بالتخطيط، والرؤية بالتنفيذ.

ويفترض أن يضم المجلس خبراء في:- القانون الدولي والقضاء الدولي. ، الأمن القومي والدراسات الاستراتيجية. العلاقات الدولية والدبلوماسية متعددة الأطراف.، الاقتصاد والتنمية المستدامة.، الدراسات الإسرائيلية.، الإعلام الاستراتيجي والحرب الرقمية.، الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي.، إدارة الأزمات واستشراف المستقبل.، التخطيط السكاني والديمغرافي.، الطاقة والموارد والأمن الغذائي.
ويكون من مهامه إعداد تقديرات موقف دورية، وصياغة سيناريوهات مستقبلية، وتقديم خيارات استراتيجية لصانع القرار الفلسطيني، بما يضمن الانتقال من إدارة ردود الأفعال إلى صناعة المبادرات.
من إدارة التراجع إلى إدارة الصمود والمبادرة
إن المرحلة المقبلة تفرض تحولاً جذرياً في الفكر السياسي الفلسطيني، يقوم على الانتقال من منطق إدارة الخسائر إلى منطق بناء عناصر القوة الوطنية.
وهذا يتطلب العمل المتوازي على خمسة مسارات استراتيجية كبرى:
أولاً: إعادة بناء الوحدة الوطنية
فالوحدة الوطنية لم تعد مجرد شعار سياسي أو مطلب تنظيمي، بل أصبحت شرطاً وجودياً لحماية المشروع الوطني الفلسطيني. إذ لا يمكن مواجهة مشاريع الضم والتفتيت والاستهداف في ظل استمرار الانقسام السياسي والمؤسساتي والجغرافي.
ثانياً: إعادة بناء وتفعيل منظمة التحرير الفلسطينية
باعتبارها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، من خلال توسيع المشاركة الوطنية، وتجديد المؤسسات، وتفعيل دورها السياسي والدبلوماسي، بما يعزز قدرتها على تمثيل جميع الفلسطينيين في الداخل والخارج.
ثالثاً: تدويل الصراع سياسياً وقانونياً
عبر تعظيم الاستفادة من أدوات القانون الدولي، والمحاكم الدولية، وآليات المساءلة والمحاسبة، وتحويل الاحتلال إلى عبء سياسي وأخلاقي وقانوني متزايد على إسرائيل في الساحة الدولية.
رابعاً: بناء استراتيجية وطنية للصمود
من خلال حماية الأرض، ودعم المزارعين، وتعزيز الاقتصاد الوطني، وتطوير التعليم والبحث العلمي، وتمكين الشباب، وتوسيع برامج الحماية الاجتماعية، بما يعزز قدرة المجتمع الفلسطيني على الثبات في أرضه.
خامساً: بناء منظومة وطنية للمعرفة وصناعة القرار
عبر ربط الجامعات ومراكز الأبحاث والمؤسسات الوطنية في إطار شبكة استراتيجية موحدة، تنتج المعرفة اللازمة لصناعة السياسات، وتوفر قاعدة علمية لاتخاذ القرار.
توصيات عملية للمرحلة القادمة
إصدار قرار وطني بإنشاء المجلس الوطني الأعلى للتخطيط الاستراتيجي والسياسات العامة.
تأسيس بنك وطني للكفاءات والخبرات الفلسطينية في الوطن والشتات.
إنشاء مركز وطني لاستشراف المستقبل وإدارة المخاطر الاستراتيجية.
إعداد استراتيجية وطنية فلسطينية شاملة للأعوام 2027–2037.
إجراء مراجعة شاملة للسياسات السابقة واستخلاص الدروس والعبر منها.
تعزيز الشراكة بين مؤسسات صنع القرار والجامعات ومراكز الدراسات.
تطوير منظومة إعلامية وطنية قادرة على حماية الرواية الفلسطينية ومواجهة الدعاية الإسرائيلية.
اعتماد آليات للمساءلة والتقييم الدوري للسياسات العامة.
بناء منظومة إنذار مبكر للتعامل مع التحولات الإقليمية والدولية.
وضع محددات وطنية واضحة تمنع تقديم أي تنازلات سياسية خارج إطار الإجماع الوطني والشرعية الدولية.
خاتمة: مشروع وطني لصناعة المستقبل

إن القضية الفلسطينية لم تعد تواجه تحديات ظرفية أو أزمات عابرة، بل تواجه مشروعاً استراتيجياً يستهدف إعادة تشكيل الواقع الفلسطيني برمته. ولذلك فإن الرد الفلسطيني لا يمكن أن يبقى محصوراً في إدارة الأزمات اليومية أو انتظار التحولات الخارجية، بل يجب أن يرتقي إلى مستوى بناء مشروع وطني جديد يقوم على الرؤية والتخطيط والمعرفة والمؤسسات.

فالشعوب التي تمتلك رؤية استراتيجية ومؤسسات قادرة على التفكير للمستقبل تستطيع تحويل التحديات إلى فرص، أما الشعوب التي تكتفي بردود الأفعال فإنها تبقى رهينة للأحداث وصانعيها.

ومن هنا فإن الواجب الوطني يقتضي إطلاق مرحلة جديدة عنوانها: الانتقال من إدارة الأزمة إلى صناعة المستقبل، ومن رد الفعل إلى الفعل، ومن السياسة التكتيكية إلى الرؤية الاستراتيجية الشاملة، بما يضمن حماية المشروع الوطني الفلسطيني وتعزيز صمود الشعب الفلسطيني وتحقيق تطلعاته المشروعة في الحرية والاستقلال وتقرير المصير وإقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس.

×
أخبار
مسؤولان: إيران تغير أساليبها في استهداف السفن عبر المضيق قبل الانتخابات الأمريكية الخارجية الأميركية تنتقد ملاحقة سفيرة لبنان في واشنطن بعد لقاء إسرائيلي نتنياهو يقرّ بزيارة رئيس المخابرات المصرية قبل 7 أكتوبر وينفي لقاءه تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط