كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

من الشراكة إلى العقاب لماذا لماذا سحب دونالد ترامب قواته من ألمانيا ؟

من الشراكة إلى العقاب لماذا لماذا سحب دونالد ترامب قواته من ألمانيا ؟

تاريخ النشر: 2026-05-07 | 11:45

في لحظة تتكثف فيها التوترات داخل حلف شمال الأطلسي وتتعاظم الشكوك حول مستقبل الشراكة عبر الأطلسي لا يبدو قرار دونالد ترامب سحب قواته من ألمانيا مجرد إجراء عسكري عابر بل خطوة محمّلة برسائل ضغط تعيد تشكيل الناتو وتطرح التساؤلات حول الدور والالتزام في معادلة الأمن الأوروبي في الحاضر والمستقبل

 

واقعيا لم يكن قرار ترامب سحب آلاف الجنود الأمريكيين من ألمانيا خطوة عسكرية تقنية صرفة بقدر ما كان تحولا سياسيا ذا دلالات استراتيجية عميقة تعكس طبيعة المرحلة التي تمر بها العلاقات عبر الأطلسي في لحظة دولية مضطربة تتقاطع فيها الحرب على إيران مع استمرار المواجهة المفتوحة مع روسيا حيث يعود الوجود العسكري الأمريكي في أوروبا إلى واجهة الجدل ليس بوصفه مجرد انتشار قوات عادي بل باعتباره تعبيرا كامنا عن توازنات القوة داخل حلف شمال الأطلسي وعن طبيعة الالتزامات المتبادلة بين ضفتي الأطلسي

 

القرار الانفعالي جاء في سياق توتر شبه يومي متصاعد بين واشنطن وبرلين بلغ ذروته مع تبادل التصريحات الحادة بين ترامب والمستشار الألماني فريدريش ميرتس على خلفية الحرب ضد إيران والذي لم يبقي في حدود الخطاب السياسي بل سرعان ما تُرجم إلى خطوة عملية تمثلت في اسراع ترامب بتقليص الوجود العسكري الأمريكي في أكبر قاعدة ارتكاز له داخل أوروبا ما يعكس بوضوح أن السياسة الدفاعية الأمريكية لم تعد منفصلة عن الحسابات السياسية المتقلبة والمصالح الشخصية بل أصبحت أداة ضغط مباشرة لإعادة صياغة سلوك الحلفاء ابتدءا من المانيا

 

الوجود العسكري الأمريكي في ألمانيا لم يكن يوما تفصيلا عابرا بل شكل منذ نهاية الحرب العالمية الثانية ركيزة أساسية في بنية الأمن الأوروبي حيث تحولت القواعد الأمريكية إلى مراكز قيادة لوجستية وعسكرية تدير عمليات تمتد من شرق أوروبا إلى الشرق الأوسط وأفريقيا ومع وجود ما يقارب أربعين ألف جندي في الأراضي الألمانية كانت برلين تمثل القلب النابض للانتشار العسكري الأمريكي في القارة ما يجعل أي تقليص في هذا الوجود في هذا التوقيت محملا برسائل تتجاوز الأرقام إلى إعادة تعريف الدور الأمريكي نفسه

 

رغم أن القرار يستهدف سحب نحو خمسة آلاف جندي فقط فإن رمزيته تفوق حجمه الفعلي حيث يأتي في لحظة حاسمة تعيد فيها أوروبا النظر في عقيدتها الدفاعية بعد سنوات طويلة من الاعتماد شبه الكامل على المظلة الأمريكية ومع تصاعد التهديد الروسي منذ ضم القرم ثم الحرب في أوكرانيا بدأت القارة العجوز تدريجيا بالتحول من نموذج للسلام الاقتصادي إلى مشروع قوة عسكرية صاعدة مدعومة بزيادات غير مسبوقة في الإنفاق الدفاعي وتوسيع نطاق التعاون العسكري داخل الاتحاد دول الأوروبي

 

بالقراءة التفصيلية للحدث يمكن فهم خطوة ترامب بوصفها محاولة لتسريع ما تطالب به واشنطن منذ سنوات وهو نقل عبء الدفاع إلى الأوروبيين انفسهم سيما وان الإدارة الأمريكية لا زالت تنظر إلى الحلفاء باعتبارهم مقصرين في تحمل مسؤولياتهم سواء في تمويل الناتو أو في الانخراط في العمليات العسكرية المشتركة وهو ما ظهر بوضوح في انتقادات ترامب المتكررة لأوروبا بسبب موقفها الرافض للحرب على إيران من حيث المبدأ وبالتالي فإن الانسحاب الجزئي يبدو أقرب إلى أداة لإجبار الأوروبيين على رفع مساهماتهم العسكرية والمالية وليس انسحابا استراتيجيا كاملا كما يبدو للبعض

 

الحقيقة ان مثل هذه المقاربة لا تخلو من مخاطر إذ يرى منتقدون داخل الولايات المتحدة أن تقليص القوات في هذا التوقيت الحرج شقد  يمنح خصوم واشنطن وعلى رأسهم روسيا فرصة لتعزيز نفوذهم في القارة الأوروبية فالقواعد الأمريكية في ألمانيا لا تؤدي دورا دفاعيا فحسب بل تمثل منصة انطلاق للعمليات العسكرية الأمريكية عالميا بما في ذلك إدارة الطائرات المسيرة وتأمين خطوط الإمداد والقيادة والسيطرة وهو ما يعني أن أي إضعاف لهذا الوجود قد ينعكس على القدرة الأمريكية على الاستجابة السريعة للأزمات

 

على الجانب الاخر تحاول ألمانيا التقليل من أهمية القرار والتأكيد على استمرارية الشراكة الاستراتيجية إلا أن الواقع يشير إلى أن برلين باتت أمام اختبار حقيقي يتعلق بمدى قدرتها على ملء الفراغ المحتمل خاصة وان الدعوات إلى تعزيز القدرات الدفاعية الأوروبية لم تعد مجرد خطاب سياسي بل تحولت إلى ضرورة استراتيجية في ظل الشكوك المتزايدة حول موثوقية الالتزام الأمريكي طويل الأمد وهو ما يدفع دولا أوروبية عدة إلى تسريع برامج التسلح المتعددة المصادر وإعادة هيكلة جيوشها استعدادا لمرحلة قد تكون فيها أقل اعتمادا على واشنطن بعد انهيار جدار الثقة بينهما

 

بالتحليل السياسي الشامل لا يمكن فصل القرار العسكري عن أبعاده الاقتصادية حيث تزامن مع تهديدات أمريكية بفرض رسوم جمركية على الصناعات الأوروبية وفي مقدمتها قطاع السيارات الألماني ما يكشف عن ترابط واضح بين أدوات الضغط العسكري والاقتصادي في السياسة الأمريكية الجديدة تحولت فيها القوة الصلبة إلى وسيلة تفاوضية لفرض شروط في ملفات تتجاوز الدفاع والأمن إلى التجارة والاقتصاد

 

بعد هذا القرار ستجد ألمانيا نفسها مضطرة لتسريع خطوات كانت قد بدأتها فعلا في السنوات الأخيرة وفي مقدمتها رفع الإنفاق الدفاعي وتطوير قدرات الجيش الألماني وتعزيز جاهزيته العملياتية بما يقلل من الاعتماد على المظلة الأمريكية كما ستتجه برلين إلى تعميق التعاون العسكري مع شركائها الأوروبيين داخل حلف شمال الأطلسي وخارجه في محاولة لبناء توازن ردع أكثر استقلالية أما على مستوى الحلف ككل فمن المرجح أن يدفع القرار إلى زيادة الضغوط على الدول الأعضاء للالتزام برفع مساهماتها العسكرية وتوسيع التنسيق الدفاعي خاصة على الجناح الشرقي في مواجهة روسيا ورغم أن التأثير المباشر للانسحاب يبقى محدودا عسكريا فإن انعكاسه الأهم يتمثل في تعميق القلق الأوروبي من تراجع الالتزام الأمريكي وهو ما قد يعيد تشكيل أولويات الحلف ويدفعه نحو نموذج أكثر اقليمية أوروبية في إدارة الأمن الجماعي

 

خلاصة القول : لا يبدو فعليا أن انسحاب القوات الأمريكية من ألمانيا يمثل بداية نهاية الوجود الأمريكي في أوروبا بقدر ما يعكس تحولا في طبيعته من حالة انتشار كثيف إلى تموضع أكثر مرونة وكفاءة يتناسب مع طبيعة الحروب الحديثة ومع أولويات واشنطن العالمية غير أن هذا التحول سيضع حلف الناتو أمام تحد وجودي يتمثل في كيفية الحفاظ على تماسكه في ظل تباين المصالح وتراجع الثقة بين أعضائه وبينما تسعى أوروبا إلى بناء استقلالية دفاعية أكبر تبقى الحقيقة الأبرز أن العلاقة عبر الأطلسي دخلت مرحلة إعادة تعريف قد تعيد رسم ملامح النظام الأمني في القارة لعقود مقبلة

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط