مبكرا وبدلا من تيه الرسمية الفلسطينية في مسار "الثرثرات الكلامية"، عليها أن تزيل الغبار عن عقلها وتذهب لحراك عملي لمواجهة "وعد بلفور 2 " المعروف بـ "وعد ترامب".

من أوشفيتز إلى رفح: الإبادة الجماعية هي الحل

من أوشفيتز إلى رفح: الإبادة الجماعية هي الحل

تاريخ النشر: 2025-07-17 | 06:19

في مشهد غير مألوف حتى في أضيق التحالفات، التقى رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو بالرئيس الأميركي دونالد ترامب مرتين خلال خمسة أيام في البيت الأبيض. لم تكن لقاءات للاحتفاء بالحرب على إيران فقط، بل كانت مؤشرًا واضحًا على أن هناك ترتيبات كبرى تُطبخ بهدوء خلف المفاوضات العلنية حول وقف إطلاق النار في غزة، خاصة أن تصريحات ترامب تركزت على ضرورة إنهاء الحرب، وهو ما يعني الحاجة لخطة سياسية لليوم التالي، ليس لغزة وحدها بل للمنطقة كلها.
لذلك كانت الأنظار مشدودة إلى مفاوضات الدوحة، حيث بُنيت آمال على مسار تهدئة شامل يتضمن صفقة تبادل أسرى ومساراً يوقف القتال ويقود إلى إنهاء الحرب. لكن فجأة، ومن دون تفسير منطقي، تعثرت المفاوضات، وتجمد التقدم فيها بسبب التعنت الإسرائيلي بشأن الانسحاب من "محور موراج"، والإصرار على استبقاء احتلال محافظة رفح بالكامل. بهذا، كانت "إسرائيل" تعد خطة موازية، لا تتضمن تهدئة ولا انسحاباً، بل "حلًا نهائيًا" للمسألة الفلسطينية في غزة.
هذا الحل لا يشبه الحلول السياسية التقليدية، بل يستنسخ النموذج الأخطر في القرن العشرين: "الحل النهائي" النازي تجاه اليهود. فكما قررت ألمانيا النازية في بداية الأربعينات أن وجود اليهود "مشكلة لا حل لها إلا بالإزالة الكاملة"، بدأت "إسرائيل" اليوم تتعامل مع الفلسطينيين في غزة بالمنطق ذاته: شعب يجب أن يُزال من المكان، إمّا بالترحيل، أو بالإبادة، أو بالعزل الكامل.
في النموذج النازي، جرى تنفيذ الخطة عبر مراحل:
1. تصنيف اليهود إلى "جيّدين" و"غير جيّدين".
2. عزلهم في غيتوهات مغلقة.
3. نقلهم إلى معسكرات.
4. تصفيتهم في غرف الغاز والأفران.
أما في النموذج الإسرائيلي اليوم:
يجري تصنيف الفلسطينيين إلى "مقاومين" و"غير مقاومين".
يُجبر غير المقاومين، وهم نحو 600 ألف بحسب التقديرات الاسرائيلية، على البقاء في ما يُسمى "المدينة الإنسانية" جنوب رفح، ويُمنع عليهم العودة إلى ديارهم.
ثم يُدفعون تدريجيًا إلى خارج فلسطين، عبر معبر كرم أبو سالم ومطار رامون، في ترحيل جماعي يتناقض مع المادة 49 من اتفاقية جنيف الرابعة.

أما من تبقى – وهم نحو 1.4 مليون – فيُستهدفون بالقصف والتجويع والأمراض وتفكيك البنية التحتية.
ووفقًا لتحليل نُشر في معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي (INSS)، فإن الهدف هو "تقليص البيئة السكانية الحاضنة للمقاومة"، أي القضاء على الشعب كوسيلة لإنهاء القتال. أليس هذا هو التعريف الحرفي للإبادة الجماعية كما أوردته اتفاقية 1948؟
المفارقة أن هذه الخطة بدأت تُنفَّذ تحت غطاء "صفقة تهدئة" يجري بموجبها ترسيخ السيطرة الإسرائيلية على كامل محافظة رفح، وهي واحدة من خمس محافظات تشكّل قطاع غزة. فقد أعادت "إسرائيل" تموضع قواتها في محور موراج شمال مدينة رفح، الذي يفصل المدينة عن خان يونس والمنطقة التي تُسمى "الإنسانية" في المواصي، رغم أن لا هدفًا أمنيًا يبرر هذا التموضع، كما أكدت مصادر داخل الجيش الإسرائيلي نفسه.
التمسك باحتلال رفح ليست تطورًا ميدانيًا، بل هو تحول سياسي مدروس. ففي النقاشات السابقة، لم يكن هناك قناعة عسكرية إسرائيلية حقيقية بأهمية السيطرة على رفح أو على محور فيلادلفيا. بل في هدنة كانون الثاني/يناير الماضي، وافقت "إسرائيل" على الانسحاب التدريجي من المحور، وسحبت قواتها من المدينة. فما الذي تغيّر الآن؟
الجواب كما تقدمه "إسرائيل" نفسها: لا يمكن تنفيذ مشروع "المدينة الإنسانية" من دون السيطرة الكاملة على محور موراج. الهدف إذاً ليس أمنيًا، بل هندسة ديموغرافية تمنع عودة النازحين، وتدفع بهم إما إلى مخيم طويل الأمد أو إلى التهجير.
وفي تمهيد لذلك، أطلقت "إسرائيل" مشروع "مؤسسة غزة الإنسانية" GHF بدعم أميركي–إسرائيلي، بحجة إيصال المساعدات. لكن مراكز التوزيع تحولت إلى مصائد موت، استشهد فيها أكثر من 600 فلسطيني أثناء انتظار الطعام. لم تكن المساعدات هدفًا، بل وسيلة للفرز والسيطرة والقتل.
كما أنشأت "إسرائيل" مجموعات مسلحة محلية في المناطق التي تسيطر عليها، بدعم مباشر من جهاز الشاباك، سرقت المساعدات، ومنعت دخولها، ثم تحولت إلى أدوات أمنية إسرائيلية لحكم السكان. السجان لم يعد جنديًا إسرائيليًا، بل فلسطينيًا خائناً يعمل بالوكالة.
هكذا تكتمل أركان الخطة:
معسكر الاعتقال: "المدينة الإنسانية".
السجان: الميليشيات المحلية.
الغطاء الإنساني: مؤسسة GHF.
والركن الأخير قريبًا: إعلان الدول التي ستستقبل المهجرين، وبدء عملية عسكرية تستكمل إبادة من تبقى.
ورغم وضوح هذا المخطط، لا يزال المجتمع الدولي وفي مقدمته محكمة العدل الدولية، التي تتردد في تسمية الجريمة باسمها الحقيقي. فاكتفت بإجراءات رمزية في الشكوى المقدّمة من جنوب أفريقيا، من دون اتخاذ موقف قانوني حاسم، تحت ضغط القوى الكبرى، وفي مقدمتها الولايات المتحدة. فمحكمة العدل الدولية، على الرغم من خطورة الأدلة المقدمة، ما تزال تُراوغ في توصيف الإبادة وتتهرب من إعلان "إسرائيل" كمرتكبة للجريمة، ما يجعلها شريكًا بالصمت.
كما صمت العالم أمام دخان أوشفيتز، يصمت اليوم أمام ركام غزة. الفرق أن غرف الغاز استُبدلت بالتجويع، والأفران بالركام، والقطارات بممرات إنسانية تُفضي إلى النفي. الإبادة تتكرر، لكن بأدوات حديثة وخطاب مخادع، والقاتل الإسرائيلي لا يكتفي بارتكاب الجريمة، بل ما زال يرتدي قناع ضحية "أوشفيتز" .
ما يحدث في غزة ليس حربًا، بل هو مشروع إبادة جماعية محدثة. إنها نسخة القرن الحادي والعشرين من أوشفيتز، بحماية دبلوماسية وشاشات مشوشة، وشعب يُباد ويُجبر على الرحيل، بينما العالم يُشيح بوجهه مرة أخرى.
 

×
أخبار
أوباما: حكومة نتنياهو فقدت المبادئ الأخلاقية بتجاهلها حقوق الشعب الفلسطيني مصر تذكر ترامب بالتزامات خطة غزة بعد مرور عام على توقيع شرم الشيخ «أفريقيا كجبهة جديدة لحروب الشرق الأوسط»: ممر البحر الأحمر وأنماط الفوضى الجيوسياسية العالمية تقرير: كيف أعادت سلسلة الحسابات الخاطئة إشعال حرب السعودية في اليمن؟ الصراعات الإقليمية وتعطل الممرات البحرية يجبران الاقتصاد العالمي على الاعتراف بـ «سطوة الجغرافيا» زامير يصادق على خطط عسكرية في الضفة: "جاهزون لعمليات هجومية واسعة" كاتس يهدد باحتلال مناطق لبنانية إضافية إذا انضم حزب الله إلى إيران في مهاجمة إسرائيل "تدمير للمرساة الاستراتيجية".. رئيس البنك الدولي الأسبق يهاجم ضغوط ترامب على جيران أمريكا بعد عام على إعلان "مجلس السلام".. غزة غارقة في بؤس متفاقم وتفكك اجتماعي حاد رئيس «الشاباك» السابق يرفع دعوى تشهير ضد نتنياهو ويطالبه بتعويض 3 ملايين شيكل الشيخ يدين افتتاح سفارة كولومبيا في القدس ويحذر من خرق القانون الدولي رسالة روسية للحوثيين: اوقفوا المس بالبنية التحتية المدنية إصابات خطيرة جراء انفجار وحريق في مصنع "إنتل" في كريات غات - فيديو الأحمد يبحث مع الاتحاد الدولي للنقابات أوضاع العمال الفلسطينيين وكالة الطاقة الدولية: نقص الديزل ربما يستمر حتى عام 2027 رغم "اتفاق روسيا" الخارجية الفلسطينية تدين افتتاح كولومبيا سفارة لدى الاحتلال في القدس المحتلة الحرس الثوري: غرق سفينة حاويات جنوب مضيق هرمز بعد اصطدامها بلغم بحري إدانة عربية وإسلامية لافتتاح كولومبيا سفارةً في القدس وتحذير من مخالفتها للقانون الدولي دبلن: فندق يُلغي حجز 70 غرفة لمشاركين في مؤتمر لمكافحة "معاداة السامية" ترامب يطالب باستبعاد مدعية نيويورك من تحقيق بشأن واقعة جامعة كورنيل الصحة: ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,392 شهيدا وعد ترامب..بلفور 2: لا دولة..لا كيان فلسطيني موحد! نتنياهو بحث مع ترامب مهاجمة إيران قبيل الانتخابات الإسرائيلية أمريكا: القبض على مهندس "يحمل الجنسية السعودية" في "أوبن أل" جيش الاحتلال يغتال مواطنة فلسطينية ويصيب أخرين في قصف على قطاع غزة مسؤولان: إيران تغير أساليبها في استهداف السفن عبر المضيق قبل الانتخابات الأمريكية الخارجية الأميركية تنتقد ملاحقة سفيرة لبنان في واشنطن بعد لقاء إسرائيلي نتنياهو يقرّ بزيارة رئيس المخابرات المصرية قبل 7 أكتوبر وينفي لقاءه تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط