كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

من الاغتيال إلى التحدي: كيف أعادت طهران بناء قيادتها تحت النار !

من الاغتيال إلى التحدي: كيف أعادت طهران بناء قيادتها تحت النار !

تاريخ النشر: 2026-03-08 | 12:58

لم تكن الضربة التي استهدفت رأس القيادة الإيرانية مجرد عملية عسكرية محدودة بل محاولة استراتيجية منظمة لإحداث انهيار سريع داخل بنية الدولة الإيرانية حيث راهنت واشنطن وتل أبيب على أن اغتيال شخصيات محورية في هرم السلطة وفي مقدمتهم المرشد الأعلى علي خامنئي سيقود إلى شلل في مراكز القرار ويخلق فراغا سياسيا وأمنيا يصعب احتواؤه وقد كان التقدير أن سقوط رأس الهرم سيقود تلقائيا إلى تفكك المؤسسات وانقسام القوى السياسية والعسكرية وهو ما يفتح الطريق أمام انهيار النظام وإجبار إيران في النهاية على الاستسلام للضغوط الأمريكية والإسرائيلية والقبول بواقع سياسي جديد يتشكل تحت تأثير القوة العسكرية والضغط الدولي.

هذا التصور لم يكن وليد اللحظة بل نتيجة تراكم طويل من الرهانات التي تبنتها دوائر القرار في واشنطن على مبدأ أن الأنظمة التي تتعرض لاغتيال قياداتها العليا تدخل عادة في حالة اضطراب داخلي وفوضى سياسية غير أن ما حدث في إيران جاء مغايرا تماما لكل تلك الحسابات فقد أظهرت الدولة الإيرانية قدرة لافتة على امتصاص الصدمة وإعادة تنظيم نفسها بسرعة وهو ما كشف أن بنية النظام السياسي في طهران تقوم على منظومة مؤسسات مترابطة وليس على حكم فرد يمكن أن يؤدي غيابه إلى انهيار الدولة.

اللافت انه خلال وقت قصير ظهرت آلية انتقالية سلسلة لإدارة البلاد عبر مجلس قيادة مؤقت ضم الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان إلى جانب رئيس السلطة القضائية غلام حسين محسني إيجئي ورجل الدين البارز علي رضا أعرافي وهو ما عكس وجود تسلسل قيادي مسبق ومنظم يضمن استمرار مؤسسات الدولة في العمل حتى في أصعب الظروف كما برز دور مجلس الخبراء ومجلس الأمن القومي المميز في إدارة المرحلة الانتقالية والتحضير لانتخاب قائد جديد بما يحفظ استمرارية النظام ويمنع أي فراغ في السلطة.

التطورات المتسارعة كشفت أن الدولة الإيرانية ليست مجرد منظومة حكم مرتبطة بشخص أو بزعيم مهما كان موقعه بل هي بنية مؤسساتية معقدة تتوزع فيها الصلاحيات بين عدة مراكز قرار سياسية ودينية وعسكرية وهو ما يجعلها أقل عرضة للانهيار المفاجئ مقارنة بأنظمة تقوم على حكم الفرد ولذلك فإن الرهان على أن يؤدي اغتيال القيادة إلى إسقاط الدولة تحول عمليا إلى رهان خاسر منذ اللحظة التي استمرت فيها مؤسسات الحكم في أداء وظائفها دون ارتباك كبير.

في المقابل بدت واشنطن في حالة من التردد والتناقض في تحديد أهداف الحرب فقد تعددت التصريحات الأمريكية بشأن الغاية من العمليات العسكرية فتارة يجري الحديث عن تدمير البرنامج النووي الإيراني وإضعاف القدرات الصاروخية والبحرية لطهران وتارة أخرى عن تقليص نفوذها الإقليمي غير أن الهدف الأكثر حساسية وهو إسقاط النظام ظل يظهر أحيانا ويختفي أحيانا أخرى في الخطاب الرسمي الأمريكي رغم أنه كان حاضرا بوضوح في الخطاب الإسرائيلي وعلى رأسه تصريحات رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو.

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ذهب الى أبعد من ذلك حين تحدث عن إمكانية ظهور قيادة جديدة في طهران مستعدة للتعامل مع واشنطن بل ألمح إلى رغبته في التأثير على طبيعة القيادة المقبلة وهو ما يعكس تصورا أمريكيا يسعى إلى إعادة تشكيل النظام السياسي الإيراني بما يتوافق مع المصالح الأمريكية والإسرائيلية غير أن هذه التصريحات لم تجد صدى على الأرض إذ لم تظهر أي مؤشرات حقيقية على انشقاقات سياسية أو عسكرية يمكن أن تقود إلى بروز قيادة بديلة مدعومة من الخارج.

على مستوى الداخل الإيراني ورغم وجود تيارات مختلفة ومواقف متباينة من النظام فإن لحظة الحرب والاعتداء الخارجي أعادت إحياء الشعور الوطني لدى قطاعات واسعة من المجتمع والتاريخ الإيراني يظهر أن النزعة القومية كثيرا ما تتقدم على الخلافات السياسية عندما يتعلق الأمر بسيادة البلاد واستقلالها ولهذا لم تظهر أي قوة سياسية مستعدة لتقديم نفسها كبديل في ظل حرب خارجية تستهدف الدولة وهو ما أفشل الرهان على تحريك الشارع الإيراني لإسقاط النظام من الداخل.

في الميدان العسكري سعت طهران إلى تحويل الضربة الأولى التي استهدفت قيادتها إلى نقطة انطلاق لمرحلة جديدة من المواجهة فقد اتجهت القيادة الجديدة إلى توسيع نطاق الرد العسكري وإظهار قدرتها على إدارة المعركة رغم الضغوط الهائلة وهو ما أدى إلى استنزاف متزايد لمنظومات الدفاع الجوي في المنطقة وفتح جبهات متعددة أربكت الحسابات العسكرية الأمريكية والإسرائيلية وأظهرت أن إيران لا تزال تمتلك أدوات قوة قادرة على إطالة أمد الصراع.

مع اتساع رقعة المواجهة بدأ البعد الاقتصادي للطاقة يظهر كعامل حاسم في مسار الحرب فمضيق هرمز الذي يمر عبره جزء كبير من تجارة النفط العالمية تحول إلى عنصر ضغط استراتيجي يمكن أن يؤثر في الاقتصاد العالمي وهو ما يفسر القلق المتزايد لدى القوى الكبرى مثل أوروبا والصين والهند التي تراقب تطورات الصراع خشية أن يؤدي استمرار الحرب إلى اضطرابات خطيرة في أسواق الطاقة والتجارة الدولية.

ما يتعلق بالسيناريوهات المتوقعة لمسار هذه الحرب فهي تتراوح بين عدة احتمالات أولها استمرار المواجهة العسكرية لفترة طويلة في إطار حرب استنزاف متبادلة حيث يسعى كل طرف إلى إنهاك الآخر دون الوصول إلى مواجهة شاملة وثانيها اتساع الصراع إقليميا عبر انخراط قوى حليفة لإيران في المواجهة بما يحول الحرب إلى صراع متعدد الجبهات وثالثها تدخل القوى الدولية الكبرى لفرض وقف لإطلاق النار عندما تصل كلفة الحرب الاقتصادية والأمنية إلى مستويات لا يمكن تحملها عالميا ورابعها وهو الأقل احتمالا لكنه الأكثر خطورة أن تنزلق المنطقة إلى مواجهة واسعة قد تعيد رسم موازين القوى في الشرق الأوسط لعقود قادمة.

بقراءة دقيقة لهذه الاحتمالات تبدو الحقيقة الأكثر وضوحا أن الرهان على إسقاط الدولة الإيرانية عبر الاغتيالات أو الضربات الخاطفة لم يحقق أهدافه بل ربما أدى إلى نتيجة عكسية تمثلت في تعزيز التماسك الداخلي وإعادة ترتيب القيادة بسرعة غير متوقعة وهو ما يفرض على صناع القرار في واشنطن إعادة تقييم حساباتهم بعيدا عن رهانات القوة وحدها.

اخيرا : الرسالة الواضحة التي يجب أن تصل اليوم إلى واشنطن ان استمرار الولايات المتحدة في الانجرار وراء السياسات التوسعية والاحتلالية التي يقودها بنيامين نتنياهو لن يؤدي إلا إلى توسيع دائرة الصراع وإشعال المنطقة بمزيد من الحروب وهو مسار لا يخدم مكانة أمريكا ولا مصالحها على المدى البعيد وعلى الرئيس دونالد ترامب أن يدرك أن قوة الولايات المتحدة الحقيقية لا تكمن فقط في ترسانتها العسكرية وفرض الهيمنة والتوسع بل في قدرتها على لعب دور الدولة العظمى التي تقود العالم بحكمة وعقلانية وتتصرف بمسؤولية لا كطرف منحاز في صراع إقليمي حيث يحتاج العالم اليوم إلى قوة عظمى محايدة قادرة على الوساطة النزيهة وقيادة جهود التنمية والأمن والاستقرار ومثل هذا الدور وحده هو الذي يمنح أمريكا احترام الدول وثقة الشعوب ويعيد إليها مكانتها كقائد للنظام الدولي القائم على العدالة والسلام.

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط