كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

من جمرٍ إلى جمرٍ مع منير شفيق

من جمرٍ إلى جمرٍ مع منير شفيق

تاريخ النشر: 2021-08-30 | 07:47

د. مصطفى يوسف اللداوي
د. مصطفى يوسف اللداوي

ما كنت أتمنى أن تنتهي صفحاته، ولا أن تتوقف مذكراته، ولا أن أصل إلى خاتمته، بل تمنيت أن تطول فصوله، وتتعدد مشاهده، وتتنوع روايته، وتتوسع شهادته، وتتضح رؤيته، وأن أستمر في قراءته فلا ينتهي، ولهذا عدت إلى بعض أبوابه أطرقها من جديد، وتوقفت عند العديد من عناوينه أغترف منها المزيد، وأقرأها بشغفٍ سعيدٍ، وإن كنت أقفز عليها كالعارف بها والكاتب لها، إذ حفرت في ذاكرتي أحداثها فحفظتها، وكأني عشتها وما نسيتها، لكن ما إن وصلت إلى الخاتمة، وطويت الكتاب حتى غمرني حزنٌ كبيرٌ مشوبٌ بكثيرٍ من السعادة والفرح، فقد عشت والأستاذ منير شفيق أكثر من ثمانين عاماً من عمر الوطن وحياة فلسطين.

من حي القطمون الراقي أمسك بيدي، وإلى القدس التاريخية أخذني، وفي المدينة المقدسة وأحيائها الراقية جُلتُ معه، فتعرفت على القدس قبل احتلالها، وعلى أهلها وسكانها قبل اغتصابها، وغصت نفسي لجمالها، وتحشرجت روحي لضياعها، ومعه انتقلت إلى حيفا ويافا، ومع أبيه عرفت مدن فلسطين التي كان بحكم مهنته يجوبها، وسعدت بالتعرف معه على رجالات فلسطين الكبار وأبطالها الشجعان، الذين أخلصوا الدفاع عن فلسطين، وضحوا في سبيلها، وكانوا صادقين في مواقفهم، وجادين في مقاومتهم، وكان من الممكن أن يبقوا فيها ويحافظوا عليها، لولا موازين القوى المختلة، وبريطانيا المحتلة، وسياساتها المنحازة.

تعمدت أن أقرأَ كتابه على مُكثٍ، وأن أقلب صفحاته يومياً على مَهلٍ، وقد خصصت له ساعاتٍ معينة، أردتها أن تكون له، فلا ينازعني عليه غيره، ولا يشغلني عن قراءته سواه، إذ كان سرده شيقاً، وعرضه مثيراً، وتفاصيله دقيقة، ينقلني بخفةٍ إلى عالمه، ويأخذني حقيقةً إلى حيث كان زمانه، فأعيش معه تفاصيل حياته، ودقائق يومياته، فخضت وإياه المظاهرات، ووزعت معه البيانات، ودخلت معه السجن مراتٍ، وتحديت معه المحققين والقضاة، وشعرت بعزة المقاوم وجرأة الصادق وقوة الإخلاص والتجرد، وخضت وإياه الحوارات والمناظرات، وقرأت معه كتب الفلاسفة ونظريات الاشتراكيين وأفكار الشيوعيين، وشهدت صعود القوميين وغلبة الناصريين وانقسام البعثيين، وعرفت تجارب المناضلين، وثورات الشعوب وتضحيات المقاتلين.

تدرج الأستاذ منير صعوداً في حياته، وقد حمل المسؤولية مبكراً، وعاش هموم وطنه صبياً قبل أن يتصدى لها شاباً وكهلاً، وما زال يحمل ثوابت فلسطين ويتمسك بها، ويصر على المقاومة ويحذر من مخاطر التخلي عنها، ويدعو إلى الانتفاضة ويراها السبيل، ويبشر بالثورة الشعبية ويعتقد أنها الوسيلة، فرأيته في البدء قبل النكسة وبعد النكبة وإلى اليوم، يدعو إلى ذات الأهداف، ويتمسك بنفس الثوابت، فما غيرته السنون، ولا فتت في عضده الأيام، ولا بدلته التحديات، ولا أثرت في نفسه الاتفاقيات والاختلافات، وما زال يؤمن بانتفاضةٍ ثالثةٍ وثورةٍ شاملةٍ ويدعو لها، فسابقاتها أضعفت العدو وحيدت أسلحته، وهزأت من جيشه الذي تحول من جيشٍ لا يهزم، إلى شرطةٍ تلاحق راجمي الحجارة وتجري وراءهم.

عصفته الأفكار التي كانت سائدة في عهده، أخضعها جميعها لعقله ونقده، فما اتبع هواه إلا إذا كان مقتنعاً به، وما خضع لرأيٍ أو التزم بقرارٍ يرى فيه تناقضاً مع قيمه وما نشأ عليه، إلا أن يحافظ على وحدة حزبه وسلامة جماعته، ولكنه ناقش قيادته وما سكت، وعارض أحبته وما خجل، وتحدى المتغيرات وما سكن، وعاش التطورات وما جمد، وواجه الرؤساء والزعماء وما جبن، وتمسك بمواقفه وصمد، وسجل في مذكراته صراع الأفكار وتهافت النظريات، وتنافس القوى والأحزاب، في سرديةٍ متسلسلة، ومشهديةٍ حية، تشعرك وأنت تتابعها عبر صفحاته، أنك تعيش زمانه، وتتناقش وإياه أحداثه الكبرى وتفاصيله الصغرى.

مذكرات منير شفيق لم تكن شخصية، بل كان فيها وكأنه فلسطين التاريخية إذ يتحدث، وشعبها إذ يروي حكايته، وأهلها إذ يقص معاناتهم، ويرفع شكواهم، ينقلها بصدقٍ، ويعرضها بإنصافٍ، ويحللها بمهنية العارف وتجربة الحكيم، ويعيد رسمها ببراعةٍ وكأن أحداثها تجري اليوم، فرأيته يتوقف في عمان بأسىً وهو يستعرض الاقتتال في شوارعها، ويعرض أسبابه ويدين أخطاءه، وقد كان من الممكن تجاوز الأزمة، وعدم الانجرار إلى الفتنة، لولا التنازع والاختلاف، وتشتت القرار وتعدد التبعيات، ولكنه يرفع رأسه عالياً ويفاخر بالكرامة، التي حشدت للثورة، وأعادت للشعب بعد النكسة بعض الكرامة، وكسرت أنف العدو حينها، وقد كان متغطرساً متبجحاً، وما زال يؤمن بحتمية كسره، ويقين هزيمته والانتصار عليه.

ورأيته في بيروت مفكراً وباحثاً، وكاتباً ومنظراً، وناقداً ومحللاً، له في كل حدثٍ موقفٍ، وعند كل مناسبة رأيٌ، وأمام كل نازلةٍ وحادثةٍ اجتهادٌ وفتوى، منفتح العقل، مستنير الفكر، يقلب الأفكار، ويناقش الآراء، جريئاً لا يتردد، ومقداماً لا يخاف، ولا يستنكف أن ينقلب على نفسه ويغير موقفه، وأن ينقد فكره ويراجع معتقداته، ولا يستعظم الاعتراف بالخطأ والقبول برأي الآخرين والعمل معهم، ولو كانوا أصغر منه سناً وأقل ثقافة وأحدث تجربةً، طالما أن حجتهم أبلغ وقدرتهم أكبر، وحماستهم أكثر، وإيمانهم بالقضية أصدق، ومن بين الاختلاف والتصادم، والحوار والنقاش، والأفكار ونقائضها، والتحديات وصعوبتها، كتب عشرات الكتب التي وإن ولى زمان بعضها، إلا أنها ما زالت تفيد وتنفع، وتخدم الباحث والدارس، والقارئ والمتابع.

آمن منير شفيق بفلسطين التاريخية كلها أرضاً واحدةً، ووطناً موحداً لشعبنا، وعمل طوال حياته تحت هذا الشعار ومن أجل هذا الهدف، فما كان كاتباً أو محاضراً فقط، ولا كان مفكراً أو مخططاً وحسب، بل جمع بين الكلمة والبندقية، وبين التنظير والتنظيم، وشارك وجمعٌ من إخوانه ورفاقه، في التأسيس لسريةٍ كان لها في فلسطين ولبنان دورٌ كبير، سجل محطاتها، وعرض نقاشاتها، وأبرز رجالها، ومجد أبطالها، ونسب لهم الفضل وما استأثر به، وحفظ لهم جهدهم وما نكرهم، وذكر مآثرهم وما جحدهم، وقد كان لسريتهم أن تواصل عملها وتستمر في رسالتها، لولا أن رأوا أن غيرها أقوى منها قد برز، وأقدر منها قد تشكل، ممن يحملون نفس الأهداف، ويؤمنون بذات المسار المقاوم والخيار الجهادي.

كثيرةٌ هي الجوانب المضيئة في مذكرات الأستاذ منير شفيق، التي وددت الإضاءة عليها والإشارة إليها، ولكن مقالاً صغيراً قد لا يتسع لها، ولا يفيها بالتأكيد حقها، ولعل قراءً غيري يجدون فيها أكثر مما وجدت حسناً وجودةً، وينتبهون لما لم أنتبه له وألتفت إليه، وإلى ذلك أسجل للأستاذ منير ومحرر مذكراته المرحوم الأستاذ نافذ أو حسنة، رشاقة اللغة، وخلو الكتاب من الأخطاء اللغوية تقريباً، وجمال السرد، وروعة العرض، وتنوع الأسلوب، وتسلسل المحطات وتتابع الأحداث، وحفظ الأسماء والتركيز على التفاصيل المنسية، وغيرها الكثير مما ميز المذكرات وجملها، وحسنها ونهض بها.

بكل الفخر والاعتزاز قرأت لك أستاذي الكبير أبو فادي منير شفيق، منك تعلمت الكثير، وإلى كتبك القديمة ومقالاتك الجديدة سأعود دوماً، إذ فيها الجديد والحكمة، وفيها الصدق والوطنية، وفيها الخبرة والتجربة، والله العظيم أسأل أن يحفظك ويطيل في عمرك، حتى  تعود إلى القدس وبيت عائلتك في حي القطمون، ويبارك لك في عقلك وفكرك، وقلمك ولسانك، فما زال لديك الكثير لتعطي، وما زلت قادراً على العطاء المبدع، والفكر الخلاق، والنقد البناء، والنصح الأخوي الصادق، حفظكم الله ورعاكم، وجزاكم عنا وعن فلسطين وأهلها خير الجزاء.

×
أخبار
الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو تقرير: عقيدة ما بعد 7 أكتوبر تُعلي الهوية اليهودية وتضع إسرائيل في حالة مواجهة عسكرية دائمة تباين حاد بين استطلاعات الرأي الإسرائيلية حول موازين القوى قبل أسبوعين من انتخابات الكنيست الدفاع المدني السعودي: إطلاق الإنذار المبكر في مدينة الرياض بسبب تهديد جوي أردوغان يدين هجوم مطار الملك خالد ويتوعد الحوثيين: "سيتم تفعيل بند الدفاع المشترك في اتفاق مكة " الاتحاد الأوروبي يدرج 1650 كياناً وفرداً روسياً جديداً ضمن قوائم العقوبات

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط