كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

من دفاتر النزوح وطهي الحصى… عامان من الدخان والجوع والخذلان

من دفاتر النزوح وطهي الحصى… عامان من الدخان والجوع والخذلان

تاريخ النشر: 2025-12-11 | 10:27

د. أحمد يوسف
د. أحمد يوسف

لم تكن أيام النزوح مجرد انتقال من مكانٍ إلى آخر؛ بل كانت امتحانًا طويلًا في القدرة على الاحتمال، وجرحًا مفتوحًا في الذاكرة الجماعية لشعبٍ اعتاد الصبر، لكنه لم يعتد هذا القدر من القسوة.
عامان كاملان من الخيام الممزقة، ومن الانتظار المعلّق بين سماءٍ لا ترحم وأرضٍ تضيق بأهلها. عامان من “طهي الحصى”؛ لا طعامًا، بل كناية عن كل تلك الحيل التي ابتكرها الآباء والأمهات لإلهاء الأطفال عن الجوع، وعن اللهاث خلف أي شيء يوهمهم أن وجبة ما في طريقها إليهم.

نحن اليوم نجاور البحر في منطقة المواصي بخانيونس، نراه قريبًا إلى حدّ اللمس، لكنه محرم علينا؛ فالسمك يمرح أمام أعين الصيادين، غير أن الرصاص يسبق أي محاولة للوصول إليه. عشرات فقدوا حياتهم بحثًا عن لقمة تقي أبناءهم نقص البروتين الذي صار جزءًا من يوميات العوز بعد انقطاع اللحوم لأكثر من عامين.

أما الخيام، فقد تآكلت جوانبها، وانكشفت أسرارها أمام أول هبة ريح. المطر يخترقها بلا استئذان، والبرد يلسع أجساد الأطفال كأنه عقاب لا ينتهي. الشوادر التي كانت تُعدّ حائط الصدّ الوحيد أمام الطقس، ارتفعت أسعارها حتى صار ترميم خيمة أهمّ من شراء الطعام.

ومع شحّ المياه، تحوّل الحصول على شربة نظيفة إلى معركة يومية. تدافع وصراخ، وأحيانًا إطلاق نار فقط لانتزاع الأسبقية. وفي ظل غياب غاز الطهي، لجأ الناس إلى الحطب؛ يشتريه النازحون بأثمان باهظة، ويقضون ساعات في تقطيعه. يتصاعد دخان المواقد البدائية، فيختنق الصدر، ويكلّ البصر، ويثقل الهواء برائحة الاحتراق.

وحيث تتجاور الخيام وتضيق المساحات، كثرت المشاكل العائلية. صراخ أطفال، شجارات شباب، خصومات تنزلق بسرعة إلى تدخل الكبار، وأحيانًا إلى اشتباكات مسلحة تسقط فيها ضحايا… كل ذلك تحت ضغط نفسي ومعيشي لا يرحم.

ولأن الوقت طال، لجأ البعض إلى إقامة حفلات زفاف داخل المخيمات، بمكبرات صوت تصدح حتى ساعات متأخرة، في مشهدٍ جرح مشاعر جيران فقدوا أبناءهم وأقرباءهم. سلوكٌ غريب عن قيمنا الفلسطينية التي لطالما مجّدت المواساة واحترام الجراح.

وفي “التكايا”، تتكرر يوميًا مشاهد تدافع النساء والأطفال للحصول على وجبة عائلية صغيرة. مشهد مفهوم، لكنه موجع. وفي الأسابيع التي لم نجد فيها سوى المعلبات، دبّ في الناس الوهن والضعف وانعدمت القيمة الغذائية الحقيقية للطعام، فاضطر كثيرون – وأنا منهم – إلى زيارة المستشفيات الميدانية طلبًا للفحوصات والعلاج.

أما النزوح المستمر من منطقة لأخرى، فقد أنهك الناس جسديًا ونفسيًا وماليًا. لا مرافق للترفيه أو التفريغ النفسي، ولا مساحة للحوار أو التوجيه. اختفت المرجعيات الرسمية والدينية، وغابت الجهات التي يمكن أن تضبط السلوك العام، فصار “الكل ماشي على حلّ شعره”.

ومع تعطّل البنوك، وجد الطامعون فرصة للاستغلال. انتشرت العمولات المرتفعة بشكل مخجل، وساد الغلاء الفاحش، وظهرت حالات سرقة للمساعدات الإغاثية. وكان الاحتلال يرقب كل هذا ويعمّق فوضى الجوع، لخلق بيئة تُغري بالفساد، وتُضعف الثقة بين أبناء الشعب الواحد.

ورغم هذا المشهد المثقل بالألم، فإن جوهر شعبنا لا يزال حاضرًا. بين كل هذه الظواهر الطارئة، تبرز آلاف القصص عن التكافل، ومشاركة الخبز، وإنقاذ الجار، واحتضان الطفل الغريب، وتحمّل القهر بكرامة.
نحن شعب لا تهزمه الظروف، حتى إن انكسرت النفوس لبعض الوقت. ومع كل هذا الدخان والجوع والخذلان، يبقى الأمل هو حجر الزاوية الذي نعيد بناء حياتنا عليه.

وكما قال أبو تمام في حكمة تصلح لكل زمان ومحنة:

إذا اعتادَ الفتى خوضَ المنايا
فأهونُ ما يُلاقيهِ الخُطوبُ

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط