كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

من حكم غزة إلى التفاوض على البقاء: مخاطر المرحلة المقبلة

من حكم غزة إلى التفاوض على البقاء: مخاطر المرحلة المقبلة

تاريخ النشر: 2026-08-04 | 13:21

علي أبو حبلة
علي أبو حبلة

قراءة في التحولات السياسية والاستراتيجية لمستقبل قطاع غزة

تشكل موافقة حركة المقاومة الإسلامية "حماس" على خريطة الطريق الخاصة بالانتقال إلى المرحلة التالية من اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة تحولاً سياسياً واستراتيجياً بالغ الأهمية، ليس فقط في مسيرة الحركة، بل في مستقبل القضية الفلسطينية برمتها. فالمرحلة الراهنة لم تعد تدور حول وقف إطلاق النار أو تبادل الأسرى فحسب، وإنما حول إعادة صياغة المشهد السياسي والأمني في غزة، وتحديد ملامح "اليوم التالي للحرب".

لقد أفرزت الحرب واقعاً جديداً فرض على جميع الأطراف إعادة النظر في حساباتها. فبعد أشهر طويلة من المواجهة والاستنزاف، أصبحت غزة أمام مرحلة انتقالية تختلف جذرياً عما سبقها، حيث تتجه الأنظار إلى ترتيبات جديدة تقوم على إدارة مدنية فلسطينية، وإعادة بناء المؤسسات، وتهيئة الظروف لإطلاق عملية إعادة الإعمار، وسط تنافس إقليمي ودولي على رسم مستقبل القطاع.

وتقوم خريطة الطريق المطروحة على انتقال تدريجي من الواقع العسكري إلى واقع سياسي وإداري جديد، يتضمن نقل إدارة القطاع إلى لجنة فلسطينية من التكنوقراط، تدعمها أجهزة أمنية فلسطينية يعاد تنظيمها، إلى جانب وجود قوة دولية للإشراف على تنفيذ الترتيبات وضمان الاستقرار. وفي المقابل، يجري التعامل مع ملف السلاح وفق مراحل متدرجة ترتبط بوقف العمليات العسكرية الإسرائيلية وانسحاب قوات الاحتلال من مناطق القطاع.

ورغم أن موافقة "حماس" لا تعني تخلياً فورياً وكاملاً عن سلاحها، فإنها تعكس تحولاً في أولويات الحركة. فبعد أن كان الهدف الحفاظ على الحكم والسلاح معاً، أصبح التركيز اليوم على ضمان الحضور السياسي في مرحلة ما بعد الحرب، وهو تحول فرضته الظروف الميدانية، وحجم الدمار الذي أصاب القطاع، واستنزاف القدرات العسكرية، وتراجع الخيارات الإقليمية أمام الحركة.

غير أن هذا التحول لا يعني أن الطريق أصبح ممهداً أمام تنفيذ الاتفاق. فالحكومة الإسرائيلية لا تزال تتمسك برؤية مختلفة، تقوم على نزع السلاح بصورة كاملة قبل أي انسحاب أو ترتيبات سياسية، وهو ما يفسر اعتراضها على عدد من البنود المتعلقة بآلية تنفيذ الاتفاق، ودور بعض الأطراف الإقليمية، ومستقبل الوجود الأمني الإسرائيلي داخل القطاع.

ويكشف هذا الموقف أن إسرائيل ما زالت تنظر إلى غزة باعتبارها ملفاً أمنياً بالدرجة الأولى، وتسعى إلى الاحتفاظ بأدوات التأثير والسيطرة، بما يمنع قيام إدارة فلسطينية تمتلك استقلالية القرار، ويضمن استمرار قدرتها على التدخل العسكري متى شاءت. وهذا ما يجعل أي اتفاق عرضة للاهتزاز إذا لم تتوافر إرادة سياسية حقيقية لدى جميع الأطراف لإنجاحه.

في المقابل، تنظر الولايات المتحدة إلى الاتفاق باعتباره فرصة لإنهاء الحرب، وإطلاق عملية إعادة الإعمار، واحتواء التوتر الذي بات يهدد استقرار المنطقة بأسرها. ويعكس ذلك استمرار التباين بين الرؤية الأمريكية التي تركز على الاستقرار، والرؤية الإسرائيلية التي لا تزال تعطي الأولوية للاعتبارات الأمنية والعسكرية.

وفي خضم هذه التطورات، برزت مؤشرات على أدوار إقليمية متزايدة في رسم ملامح المرحلة المقبلة، سواء من خلال جهود الوساطة أو عبر محاولات التأثير في ترتيبات إدارة القطاع وإعادة بنائه. وهذا يعني أن غزة قد تتحول خلال المرحلة المقبلة إلى ساحة تنافس سياسي وإقليمي، تتداخل فيها المصالح العربية والدولية مع الحسابات الفلسطينية الداخلية.

ويبقى التحدي الأكبر فلسطينياً هو كيفية إدارة هذه المرحلة بما يحافظ على وحدة القرار الوطني، ويمنع تكريس الانقسام، ويحول دون تحويل القطاع إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية. فالنجاح في إدارة "اليوم التالي" يتطلب توافقاً فلسطينياً واسعاً حول شكل الإدارة المقبلة، وآليات إعادة الإعمار، والعلاقة بين غزة والضفة الغربية، بما يعيد الاعتبار لوحدة النظام السياسي الفلسطيني.

كما أن إعادة إعمار غزة لن تكون مجرد عملية هندسية لإزالة الركام وبناء المساكن والبنية التحتية، بل ستكون مشروعاً سياسياً بامتياز، لأن الجهة التي ستدير الإعمار ستملك تأثيراً مباشراً في تشكيل الواقع السياسي والاجتماعي والاقتصادي للقطاع خلال السنوات المقبلة.

إن موافقة "حماس" على هذه الترتيبات تمثل انتقالاً من مرحلة إدارة السلطة في غزة إلى مرحلة البحث عن دور سياسي داخل معادلة فلسطينية وإقليمية جديدة. لكنها في الوقت ذاته تفتح الباب أمام تحديات معقدة تتعلق بمستقبل الحركة، ومستقبل السلطة الفلسطينية، وشكل النظام السياسي الفلسطيني، ودور الفاعلين الإقليميين والدوليين في إدارة القطاع.

وفي المحصلة، فإن غزة تقف اليوم أمام مفترق طرق تاريخي. فإما أن تتحول هذه المرحلة إلى بداية مسار سياسي يفضي إلى استعادة الوحدة الفلسطينية، وإعادة بناء المؤسسات، وإنهاء الحرب، وفتح أفق جديد أمام القضية الفلسطينية، وإما أن تدخل المنطقة مرحلة جديدة من التجاذبات والصراعات التي تعيد إنتاج الأزمات بأشكال مختلفة.

إن نجاح المرحلة المقبلة لن يقاس فقط بوقف إطلاق النار، وإنما بقدرة الفلسطينيين على تحويل هذه اللحظة المفصلية إلى فرصة لإعادة ترتيب البيت الداخلي، وتوحيد القرار الوطني، وبناء رؤية سياسية مشتركة تستند إلى الشراكة الوطنية، بما يحول دون ضياع التضحيات الكبيرة التي قدمها الشعب الفلسطيني، ويعيد للقضية الفلسطينية حضورها باعتبارها قضية تحرر وطني تستحق حلاً سياسياً عادلاً ودائماً.

×
أخبار
تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين!

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط