كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

من الحرب إلى السلام: أي شرق أوسط سيولد من تحت الأنقاض؟

من الحرب إلى السلام:  أي شرق أوسط سيولد من تحت الأنقاض؟

تاريخ النشر: 2026-06-18 | 20:06

د. عبد الرحيم جاموس
د. عبد الرحيم جاموس

ليست كل الحروب سواء، فبعضها ينتهي بتغيير حكومات أو تعديل حدود، بينما تنتهي حروب أخرى بإعادة تشكيل أقاليم كاملة وافتتاح مراحل تاريخية جديدة. ومن هذا النوع تبدو الحرب التي اندلعت في السابع من أكتوبر 2023، وتمددت من غزة إلى لبنان والبحر الأحمر، ووصلت تداعياتها إلى إيران والخليج العربي، لتتحول من مواجهة عسكرية محدودة إلى صراع مفتوح على مستقبل الشرق الأوسط كله.

فالحرب الجارية لم تعد حرباً على غزة وحدها، ولا مواجهة بين إسرائيل وحماس فحسب، بل أصبحت اختباراً لمجمل التوازنات التي حكمت المنطقة منذ نهاية الحرب الباردة. ولذلك فإن السؤال لم يعد: من سيربح الحرب؟ بل: أي سلام سينتج عنها؟ وأي شرق أوسط سيتشكل بعدها؟

لقد أثبتت الحرب سقوط جملة من المسلمات التي سادت خلال العقود الماضية. فسقط الاعتقاد بأن القضية الفلسطينية يمكن تجاوزها أو تهميشها، وسقط الاعتقاد بأن التفوق العسكري وحده قادر على صناعة الأمن والاستقرار، كما سقطت أوهام القدرة على فرض حلول نهائية بالقوة المجردة.

وفي المقابل، عادت القضية الفلسطينية إلى قلب المشهد الإقليمي والدولي، وعادت معها الأسئلة المؤجلة حول العدالة والاحتلال والحقوق الوطنية ومستقبل المنطقة بأسرها.

وعند النظر إلى مآلات الحرب يمكن الحديث عن ثلاثة احتمالات رئيسية.

الاحتمال الأول، أن يفرض ميزان القوة العسكرية ترتيبات سياسية وأمنية جديدة تمنح إسرائيل قدراً من التفوق والطمأنينة الاستراتيجية، دون معالجة جوهر القضية الفلسطينية. وفي هذه الحالة قد تتوقف الحرب، لكن الصراع سيبقى قائماً بأشكال أخرى، وسيكون السلام أقرب إلى هدنة طويلة منه إلى تسوية تاريخية مستقرة.

أما الاحتمال الثاني، فيتمثل في التوصل إلى تسوية إقليمية واسعة تشمل ترتيبات أمنية جديدة، وإعادة إعمار غزة، وإصلاح النظام السياسي الفلسطيني، وإطلاق مسار سياسي جدي نحو حل القضية الفلسطينية. وهذا الاحتمال وحده يملك فرصة إنتاج استقرار طويل الأمد، لأنه يعالج الأسباب لا النتائج فقط.

في حين يقوم الاحتمال الثالث على وقف العمليات العسكرية مع بقاء جذور الصراع دون حل، بما يعني الانتقال من الحرب المفتوحة إلى حالة اللاسلم واللاحرب، وهي الصيغة التي عرفتها المنطقة مراراً خلال العقود الماضية، وكانت سبباً في تجدد الانفجارات الدورية.

غير أن الحرب، أياً تكن نهايتها، أطلقت بالفعل عملية إعادة تشكيل للشرق الأوسط.

فالنظام الإقليمي الذي تشكل بعد اتفاقيات السلام العربية الإسرائيلية التقليدية لم يعد قائماً بالصورة ذاتها، كما أن النظام الدولي ذاته يشهد تحولات عميقة مع صعود قوى دولية وإقليمية جديدة، وتزايد أهمية الاقتصاد والطاقة والممرات التجارية والتكنولوجيا في رسم النفوذ وتحديد موازين القوة.

وفي قلب هذه التحولات تقف إسرائيل أمام مفارقة تاريخية لافتة. فقد تمتلك القدرة على تحقيق إنجازات عسكرية مهمة، لكنها تجد نفسها في الوقت ذاته أمام أزمة استراتيجية وأخلاقية وسياسية عميقة. فالأمن الذي شكل جوهر المشروع الصهيوني تعرض لهزة غير مسبوقة، والصورة الدولية لإسرائيل تعرضت لتحديات كبيرة، فيما أثبتت التجربة مرة أخرى أن القوة العسكرية وحدها لا تستطيع إنهاء الصراع مع الشعب الفلسطيني.

أما فلسطين، فقد دفعت أثماناً بشرية ومادية باهظة، لكنها عادت لتثبت أنها ليست قضية يمكن تجاوزها أو الالتفاف عليها. غير أن هذا الحضور المتجدد للقضية الفلسطينية يفرض في المقابل أسئلة فلسطينية داخلية لا تقل أهمية عن أسئلة الحرب نفسها، تتعلق بالوحدة الوطنية، وتجديد المؤسسات، وإعادة بناء المشروع الوطني على أسس الشراكة والتمثيل الحقيقي لجميع مكونات الشعب الفلسطيني في الوطن والشتات.

وهنا تكمن إحدى أهم مفارقات الحرب: فبينما أعادت فلسطين إلى واجهة العالم، فإنها أعادت أيضاً طرح السؤال الفلسطيني الداخلي حول القدرة على تحويل التضحيات الكبرى إلى إنجازات سياسية ووطنية مستدامة.

إن السلام الذي قد يخرج من رحم هذه الحرب لن يُقاس بعدد الاتفاقيات أو مذكرات التفاهم التي قد تُوقّع، بل بقدرته على معالجة جذور الصراع. فالسلام الذي يقوم على اختلال العدالة يبقى هشاً، والتسويات التي تتجاهل الحقوق الوطنية للشعوب قد تؤجل الصراع لكنها لا تنهيه.

ومن هنا فإن القضية الفلسطينية ستبقى المعيار الحقيقي لأي نظام إقليمي جديد وأي مشروع سلام مقبل. فإما أن تكون مدخلاً إلى تسوية تاريخية أكثر عدلاً واستقراراً، وإما أن تبقى جرحاً مفتوحاً يعيد إنتاج الأزمات والحروب جيلاً بعد جيل.

لقد بدأت هذه الحرب كمعركة على غزة، لكنها تحولت إلى معركة على مستقبل الشرق الأوسط كله. أما نتيجتها النهائية فلن تتحدد فقط في ميادين القتال، بل في طبيعة السلام الذي سيعقبها، وفي قدرة شعوب المنطقة ودولها على الانتقال من منطق إدارة الصراع إلى منطق معالجة أسبابه.

فالحروب تنتهي عادة بتوقيع اتفاق أو تفاهم، أما السلام الحقيقي فلا يولد إلا عندما يلتقي الأمن بالعدالة، وتلتقي القوة بالشرعية، وتلتقي المصالح بحقوق الشعوب. وعند تلك النقطة فقط يمكن الحديث عن شرق أوسط جديد، لا يقوم على توازن الخوف، بل على توازن الحقوق والمصالح والاستقرار.

×
أخبار
مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط