كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

من خريف العرب.. إلى الربيع العربي؟

(1)
لا بد من الاعتراف ابتداء أن هناك محنة بالغة القسوة يمر بها المجتمع العربي هذه الأيام، ناجمة عن عواصف متنوعة المصادر والغايات، تدفع بالكثيرين من المواطنين العرب للترحم على أيام الخوف والاستكانة والاستلاب التي استنقع فيها المجتمع العربي خلال العقود الأربعة المنصرمة. لكن لا بد من الاعتراف أيضاً أن تلك الاستكانة هي التي أنتجت وتنتج تلك العواصف، واستمرارها كان الخيار الأسوأ على الإطلاق، وأن الطريق من الخريف إلى الربيع يمر حتماً بتلك المرحلة العاصفة، وبالتالي يجب إعمال الفكر والتدبير في كيفية اجتياز تلك المرحلة إلى الربيع وأزاهيره، وليس كيفية العودة إلى مرحلة الخريف!
لقد قلت منذ اللحظة الأولى لانطلاقة الصرخة الأولى في مثل هذه الأيام منذ أربع سنوات، من قرطاج، ان هذا الربيع إما أن يكون عربياً، وإما لن يكون ربيعاً على الإطلاق، وبالتالي إما أن ينتصر بين المحيط والخليج، وإما أن يُهزم بين المحيط والخليج.
وللأسف الشديد، فإن أعداء هذه الأمة في الخارج الذين يلقون بثقل أياديهم على مصير هذه الأمة عبر أنظمة الفساد والاستبداد والتبعية للخارج، الصهيونية منها والمتصهينة، كانوا يتفهموّن هذه المعادلة جيداً، وبدأوا بمواجهة رياح «الربيع العربي» على أساسها، وبالتالي أدركوا منذ اللحظة الأولى أن معركتهم ليست في تونس أو مصر أو.. فحسب، وإنما ساحة المعركة واحدة بين المحيط والخليج، إما أن يكسبوها، ولو بالتخلي عن بعض خدمهم من الحكام، وإما أن يبحثوا عن أماكن للجوء لهم جميعاً، أو أن يتركوهم لمصيرهم الأسود.
نقول للأسف الشديد، لأنه بينما أعداء هذه الأمة أدركوا هذه المعادلة، وتصرفوا على أساسها، فإن من يفترض بهم أنهم حملة مشاعل النهوض والتحرر والربيع العربي تصرفوا على النقيض منها برغم أنهم كانوا قد ختموا المنهج والنظرية وحفظوا عن ظهر قلب، بأن المشكلات في الوطن العربي مشكلات قومية، وأنها لا تحل إلا قومياً.
(2)
كنت أحلم أن النظام الإقليمي الفاسد والمستبد في الوطن العربي، بعدما انكشفت طبيعته العدوانية على هذه الأمة ومصيرها بصفقات «كامب دايفد» و «وادي عربة» و «أوسلو» العلنية، وبالصفقات المرجوة التي أجمع على الدعوة إليها أصحاب الجلالة والسمو والفخامة من دون استثناء، وبأنظمة الفساد والاستبداد والنهب التي سدت السبل كلها أمام التقدم حتى في الأجزاء، بات آيلاً للسقوط إما بفعل ثوري منظم، وإما عن طريق انفجار جماهيري عفوي. وعندما تمكنت أجهزة القمع السلطانية من إغلاق الطرق كافة إلى الخيار الأول، لم يعد أمام الجماهير إلا الخيار الثاني برغم عدم معرفة تحقيق أهدافها. وعندما اخترق شباب قرطاج حاجز الخوف، وبدأ الشباب العربي يستعد لتحرير الميادين العربية بين المحيط والخليج، كنت أتابع ذلك بفرح لا حدود له، لكنه كان فرحاً ممزوجاً بالخوف. فأنا أدرك أن الطريق إلى «الربيع العربي» لن يكون مفروشاً بالورود، وأن القوى المضادة خبيرة في الاختراق وزرع الألغام، وأن حماسة الشباب العربي قد لا تكفي للمواجهة، خصوصاً أنهم يفتقدون التنظيم والخبرة السياسية.
وإذا كان مفهوماً أن حَمَلَةَ مشروع النهوض العربي قد ضلوا الطريق لبناء أداتهم الثورية القومية على مدى العقود الماضية للتغيير، وإذا كان الشباب العربي قد فاجأهم وكسر حاجز الخوف والصمت والاستلاب، فإنهم مرة أخرى عجزوا عن التقاط اللحظة التاريخية، وعوضاً عن النزول إلى الميادين وسد الثغرات وتنظيم الصفوف منعاً من الاختراق والانحراف عن الطريق القويم، انضم معظمهم إلى جوقة التشكيك يتساءلون: مَن هؤلاء الشباب ومَن يحركهم؟ إنها مؤامرة!
وبرغم معرفتي أن الجيل الجديد لا يطيق قراءة المطولات، وأنه مغرم «بالبوستات» و «التغريدات»، فقد تلقيت العديد من الرسائل، سطرها شباب عربي واعد تتضمن تساؤلات في غاية الأهمية عن الظروف المتغيرة، والمشكلات المستجدة، والأساليب المقترحة، وإمكانيات الخروج من الأنماط التقليدية، لمواجهة الآثار الكارثية التي خلفتهّا عقود من هيمنة سلطات الاستبداد العائلية، التي حطمت النسيج الوطني والاجتماعي، حتى في أجزاء الأجزاء من وطننا العربي، وبالتالي لم تعد بيئة مشروع النهوض العربي حاضنة له، وإنما محبطة له، تولدّت من الممارسات التي تمت باسمه، مما أفقد الجيل الجديد الثقة بمصداقيته.
(3)
بالأمس، فاجأتني مجموعة من الشباب العربي في مكتبي. وبعد التحية والتعارف، قالت من كلفوها بالتحدث : نحن «شباب الميادين العربية» الذين تتحدث عنهم وإليهم. تَنَهَّدَت وأضافت: نحن لم نعد في الميادين الآن، الشباب الذين تتحدث عنهم لم يعودوا في الميادين، منهم مَن استشهد، ومنهم مَن غيبّته الزنازين، ومنهم مَن لا نعرف له أثر، والغالبية ممن تبقى غادر الوطن إلى المجهول، ونحن الذين بقينا في الوطن لم يعد لنا مكان في الميادين التي احتلها كل من هب ودبّ مِن الذين لا علاقة لهم بما كانت هذه التضحيات والثورة من أجله، بينما جيلكم الهرم على امتداد أربع سنوات يقدم نموذجاً بالغ السلبية من الممارسة، فهو لم يفشل في بناء جسم وطني فحسب، وإنما تسبب بالإساءة بالغة لنا نحن الشباب، وللثورة. وأضافت: باختصار شديد، لم نتمكن نحن مِن إنتاج مَن يمثلنا، وجيلكم فشل في إنتاج مؤسسات تمثلنا، فأنتج مؤسسات فاشلة مشوهة تشبهه. وأردفت تقول: ربما نكون الآن أكثر وعياً، لقد احتشدنا في الميادين من دون سياسة، بينما جيلكم يرفع الصوت بسياسة مشوهة من خارج الميادين، فخسرنا الميادين معاً ليحتلها الآن مَن تعلم. أتينا إليك بسؤال محدد: هل ترى مخرجاً مِن هذا المأزق؟ هل مِن سبيل لردم الهوة بين جيلنا وجيلكم؟ حاولت ألا أعترف بالهزيمة أمام هذا الاستنتاج المنطقي، لكن حماسة الشباب كانت طاغية، إذ تدخل أحدهم محذراً: متى ستكفون عن التبرير، وعن تجميل فشلكم وهزائمكم. وأضاف: لقد حاولنا أن نخرج من تحت عباءتكم، وكان لا بد من ذلك. لكن، وبعد التجربة، اكتشفنا أنه لا بد من نسج عباءة مشتركة بيننا وبينكم. عباءتكم تمزقت ولم تعد صالحة. يجب أن تعترفوا بذلك، كما نعترف نحن الآن أن العباءة التي نسجناها تحتاج إلى بعض الدعائم والخبرة من لدنكم، لكن أرجو أن لا تفسروا ذلك على أنها عودة إلى ما كنتم عليه. فقط نحن نعّد لجولة قادمة، والميادين تتسع لنا ولكم إذا قررتم الانعتاق من الأساليب الفاشلة والصراعات والخلافات الشخصية المدمرة التي أجهضت مسيرتكم طيلة العقود الماضية!
(4)
قررت ألا أجيب ليبقى الباب مفتوحاً لحوار يجب أن يتعمق ويمتد. وبينما كنت أودعهم، كانت مخيلتي تعود إلى حوار من نوع آخر جرى ويجري بين أخوة وأصدقاء وأحبة أعزاء حول الموضوع ذاته لسد هذه الفجوة المدمرة بين جيل العجائز وجيل الشباب، كيف نسلم الراية للجيل العربي الجديد للمضي إلى الغائية النبيلة التي فشلنا في تحقيقها؟ ومن جهة أخرى، كيف ندير حواراً بين من تبقى من أبناء هذا الجيل الهرم الذين تقطعّت بينهم سبل اللقاء حول قضايا اعتقدوا في الماضي أنها خلافية، بينما هي في حقيقة الأمر قضايا مشتركة كانت تحتاج لمزيد من الحوار والجهد المشترك للتوصل إلى رؤى موحدة، وليس إلى الصراع الذي أدى إلى فشل الجميع، وإلى المحنة التي طالت أكثر مما ينبغي!

عن السفير

×
أخبار
مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو تقرير: عقيدة ما بعد 7 أكتوبر تُعلي الهوية اليهودية وتضع إسرائيل في حالة مواجهة عسكرية دائمة تباين حاد بين استطلاعات الرأي الإسرائيلية حول موازين القوى قبل أسبوعين من انتخابات الكنيست الدفاع المدني السعودي: إطلاق الإنذار المبكر في مدينة الرياض بسبب تهديد جوي أردوغان يدين هجوم مطار الملك خالد ويتوعد الحوثيين: "سيتم تفعيل بند الدفاع المشترك في اتفاق مكة "

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط