كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

من بين الركام

قرأتُ في الثمانينيات كتاباً عن مجازر تل الزعتر وصبرا وشاتيلا، وهالتني قصصه وحفظت أسماء أشخاصه. ولم أفطن حينها أنّ هؤلاء رووا فصولاً عاشوها، وأصبح الكتاب بمرور الأعوام تنقصه فصول جديدة. فكأنما الفلسطيني أحياناً قصةٌ لا تجد غلاف نهاية؛ فقد صدف وعرفت فصولاً جديدة لاحقة عن بعضهم.
2004 (حادثة رويتها سابقا): أخبرني صديقي الاسكتلندي عن عشاء تقيمه متطوعة معهم في محل بيع المطرزات الفلسطينية الخيري، بمناسبة انتقالها من إدنبرة إلى لندن. خجلتُ من الذهاب من دون دعوتها، ولكنه أكّد أنها تعلم بزيارتي وتتوقع قدومي. مر بي وزوجته، مساءً، وقالا نذهب للسكن الداخلي لجامعة إدنبرة لاصطحاب دلال؛ وأخبروني أنّها فتاة من غزة تحضّر للماجستير. عندما أتت أخبرتني كيف يساعدها صديقي الاسكتلندي وعائلته في كل تنقّل؛ فهي تعاني إعاقة بصرية تامّة، وتحضّر ماجستير أنثروبولوجيا عن التبني في الإسلام. عندما فُتح باب البيت، أطلت شابة في عشرينياتها حافية القدمين، ظننتها ابنة مضيفتنا، فأصدقائي في متجر المطرزات أصغرهم في خمسينياته. واتّضح أنها هي مضيفتنا، وكانت تدرس في الجامعة وتعمل يومين في مطعم لتنفق على نفسها، وتتطوع يومين مع أصدقاء فلسطين. وكان العشاء إنسانيا بامتياز، أربعة أجيال بين العشرين والثمانين، وفلسطين تظلل المكان.
2014: أتصلُ بأهل غزة، ولا أعرف هل هو خجلي من سخافة السؤال عن أحوالهم في ظل القصف، أم عدم رغبتهم في الحديث، هو ما أدى إلى فشل نسبي في التواصل. اتصلت بها هاتفيا. هي أول مرة أتصل بها.. عرفت صوتي مباشرة، ذُهِلت؛ كيف ولم نلتق سوى ساعات قبل عشر سنوات؟ قالت أتذكر، وسمعتك مرة على التلفزيون. وأسألها إن كنت أُثقل عليها، فتلتقط سريعاً ما أريد قوله، وتقول: لم أتمكن من الرد عليك كتابةً؛ كُنت مصدومة، الناس في صدمة.
نهاية السبعينيات: جرى استخراجي من وسط دمار بيت. الشيء المؤكَد أنّهم عرفوا أني فلسطينية. فقدتُ أسرتي مبكراً قبل معرفة أحدٍ منها. لا أعرف حتى إذا كان هذا اسمي الحقيقي، ولا أعرف من أي منطقة أنا. حاولت أن أعرف، ونشرت إعلانات وطلبت المساعدة ولم أعرف. تبنتني (وما تزال) طبيبة أسترالية تدعى جين، مع طفلين آخرين، تعيش وتعمل مع الفلسطينيين ومخيماتهم منذ العام 1981. عشنا في لبنان، ثم انتقلت لمصر للدراسة. وعندما جاءت \"أوسلو\" بدت الفرصة لنعود للوطن.
2014: عباراتها مؤلمة: \"دون بصر كل شيء يتغير\"، و\"عشت القصف في لبنان وغزة أربع مرات\". وتخبرني عن حال الناس بعد الهدنة (حادثتها قبل تجدد المواجهة): النّاس في الشارع تتفقد بعضها، فرحون أنّهم على قيد الحياة، وكلما رأوا شخصا هنّأوه، كأنهم يقولون \"ممتاز، شخص آخر نعرفه على قيد الحياة\". وفي الوقت ذاته خائفون مما سيأتي. أُخبرها عن غزّي يستيقظ فيبدأ بتفقد أعضاء جسمه، وأنّه على قيد الحياة، ثم يبدأ النظر ليتأكد من وجود الآخرين. ضَحِكَت وقالت: قد يحدث هذا إذا كان النوم ممكناً، غالبا بعد دقائق تُوقظك قذيفة ولا تعود للنوم.
أميّز بين أصوات قذائف، ما يأتي من البحر وما يأتي من الجو، وأعرف ماذا يعقُب سماع الطائرة \"الزنّانة\"، والمرعب أكثر؛ أحياناً يُهدم البيت قبل أن تسمع الصوت.
تقول: \"أشعر التاريخ يعيد نفسه\"، كأني أخرج من الرّكام مجددا. تحدّثك عن التأرجح بين الهدنة والقصف، وارتفاع الأمل وانخفاضه. تُوافِق أنّ \"شر البلية ما يضحك\"؛ تُحدّثك عمّن داهمتهم القذائف أثناء الاستحمام، وكيف يُسرع الناس في استحمامهم خوفاً من لحظة القصف. وتتذكر الافتقار للمياه، وأنّ هذا أصعب ما واجهته. كانت تبحث عبر الهاتف عمّن يأتي لها بالماء، وتفاقَم الأمرعندما لجأ لبيتها أصدقاء نزحوا من مناطق أكثر اشتعالا. وتأسف للطعام الذي ألقي بالقمامة بعد انقطاع الكهرباء عن الثلاجات.
يعتري صوتها بعض ارتياح وهي تحدثك عن بدء إصلاح خطوط الكهرباء، وبعض رضا عن تقنيات هاتف وكمبيوتر تساعد في تخطي الإعاقة البصرية، وعن استمرار عملها عبر الكمبيوتر رغم بعدها عن المكاتب وأماكن التدريس التي تعمل فيها.
بعد سنوات: هل ستكون حرب أخرى؟ أم فصل نجاحات من قد تصبح الدكتورة دلال؟!
عن الغد الاردنية

×
أخبار
مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو تقرير: عقيدة ما بعد 7 أكتوبر تُعلي الهوية اليهودية وتضع إسرائيل في حالة مواجهة عسكرية دائمة تباين حاد بين استطلاعات الرأي الإسرائيلية حول موازين القوى قبل أسبوعين من انتخابات الكنيست الدفاع المدني السعودي: إطلاق الإنذار المبكر في مدينة الرياض بسبب تهديد جوي أردوغان يدين هجوم مطار الملك خالد ويتوعد الحوثيين: "سيتم تفعيل بند الدفاع المشترك في اتفاق مكة "

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط