كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

من باكو إلى بربرة ... كيف بنت إسرائيل شبكة قواعد عسكرية سرية حول إيران ؟

من باكو إلى بربرة ... كيف بنت إسرائيل شبكة قواعد عسكرية سرية حول إيران ؟

تاريخ النشر: 2026-06-07 | 08:34

ما بين باكو عاصمة أذربيجان الواقعة في منطقة القوقاز على الضفة الغربية لبحر قزوين وبربرة المدينة الساحلية الاستراتيجية في إقليم صوماليلاند على خليج عدن في القرن الإفريقي وعبر هاتين النقطتين الجغرافيتين البعيدتين يمتد عنوان المقال لعرض وتحليل واقع التحركات الاسرائيلية وحجم التموضعات العسكرية والأمنية السرية التي كشفت مؤخرا

المعطيات المتزايدة حول الانتشار الإسرائيلي في عدد من الدول المحيطة بإيران بدأت تكشف عن تحول استراتيجي عميق يتجاوز فكرة التحالفات التقليدية أو التعاون الأمني المؤقت خاصة وان إسرائيل تعمل بصورة متسارعة على بناء شبكة متقدمة من المواقع والقواعد ونقاط الارتكاز التي تمنحها قدرة أكبر على المراقبة والتأثير والتدخل في واحدة من أكثر مناطق العالم حساسية واضطراباً في محاولة لإعادة رسم خرائط القوة والأمن في المنطقة

من يتابع خريطة الحضور الإسرائيلي المتنامي في القوقاز والخليج والقرن الإفريقي يدرك أن الأمر لا يتعلق بإجراءات أمنية متفرقة أو ترتيبات ظرفية فرضتها المواجهة مع إيران بل بمشروع استراتيجي متكامل يهدف إلى توسيع مجال الحركة الإسرائيلي خارج الحدود التقليدية وبناء منظومة نفوذ قادرة على التأثير في موازين القوى الإقليمية لسنوات طويلة قادمة

خلف الأخبار المتلاحقة نجد ان إسرائيل لم تعد تنظر إلى أمنها القومي من زاوية حدودها الجغرافية المباشرة كما كان الحال في العقود السابقة بل باتت تتعامل مع المنطقة بأكملها باعتبارها ساحة عمليات مفتوحة يجب أن تمتلك فيها القدرة على المراقبة والتأثير والتدخل عند الحاجة ومن هنا يمكن فهم الاهتمام الإسرائيلي المتزايد بإقامة شبكات أمنية وعسكرية واستخباراتية بعيدة عن أراضيها تمتد من القوقاز إلى الخليج العربي والعراق وصولاً إلى القرن الإفريقي

عمليا هذا التحول لا يرتبط فقط بالمواجهة مع إيران وإنما يعكس عقيدة استراتيجية أعمق تقوم على نقل خطوط الاشتباك إلى خارج المجال الإسرائيلي وجعل أي مواجهة مستقبلية تدور بعيداً عن الداخل الإسرائيلي قدر الإمكان وبدلاً من انتظار التهديدات على حدودها تسعى تل أبيب إلى الاقتراب من مصادر هذه التهديدات ومراقبتها والتأثير عليها قبل أن تتحول إلى خطر مباشر

من منظور المؤسسة الأمنية الإسرائيلية يبدو ان الموقع الجغرافي للدولة العبرية يفرض عليها تحديات كبيرة بسبب ضيق المساحة وقلة العمق الاستراتيجي لذلك لطالما سعت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة إلى تعويض هذا النقص عبر بناء شبكات تحالفات وقواعد نفوذ خارجية توفر لها ما يشبه العمق الأمني البديل ولهذا السبب لم يعد النشاط الإسرائيلي يقتصر على الأراضي الفلسطينية المحتلة أو الدول المجاورة بل تمدد إلى مناطق تبعد آلاف الكيلومترات عن تل أبيب

إسرائيل تدرك جيدا أن أي صراع كبير مع إيران لا يمكن حسمه اعتماداً على القدرات العسكرية التقليدية وحدها وهي تحتاج إلى مصادر معلومات قريبة ومستمرة وإلى نقاط انطلاق لعملياتها الاستخباراتية والعسكرية ومن هنا تبرز أهمية مناطق مثل أذربيجان التي تمنحها فرصة الاقتراب من الحدود الإيرانية الشمالية ومراقبة التحركات العسكرية والمنشآت الحساسة بصورة أكثر فعالية مما يمكن تحقيقه من مسافات بعيدة

ربما لا يقتصر الأمر على جمع المعلومات فحسب بل يتصل أيضاً بإدارة الحروب الحديثة التي تعتمد على الطائرات المسيرة والعمليات الخاصة والحرب الإلكترونية والاختراقات الأمنية المعقدة وكلما اقتربت مراكز الرصد والاتصال من أهدافها ازدادت فعاليتها وانخفضت الكلفة التشغيلية والمخاطر العسكرية المصاحبة لها

العراق يمثل بالنسبة لإسرائيل أهمية مختلفة تتعلق بموقعه الجغرافي الواقع بين إيران وسوريا والخليج ومن يملك القدرة على الحركة داخل هذه المساحة الجغرافية الواسعة يستطيع مراقبة خطوط الإمداد ومسارات النقل والتحركات العسكرية التي تربط أطراف ما يسمى بمحور المقاومة ولهذا فإن أي حضور أمني أو استخباراتي داخل العراق يمنح إسرائيل ميزة استراتيجية تتجاوز حدود الساحة العراقية نفسها

بالنظر الى منطقة الخليج العربي نلاحظ ان الحسابات أكثر تعقيداً وإسرائيل لا تنظر إلى دول الخليج بوصفها مجرد شركاء سياسيين أو اقتصاديين بل باعتبارها جزءاً من منظومة أمنية إقليمية جديدة تسعى إلى تشكيلها في مواجهة التحديات المشتركة ومن هذا المنطلق يصبح التعاون الأمني والعسكري أمراً طبيعياً في نظر صناع القرار الإسرائيليين حتى وإن بقي جزء منه بعيداً عن الأضواء أو خاضعاً لحسابات سياسية وإعلامية دقيقة

أما في القرن الإفريقي فقد تحول خلال السنوات الأخيرة إلى ساحة تنافس دولي محتدم بسبب موقعه المشرف على أحد أهم الممرات البحرية في العالم ومن يراقب التطورات الجارية هناك يدرك أن الصراع لم يعد مقتصراً على النفوذ الاقتصادي أو السياسي بل أصبح مرتبطاً بشكل مباشر بأمن الملاحة الدولية وحركة التجارة والطاقة ولهذا تنظر إسرائيل إلى أي موطئ قدم في تلك المنطقة باعتباره استثماراً استراتيجياً طويل الأمد يمنحها قدرة أكبر على حماية مصالحها ومراقبة التحولات الإقليمية

اضافة الى جميع ذلك نجد أن اختيار مواقع الانتشار الإسرائيلي لم يكن عشوائياً بل استندت إلى حسابات جيوسياسية دقيقة سيما وان القواعد أو نقاط الارتكاز المنتشرة بالقرب من الممرات البحرية الدولية أو الحدود الإيرانية أو خطوط الطاقة والتجارة تمنح إسرائيل قدرة استثنائية على مراقبة التحولات الإقليمية والتأثير فيها وهو ما يعني أن الهدف في الاساس لا يقتصر على العمل العسكري المباشر بل يشمل ايضا امتلاك أوراق ضغط سياسية واقتصادية وأمنية يمكن استخدامها عند الحاج.

 

التحركات الاسرائيلية المتواصلة تكشف عن تحول مهم في طبيعة الدور داخل المنطقة وإسرائيل لم تعد تكتفي بالدفاع عن حدودها أو الرد على التهديدات الآنية بل باتت تسعى إلى إعادة تشكيل البيئة الأمنية المحيطة بها بما يضمن استمرار تفوقها العسكري والاستخباراتي لعقود مقبلة وهذا ما يفسر الاهتمام المتزايد بإقامة شبكات نفوذ تمتد عبر دول ومناطق متباعدة جغرافياً لكنها مترابطة استراتيجياً

كما تكشف هذه الشبكة عن تحول مهم في مفهوم الحرب لدى إسرائيل نفسها فبعد عقود كانت تعتمد فيها بصورة رئيسية على سلاح الجو والتفوق التكنولوجي داخل نطاق جغرافي محدود أصبحت اليوم تتجه نحو انشاء بنية تحتية أمنية وعسكرية خارجية تتيح لها خوض ما يشبه حرب المسافات البعيدة وهذا التحول لا يرتبط فقط بإيران بل يعكس استعداداً إسرائيلياً لمواجهة بيئة إقليمية أكثر تعقيداً تتعدد فيها ساحات الصراع والتهديدات المحتملة

غير أن هذا التوسع لا يخلو من مخاطر كبيرة لان إقامة قواعد أو منشآت أو شبكات عمل سرية داخل دول أخرى يمثل انتهاكاً واضحاً لمبدأ السيادة الوطنية ويخلق توترات سياسية وأمنية قد تنفجر في أي لحظة كما أن الدول التي تسمح بهذا النوع من النشاط قد تجد نفسها جزءاً من صراعات إقليمية لا ترغب أصلاً في الانخراط فيها

من جهة أخرى إن توسع النفوذ الإسرائيلي خارج حدوده قد يدفع القوى الإقليمية المنافسة إلى اعتماد السياسات ذاتها الأمر الذي يفتح الباب أمام سباق نفوذ واستخبارات وقواعد عسكرية يهدد بمزيد من عدم الاستقرار في منطقة تعاني أصلاً من أزمات مزمنة وحروب ممتدة 

الأخطر من ذلك أن انتشار القواعد والشبكات الأمنية السرية قد يحول العديد من الدول إلى ساحات مواجهة غير معلنة بين القوى المتنافسة وبدلاً من أن تبقى الحروب محصورة بين أطرافها المباشرين تصبح أراضي دول أخرى جزءاً من المعركة دون أن تكون طرفاً أساسياً فيها وهو ما يزيد احتمالات التصعيد ويضاعف حجم المخاطر على الأمن الإقليمي

لا يمكن في هذا الشأن ايضا اغفال النتائج المحتملة لهذا التوسع وان المنطقة قد تشهد خلال السنوات المقبلة سباقاً متزايداً لإنشاء قواعد ونقاط نفوذ مضادة وكلما اتسعت رقعة الحضور الإسرائيلي خارج حدوده ستسعى القوى الإقليمية الأخرى إلى تطوير شبكاتها الخاصة من التحالفات والتموضع العسكري وهو مسار قد يقود إلى إعادة رسم الخريطة الأمنية للشرق الأوسط والقرن الإفريقي بصورة غير مسبوقة منذ نهاية الحرب الباردة  

الخلاصة : التحركات الإسرائيلية الأخيرة لا تبدو مجرد ترتيبات أمنية مؤقتة فرضتها ظروف المواجهة مع إيران بل تعكس توجهاً استراتيجياً طويل المدى يقوم على بناء طوق نفوذ واسع يحيط بمراكز القوة في المنطقة ويمنح إسرائيل القدرة على التدخل والمراقبة والتأثير من مسافات بعيدة وبينما ترى تل أبيب في هذا النهج ضمانة لتفوقها وأمنها القومي فإن كثيرين في المنطقة ينظرون إليه باعتباره مشروعاً توسعياً جديداً يتجاوز حدود الدفاع المشروع إلى محاولة فرض واقع جيوسياسي جديد تكون فيه إسرائيل اللاعب الأكثر حضوراً وتأثيراً في خرائط الشرق الأوسط والقرن الإفريقي وما حولهما   

×
أخبار
جيش الاحتلال يغتال مواطنة فلسطينية ويصيب أخرين في قصف على قطاع غزة مسؤولان: إيران تغير أساليبها في استهداف السفن عبر المضيق قبل الانتخابات الأمريكية الخارجية الأميركية تنتقد ملاحقة سفيرة لبنان في واشنطن بعد لقاء إسرائيلي نتنياهو يقرّ بزيارة رئيس المخابرات المصرية قبل 7 أكتوبر وينفي لقاءه تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط