كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

من الإغاثة إلى التنمية المستدامة لإعادة بناء قطاع غزة

من الإغاثة إلى التنمية المستدامة لإعادة بناء قطاع غزة

تاريخ النشر: 2026-08-02 | 10:24

د. سلامه  محمود ابو زعيتر
د. سلامه محمود ابو زعيتر
تمرُّ المجتمعات الإنسانية عقب الكوارث والأزمات الطاحنة بمفارق طرق مفصلية، تُحتّم عليها الاختيار بين الارتهان لاستجابات إغاثية مؤقتة، أو الانطلاق نحو مسارات تعافٍ شاملة تعيد بناء النسيج الاجتماعي والمؤسسي، وفي الواقع الفلسطيني الفريد، ولا سيما في قطاع غزة الذي تعرض لدمار غير مسبوق في بنيته التحتية العمرانية والاجتماعية والاقتصادية، تبدو الحاجة أكثر إلحاحاً لإعادة تعريف مفهوم استعادة الحياة. وإن كانت تداعيات الحرب المؤلمة، وحجم النزوح والكسر الذي يكابده مجتمعنا المكلوم، لم تثنِ أهالي غزة عن التمسك الصلب بالحياة والأمل في غدٍ أفضل، ولأن حجم التضحيات الوطنية يتطلب تدخلات تتجاوز الحلول الترقيعية؛ فإن نقطة البداية تكمن في صياغة رؤية متكاملة تزاوج بين نجاعة التدخلات الطارئة واستدامة بناء الإنسان والمؤسسات. وتثبت التجربة التاريخية في إدارة الكوارث أن الاعتماد على مسار خطي متعاقب؛ كالرهان على تأجيل التنمية لحين الانتهاء التام من الإغاثة، أو ربط تقديم الخدمات بالتوافقات السياسية المعقدة هو نموذج أثبت فشله؛ إذ يكرّس الشلل المؤسسي، وينهك الشارع بالانتظار، ويهدد ثبات الجبهة الداخلية، وبدلاً من ذلك، فإن التزامن المباشر والعمل المتوازي بين المسار الخدمي السريع، وتمكين المجتمع المدني، وتوفير البيئة الإدارية المستقرة، يمثل الشرط المحوري للخروج من حالة الضبابية وتحديد بوصلة العمل الإداري والإغاثي. ولكي يستشعر المواطن تغييراً ملموساً يبعث على الأمل، يجب إرساء إشارات تعافٍ عاجلة بعيدة عن التعقيدات البيروقراطية، تتركز في الإسراع باستعادة أولويات حياتيه مثل شبكات المياه العذبة، واعتماد شبكات الطاقة الشمسية المؤقتة للخدمات الأساسية، وتأهيل المراكز الصحية الأولية وغيرها من الإصلاحات في البنية التحتية، يرافق ذلك اعتماد بدائل تعليمية استثنائية مدمجة وميدانية تضمن استيعاب الطلبة وتمنع ضياع الأجيال، إلى جانب تفعيل وتوسيع برامج النقد مقابل العمل لإشراك الشباب والمهنيين في إزالة الأنقاض والترميم الخفيف، وتكتمل هذه الخطوات بالحرص على اعتماد الشراء المحلي لإمدادات الإغاثة والصيانة؛ لضخ السيولة في السوق الداخلي وتنشيط المشاريع الصغيرة والتجار المتضررين ضمن دورة تعافٍ اقتصادية متكاملة. ولضمان ألا تضيع هذه الجهود في عشوائية التوزيع، أو تكرار الخدمة، وتهميش الفئات الأكثر احتياجاً، يبرز أهمية تأسيس منظومة رقمية مركزية موحدة كعمود فقري للإصلاح المؤسسي، وتعتمد هذه المنظومة على إنشاء سجل رقمي موحد لكل أسرة مرتبط برقم الهوية الوطنية، تُسجّل فيه كافة التدخلات الإغاثية والتشغيلية والصحية لحظياً، مع منح صلاحيات وصول آمنة ومدروسة للمؤسسات الأهلية والرسمية لتحديث البيانات منعاً للازدواجية، كما يتطلب كمال حوكمتها تطبيق أعلى معايير تشفير البيانات وضوابط الاطلاع المحمية لضمان خصوصية المواطنين، إضافة إلى نشر مؤشرات إحصائية مجمعة تعكس نسب التغطية والتوزيع الجغرافي، وتوفير قناة استعلام وشكاوى مستقلة تضمن حق المواطن في الاعتراض ومراجعة ملفه بكرامة وشفافية مطلقة. إن تجسيد هذه الرؤية على أرض الواقع يضع "لجنة التكنوقراط المكلفة بإدارة قطاع غزة" وكافة صناع القرار أمام مسؤولية تاريخية تتطلب مغادرة مربع الإدارة التقليدية إلى مربع الحوكمة الشجاعة والمستقلة، ويبدأ ذلك بتأسيس هيئة حوكمة مستقلة للبيانات تضم كفاءات ممثلة عن المجتمع المدني، والخبراء التقنيين المستقلين، والجهات الأممية، بالإضافة إلى الجهات الرسمية للتعاون في الإشراف على المنظومة الرقمية الموحدة وضمان حياديتها بعيداً عن التجاذبات السياسية. كما يقتضي الأمر إنهاء كافة الأعباء والهياكل التي فرضتها المؤسسات المعطلة والنهج الفئوي، والقطع الكامل مع ممارسات المنتفعين واللصوص والفاشلين الذين أثبتت التجربة العميقة عجزهم وعدم مقدرتهم على إدارة الأزمات، والتأسيس لمرحلة جديدة قائمة على الاعتماد المطلق على الكفاءات والمهارات الوطنية الحقيقية، وإحداث تغيير ملموس وجوهري يصب مباشرة في صالحهم وفي خدمة المواطن. ويكتمل هذا التغيير بالانتقال التدريجي بالتمويل من طابعه الإغاثي الطارئ نحو دعم المشاريع الصغيرة والإنتاجية التي تعيد بناء القدرات الذاتية للمجتمع، مع فتح المجال واسعاً أمام العقول والشابة الماهرة لإدارة الملفات الميدانية والتنفيذية بروح جديدة، وإن نجاح إدارة هذه المرحلة الراهنة لا يُقاس بحجم المساعدات التي يتم استلامها، بل بقدرتنا على بناء منظومة حكومية ومجتمعية عادلة، شفافة، قاطعة مع الفساد والفئوية، وقادرة على تحويل محنة غزة إلى فرصة حقيقية للنهوض والتنمية المستدامة. الخلاصة: إن النهوض بقطاع غزة وإعادة إعطائه الحياة يتطلب الإيمان والتطبيق المباشر لمقاربة عمل موازية، تزاوج بين الإغاثة السريعة المنظمة رقمياً والتنمية التراكمية المستدامة، ولا يمكن لهذه المقاربة أن تنجح إلا بإنهاء الارتهان للبيروقراطية والفئوية والفساد، والاعتماد الجاد والمطلق على الكفاءات والخبرات الوطنية الشابة لإدارة الميدان بشفافية وعدالة، لتحويل تضحيات أهلنا وصمودهم العظيم من مجرد إدارة للمحنة إلى محرك حقيقي للتغيير والتعافي الكامل.
×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط