كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

من جابوتنسكي إلى نتنياهو: الحرب بوصفها أداة لصناعة التسوية .. !

من جابوتنسكي إلى نتنياهو: الحرب بوصفها أداة لصناعة التسوية .. !

تاريخ النشر: 2026-06-17 | 12:04

لا يبدو أن ما يجري في غزة اليوم مجرد نقاش حول ترتيبات "اليوم التالي"، بقدر ما هو صراع على تعريف المستقبل السياسي للقضية الفلسطينية نفسها، فمع تعثر الجهود الأمريكية في تحويل رؤيتها إلى وقائع ميدانية، وفشل الآليات التي طُرحت لضمان الانتقال نحو مرحلة جديدة في القطاع، يبرز سؤال أكثر جوهرية: هل نشهد انتقالاً من الخطة الأمريكية إلى الخطة الإسرائيلية، أم أن الأخيرة كانت منذ البداية هي الغاية النهائية التي يجري التمهيد لها تحت عناوين مختلفة؟
من منظور الواقعية السياسية، لا تتحرك الدول وفق الاعتبارات الأخلاقية أو القانونية بقدر ما تتحرك وفق ميزان القوة ومقتضيات الأمن والمصلحة، وفي هذا السياق، تبدو إسرائيل وكأنها تستثمر نتائج الحرب ليس فقط لإعادة تشكيل البيئة الأمنية في غزة، بل لإعادة صياغة الإطار السياسي للصراع برمته، فحين تفشل الأطراف الدولية في فرض تصوراتها أو توفير الأدوات اللازمة لتنفيذها، تملأ القوة المهيمنة الفراغ وتفرض رؤيتها الخاصة باعتبارها الحقيقة الوحيدة الممكنة.
إن تعثر مجلس السلام، وفشله حتى اللحظة في استكمال المراحل التنفيذية المتعلقة بالاتفاق، وعدم قدرته على تشكيل قوة استقرار أو تأمين الدعم المالي والسياسي اللازم، لا يعكس فقط أزمة في التنفيذ، بل يكشف حدود الإرادة الدولية ذاتها. فالمبادرات الدولية التي لا تستند إلى موازين قوة حقيقية غالباً ما تتحول إلى مجرد نصوص سياسية عاجزة عن الصمود أمام الوقائع التي تفرضها القوة العسكرية على الأرض.
في هذا الفراغ تحديداً، يتحرك بنيامين نتنياهو، فالرجل الذي أمضى أكثر من ثلاثة عقود في الحياة السياسية الإسرائيلية لم يخف يوماً شكوكه العميقة تجاه مشروع الدولة الفلسطينية، ومنذ صعوده السياسي في تسعينيات القرن الماضي، ظل ينظر إلى الصراع من زاوية أمنية استراتيجية ترى أن أي كيان فلسطيني مستقل يحمل في داخله إمكانية تحول مستقبلي إلى تهديد للأمن الإسرائيلي. لذلك لم يكن هدفه التاريخي إنهاء الصراع بقدر ما كان إدارته وإعادة هندسته ضمن شروط التفوق الإسرائيلي.
هنا تتجلى بوضوح ظلال فكر زئيف جابوتنسكي، الأب الروحي للصهيونية التصحيحية، وصاحب نظرية "الجدار الحديدي"، حيث انطلق جابوتنسكي من فرضية بسيطة وحاسمة: أن الشعب الفلسطيني والعرب عموماً لن يقبلوا طواعية بالمشروع الصهيوني، وأن الطريق إلى فرض هذا المشروع يمر عبر بناء قوة ساحقة تدفع الخصم إلى الاقتناع بعدم جدوى المقاومة. عندها فقط، وليس قبل ذلك، يمكن الانتقال إلى ترتيبات سياسية يحدد المنتصر شروطها وحدودها.
ما يحدث في غزة اليوم يبدو أقرب إلى التطبيق العملي المتأخر لهذه الرؤية،  فالحرب لم تعد مجرد عملية عسكرية ضد فاعل مسلح، بل أداة لإعادة تشكيل البيئة السياسية والنفسية والجغرافية التي سيولد منها "الحل" القادم،  ليس حلاً قائماً على الحقوق أو قرارات الشرعية الدولية، بل على مفهوم الأمن الإسرائيلي باعتباره المرجعية الوحيدة المقبولة،  وفي هذا السياق، قد لا يكون الحديث عن دولة فلسطينية قد اختفى تماماً، لكنه يتحول تدريجياً من مفهوم سيادي قائم على تقرير المصير إلى كيان وظيفي محدود الصلاحيات، تُرسم حدوده واختصاصاته وفق الاحتياجات الأمنية الإسرائيلية.

إن أخطر ما في هذا المسار ليس فقط ما تفعله إسرائيل، بل البيئة الإقليمية والدولية التي تسمح بحدوثه. فالصمت الدولي، والانحياز الأمريكي المستمر، والعجز العربي عن بناء موقف موحد وفاعل، والانقسام الفلسطيني المزمن، كلها عوامل تخلق لحظة سياسية نادرة تسمح لإسرائيل بتحويل رؤيتها من مجرد مشروع أيديولوجي إلى واقع سياسي قابل للتكريس.
وفي منطق الواقعية السياسية، لا يوجد فراغ دائم، فعندما تعجز الأطراف الضعيفة عن إنتاج مشروعها الخاص، تتولى الأطراف الأقوى إنتاج المستقبل نيابة عنها، ومن هنا فإن المعركة الحقيقية لا تدور حول إدارة غزة بعد الحرب، بل حول هوية الحل السياسي الذي سيخرج من تحت أنقاضها، فإما أن تكون غزة بوابة لإحياء مشروع سياسي يستند إلى الحقوق الوطنية الفلسطينية، وإما أن تتحول إلى المختبر الذي تُدفن فيه نهائياً فكرة الدولة الفلسطينية كما عرفها العالم طوال العقود الماضية، ليحل محلها نموذج جديد لا يعبر عن تسوية للصراع، بل عن إعادة تنظيمه تحت سقف الهيمنة الإسرائيلية.
وعند هذه النقطة، لا يصبح السؤال: ما هو اليوم التالي في غزة؟ بل: من يملك حق تعريف هذا اليوم ورسم حدوده؟ لأن من يربح معركة تعريف المستقبل، يكون قد حسم جزءاً كبيراً من الصراع قبل أن تبدأ أي مفاوضات سياسية.

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط