تاريخ النشر: 2026-09-25 | 19:15
تاريخ النشر: 2026-09-25 | 19:15
موسكو:أصدر نادي "فالداي" الدولي للنقاش دراسة استراتيجية جديدة تحمل رقم (129) أعدها الباحثون: نوبارا كولييفا، ومهربون أشوروف، وحسيبة توغشه تاشيك تحت عنوان "تركيا وإيران: حدود النفوذ الإقليمي".
وتسلط الدراسة الضوء على التحولات الجوهرية في طبيعة العلاقات بين أنقرة وطهران، مؤكدة انتقالهما من التنافس الصريح إلى صيغة دقيقة تجمع بين المنافسة والتنسيق المحدود أو ما أطلقت عليه الدراسة سيناريو "التنافس المُدار"؛ إذ لا ينظر الطرفان حالياً إلى بعضهما باعتبارهما التهديد الأول، على الرغم من احتدام التنافس بينهما في ساحات رئيسية كسوريا والعراق.
توضح الدراسة أن الاستراتيجية الإيرانية استندت تاريخياً إلى مزيج من الأيديولوجيا الثورية والحسابات البراغماتية للحفاظ على النظام السياسي وتثبيت مكانتها كقوة إقليمية عبر "محور المقاومة" وأدوات المواجهة غير المتماثلة، معتمدة على مفهوم "الصبر الاستراتيجي" لتقليل تكلفة المواجهة المباشرة وتراكم النفوذ تدريجياً.
وتشير الدراسة إلى أن النفوذ الإيراني بلغ ذروته في الفترة الممتدة من بداية العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين حتى عام 2023. إلا أن التطورات التي أعقبت أحداث 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 أدت إلى إضعاف ركائز أساسية لهذا النموذج من خلال:
تراجع القدرات التشغيلية لحركتي حماس وحزب الله.
سقوط نظام بشار الأسد في عام 2024، والذي أنهى تحالفاً استراتيجياً سوريّاً-إيرانيّاً دام أكثر من خمسة عقود.
انتقال خط المواجهة بدرجة أكبر إلى الداخل الإيراني، مما أجبر طهران على البحث عن آليات لتعويض خسائرها الاستراتيجية في سوريا ولبنان.
على الجانب الآخر، رصدت الدراسة تحولاً كبيراً في السياسة الخارجية التركية؛ حيث انتقلت من عقيدة "العمق الاستراتيجي" و"صفر مشاكل مع الجيران" إلى نموذج أكثر "أمننة" وعسكرة، يعتمد على القوة العسكرية، والقواعد الخارجية، وتصدير السلاح، والتحالفات الظرفية مع الحفاظ على أدوات القوة الناعمة.
وتحدد الدراسة ثلاثة أهداف رئيسية للسياسة الإقليمية التركية:
معالجة التهديد الكردي وتأمين الحدود القومية.
ترسيخ تركيا كمركز قوة إقليمي مستقل وتطوير صناعاتها الدفاعية.
الحفاظ على أنظمة سياسية صديقة ومواتية في الدول المجاورة.
القيود على النفوذ التركي: في المقابل، تؤكد الدراسة وجود ثلاثة قيود هيكلية تحد من قدرة تركيا على التوسع بلا حدود: محدودية الموارد الاقتصادية، وخطر الاستنزاف الناتج عن الانخراط المزدوج في صراعات متعددة (سوريا، العراق، ليبيا، الصومال)، واحتكاك النفوذ التركي بمصالح قوى أخرى كإيران ودول الخليج والدول الغربية.
تُظهر الدراسة تباين موازين القوى بين الطرفين في ساحتي سوريا والعراق:
في الساحة السورية: أدى سقوط نظام الأسد عام 2024 إلى إنهاء الوجود الإيراني المهيمن وفتح المجال أمام تركيا لتصبح الداعم الرئيسي للقوى السياسية الجديدة في دمشق. وتتركز أهداف أنقرة في سوريا على تفكيك الحكم الذاتي الكردي في الشمال، وإنشاء منطقة عازلة، وإعادة اللاجئين السوريين. ومع ذلك، تلفت الدراسة إلى أن توجه دمشق الجديد نحو تنويع علاقاتها—خاصة مع دول الخليج—قد يمنع تركيا من فرض هيمنة مطلقة.
في الساحة العراقية: تتمتع إيران بنفوذ أكثر عمقاً وتوازناً عبر القنوات السياسية والأمنية والاجتماعية والاقتصادية. بينما يتركز الحضور التركي في الجوانب الأمنية والاقتصادية والطاقة ومكافحة "حزب العمال الكردستاني". وترصد الدراسة انعكاس التنافس على البيئة الكردية؛ حيث تدعم أنقرة "الحزب الديمقراطي الكردستاني" في أربيل، بينما تحتفظ طهران بعلاقات وثيقة مع "الاتحاد الوطني الكردستاني" في السليمانية.
تكشف الدراسة أن أنقرة لا تسعى لإخراج إيران كلياً من المنطقة؛ خشية أن يؤدي الفراغ المفاجئ إلى حالة من الفوضى وموجات هجرة غير مضبوطة، بل تفضل تغييراً تدريجياً وقابلاً للإدارة في ميزان القوى.
وتحدد الدراسة ثلاثة مجالات رئيسية للتنسيق التكتيكي والتقارب المحدود بين البلدين:
الرغبة المشتركة في تقليص الدور والوجود العسكري الأمريكي في المنطقة.
القلق المشترك من تصاعد نشاط ونفوذ التنظيمات والحركات الكردية.
التقارب النسبي في المواقف السياسية تجاه إسرائيل وتدهور العلاقات معها.
تخلص دراسة نادي "فالداي" إلى أن "التنافس المُدار" (Managed Competition) هو السيناريو الأرجح والأكثر احتمالاً لمستقبل العلاقات التركية-الإيرانية. سيناريو يقوم على استمرار السباق على النفوذ في سوريا والعراق، مع فتح قنوات اتصال سياسية مستمرة وتجنب المواجهة المباشرة، لتبقى المساحة مفتوحة أمام التنسيق الظرفي كلما تقاطعت المصالح الأجنداتية للبلدين.