كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

من الثورة إلى الفوضى ثم العبث

من الثورة إلى الفوضى ثم العبث

تاريخ النشر: 2024-09-24 | 15:52

كانت الثورة التونسية في عام 2011، والتي كثيراً ما تمت الإشادة بها باعتبارها الشرارة التي أشعلت الربيع العربي، مدعومة بسخط واستياء شعبي عارم من القمع السياسي والركود الاقتصادي والفساد الإداري المستشري في عهد الرئيس الراحل زين العابدين بن علي. وعندما هرب بنعلي من حبل المشنقة إلى صحراء المنفى، اعتقد العديد من التونسيين أن البلاد سوف تشهد أخيراً التحول الديمقراطي الذي طال انتظاره بل وكانت تحلم به الشعوب العربية من المحيط إلى الخليج. لكن سرعان ما تحول ربيع الثورة إلى خريف من الفوضى وعدم الاستقرار وغياب مؤسسات الدولة.

وغداة اندلاع الثورة مباشرة، واجهت تونس صعوبات مختلفة في إقامة نظام سياسي مستقر ومستدام. وكانت النخبة السياسية التي تولت السلطة حائرة في اختياراتها، ولم يتمكن قادتها من التوافق على الإصلاحات اللازمة لتوجيه البلاد نحو المسار الديمقراطي الصحيح . وتناسلت الأحزاب السياسية بسرعة، وكان العديد منها يفتقر إلى التجربة والعمق التنظيمي والرؤية الإيديولوجية المتماسكة اللازمة للحكم. وقد أدى تضارب المصالح بين صقور الحكومة الانتقالية إلى حالة من الركود، في حين استغلت الجماعات المتطرفة المتأسلمة الفراغ في السلطة، الأمر الذي أدى إلى زعزعة استقرار البلاد بشكل أكبر.

كما امتد التفكك إلى مؤسسات الدولة القوية . فبينما كانت الأجهزة الأمنية والجيش الوطني يكافحان من أجل السيطرة على ترهل سلطتهما ، استغلت العناصر الجهادية، بما في ذلك تنظيم القاعدة وتنظيم الدولة الإسلامية، حالة عدم الاستقرار لإشعال الفتنة في البلاد. وكانت بعض الهجمات البارزة، مثل تلك التي وقعت على متحف باردو ومدينة سوسة السياحية، بمثابة صدمة للأمة وألحقت الضرر في المقام الأول بقطاع السياحة الحيوي.

فضلاً عن ذلك، تفاقمت الأزمة الاقتصادية في السنوات التي أعقبت ثورة الياسمين. وتفاقمت معدلات البطالة، وخاصة بين الشباب، في حين ارتفعت معدلات التضخم والديون العامة. وأصبحت الإضرابات والاحتجاجات متعددة كل يوم ، الأمر الذي أدى إلى شل قدرة حكومة تصريف الأعمال على تدبير الحكم بشكل طبيعي وناجع.

لقد مهد فشل تحقيق المكاسب الديمقراطية، إلى جانب الانقسامات السياسية ، والتدهور المؤسساتي، والانهيار الاقتصادي الطريق لصعود أية شخصية لإنقاذ الوضع. وقد كان الشعب، المنهك من الفوضى التي أعقبت الثورة، يتوق إلى الاستقرار، حتى لو جاء ذلك على حساب المثل الديمقراطية.

في عام 2019، انتُخِب قيس سعيد، أستاذ القانون السابق الذي لا يتمتع بخبرة ودربة سياسية سابقة، رئيسًا لتونس بدعم شعبي ساحق. وباعتبار ماضيه السياسي الأبيض، استغل قيس خيبة الأمل الواسعة النطاق في الطبقة السياسية بعد الثورة. ووعد باستعادة الاستقامة في المشهد السياسي ومعالجة الاختلالات الديموقراطية الذي ابتليت بها البلاد لما يقرب من عقد من الزمان بعد انتحار الشاب البوعزيزي مفجر الثورة . ومع ذلك، فقد شابت فترة ولايته القصيرة بعودة الاستبداد والديكتاتورية بقناع جديد مما جعل الشعور بالعبثية يتعاظم حيث أدى أسلوبه في الحكم إلى تراجع المكاسب الديمقراطية ذاتها التي كانت الثورة تهدف إلى تحقيقها.

لقد أصبح افتقار قيس سعيد إلى الحنكة والحكمة السياسية واضحا منذ وقت مبكر من رئاسته. فعلى عكس أسلافه الرؤساء فؤاد المبزع والمنصف المرزوقي والباجي قائد السبسي ومحمد الناصر بدا قيس سعيد غير مهتم بالحوار مع المعارضين السياسيين أو رسم استراتيجية للإجماع، وكلاهما ضروري في سيرورة الديمقراطية الهشة. وبدلاً من ذلك، اتبع منهجا شعبويا، معتمدا على ارتباطه المباشر بالشعب التونسي مع تهميش المؤسسات السياسية القائمة. وبلغ هذا ذروته بقراره المثير للجدل في يوليو 2021 بحل البرلمان وإقالة رئيس الوزراء، مستندا على قانون الطوارئ الوطنية.

لقد تعرضت تصرفاته المتهورة لانتقادات واسعة النطاق على المستويين الداخلي والخارجي باعتبارها انقلابًا على روح ثورة الياسمين. كما أدت مناوراته لتركيز السلطة في السلطة التنفيذية والحكم بالمراسيم الطارئة إلى تقويض الديمقراطية الناشئة في تونس. وبرر تصرفاته تلك بأنها ضرورية لإنقاذ الأمة من النخب السياسية الفاسدة والانهيار الاقتصادي، لكن اندفاعه الاستبدادي أصبح واضحًا بشكل متزايد من خلال استبعاد خصومه السياسيين وتنحية الشخصيات الرئيسية التي حملت شعلة الثورة، مشيرا إلى نيته إعادة تشكيل المشهد السياسي في تونس على صورته كما يراه لا كما تراها عيون الديموقراطية الحقة.

وبمرور الوقت، انحرف أسلوب الحكم الذي ينتهجه سعيد إلى حد العبث . فقد أظهرت إدارته ميلاً إلى التركيز على نظرية المؤامرة ، وغالبًا ما يلوم قوى سرية في الداخل والخارج على محنة تونس بدلاً من تنفيذ إصلاحات ذات نجاعة آنية وعميقة. وقد رفض باستمرار دعوات الحوار الوطني، واختار بدلاً من ذلك تهميش أحزاب المعارضة وتشكيلات المجتمع المدني. وتم إلغاء دستور عام 2014، وهو الإنجاز الرئيسي لفترة ما بعد الثورة، واستبدله بنظام يمنح الرئيس سلطة شبه مطلقة.

ولعل أحد أبرز البراهين على طموح قيس سعيد هو رغبته الواضحة في الترشح لولاية رئاسية ثانية وربما ثالثة، على الرغم من أن قوانين تونس تقتصر فترة الرئاسة على ولايتين. ويشير خطابه بشكل متزايد إلى ازدرائه لقيود الحكم الديمقراطي، حيث يعتقد أنه الزعيم الوحيد القادر على قيادة تونس خلال أزماتها الراهنة .

×
أخبار
«واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط