كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

من قتل النسر الأحمر؟!

من قتل النسر الأحمر؟!

تاريخ النشر: 2020-07-18 | 10:51

د. سامي محمد الأخرس
د. سامي محمد الأخرس

منذ عدة أيام وهناك حالة صراع على اشدها بين مفهوم القبيلة ومفهوم الوطنية، هذا الصراع الذي اتضحت معالمة وملامحه مع انتشار السوشيال ميديا أو مواقع التواصل الاجتماعي التي منحت فرصة لسماع أصوات لم تكن مسموعة أو مقروءة قبل ذلك، بل كانت في دوائر مغلقة وضيقة، كذلك ابرزت حجم التغيير في ملامح وأدوات الصراع، وأدوات الأمن المجتمعي، والأمن الشخصي، مع وضوح غياب الهوية الوطنية والمؤسساتية الناظمة للمجتمع سواء مؤسسة القانون أو مؤسسة الحزب أو مؤسسة المجتمع الأهلي التي فقدت ركائزها ودعائمها، وتحولت لمؤسسات شكلية غير فاعلة في قوانين المجتمع المدني ونظمه البنائية التي بدأت تتحول لمجتمع قبلي عشائري يستند على مفاهيم الولاء والطاعة العصبوية العمياء التي لا ترى إلا من ثقب المصالح فقط، وعليه علا صوت القبيلة وتحولت هي للأداة التي يلجأ إليها الفرد بحثًا عن أمانه وأمنه الشخصي وكذلك بحثًا عن السلطة والجاه، بما أن الأعتبارات للنفوذ تتم للاعتبارات القبلية.
متى بدأت؟!
منذ توقيع اتفاقية أوسلو عام 1994 بدأت أركان السلطة الفلسطينية في تدعيم مفهوم القبيلة والعشيرة حيث تراجع نفوذ الأحزاب والقوى الثورية التي كانت تسيطر على الفعل الميداني والمجتمعي، وتوفر القاعدة الصلبة لعمليات الاستقطاب والحماية معًا للمجتمع، لإدراك السلطة أن هذه الأحزاب خارج دائرة التطويع والطاعة العمياء فكان لابد من خلق البديل الأنجع لذلك كان اللجوء للقبيلة والعشيرة وتعميق مفهوم الولاء والطاعة اللذان يمكن تطويعهما وفق مصلحة الحكم خاصة وأن هذا المفهوم (القبيلة) يعتمد على العصبوية والتعصب، والعاطفة، دون أي حسابات وطنية أو عقلانية أو سياسية لأنه يأخذ قرارته بناء على مفاهيم الطاعة والولاء فقط، ولا يضع أمامه إلا مصلحة القبيلة والعشيرة، ولذلك ذابت معالم الوعي في معالم العصبية فتحول المثقف والمتنفذ لرجل قبيلة يتحدث بمفاهيمها وبلسانها، وينحاز لها لأنها هي مدخله للنفوذ ومصدر سيطرته وهيمنته وقوته فأصبح مثقف ومتعلم عصبوي أعمى لا يرى إلا نفوذه على حساب مفاهيم الوطن والمواطنة. كما أن مفهوم القبيلة يتم من خلاله عملية ترويض لشرائح وفئات الأكبر في المجتمع، وسارت على نفس النهج بعض القوى التي وجدت بالقبائل والعشائر مصدرًا لتنفيذ سياساتها وسيطرتها على مقاليد الحكم فبدأت تتغلل في القبيلة والعشيرة كونها تدرك أن رجل وإبن القبيلة لا يفكر خارج دائرة الجهل التي تطبق سنديانها على عقله وقلبه ورؤيته لكل الأمور، وأنه مجرد اداة تنفذ ولا تناقش، تؤتمر ولا تأمر، أعمى لا يملك أي بصيرة، جاهل لا يملك أي فكرة تنويرية يمكن أن تساهم في رقي وبناء مجتمع سليم، وإنما عصبوي جاهل لا يمتلك أكثر من العمل تحت برنامج الطاعة والاستسلام، وهذا ما ابتدعته بريطانيا العظمى التي تعتبر من أكثر قوى الاستعمار العالمي ذكاء، عندما ابتدعت العمل القبلي والمخترة من واقع العقلية العربية والجهوية للمجتمعات العربية وفق التاريخ الطويل الممتد لجاهلية ما قبل الإسلام، هذه الجاهلية التي لا زالت ملامحها في الفعل والقول فلا غريب أن ترى شعارات حروب الجاهلية الثارية في فهم ووعي أبناء القبيلة والعشيرة، ولا غريب أن تقرأ وتستمع لمقولات (يا ثارات كليب، وغيرها من شعارات الجاهلية).
من هنا استعانت القوى الحاكمة أو القوى التي تحاول تسييس المجتمعات لمنظومة القبيلة التي يقف على رأسها جاهل عصبوي لا يحتكم لأي قوانين منظمة أو قوانين مجتمعية، وإنما يرتبط بمصالح فئوية قبلية مرتبطة بقبيلته وعشيرته، فيمارس دوره كأداة طيعة لا تمتلك التمرد أو العصيان أو مفاهيم بناء مجتمع أوسع وأكبر، إنما يعمل وفق شعار(ناصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا)، فيتم تعميم نظرية الخضوع والطاعة العمياء سواء كان العضو القبلي متعلم أو مثقف أو جاهل أو أمي لا تمييز بينهما في الفهم والبناء المفاهيمي إلا الإنطلاق من قاعدة النفوذ التي يريده.
من هنا فإن المجتمعات العربية عامة مجتمعات متخلفة تفتك ببعضها البعض، وتنهار مكوناتها تحت مداميك الجهل والعصبوية الأثنية، وتعود للخلف مسافات كبيرة، وتعتبر بيئة سانحة للاستعمار لتمرير كل ما يريد ثقافيًا، سياسيًا، اقتصاديًا.
إذن فمن قتل النسر الأحمر؟!
قبل ايام صدمت مدينة رفح بل قطاع غزة بفاجعة كبيرة هي مقتل أحد المناضلين على خلفية وطنية تحت عنوان الثأر، وهذه الحادثة ليست مستجدة أو حالة فريدة ونوعية بل هي حادثة تكررت، وسابقة تكررت في مشهد مأساوي، وجريمة كاملة الأركان بحق مجتمع كامل وليس بحق فرد، حيث أن عملية القتل اتخذت منحنيات باطلة لا أساس لها أو قاعدة سليمة لأنها اتخذت من الحلقة الأضعف والأضيق ثأرًا لها، وشخصنت الأمر من واقع ونظرة جاهلة ضيقة، ولم تتعامل مع الحالة بمقتضياتها القانونية والوطنية، فالجندي الذي يشارك في معركة هو أداة تنفيذية لقرارات سيادية، وكذلك هم جنود ثورتنا الفلسطينية، جنود وأدوات ثورية تنفيذية انطلقت من قاعدة القرار السيادي الصادر من مؤسسات الثورة الفلسطينية وقيادتها وأجهزتها، فكيف يتم اختزال قضية وطنية بشخص جندي؟ هي عملية عجز تبريرية، وضعف تبريري لشخصية من يريد تنفيذ الجريمة.
فعملية القتل هي استمراء للقانون، واستقواء ذاتي مدعم بنظرة ضيقة تبريرية تعبر عن عدم القدرة على المواجهة الحقيقية مع صاحب القرار السيادي، فيتم اللجوء للحلقة الأضعف للجندي الذي نفذ، وكذلك لعدم معالجة الحالات السابقة بحزم وحسم. وعليه يتم تعريض المجتمع بعمومة للإنهيار والإنزلاق في تراكمات معقدة ممتدة لعقود طويلة.
ملف العملاء أو عملاء الاحتلال هو ملف لا زال مفتوحًا، وسيزال مفتوحًا ما دام الإحتلال جاثم فوق صدر شعبنا وأرضنا، لأنه ملف متجدد ومستمر، وهو أحد أهم وأخطر الأدوات والأسلحة للصراع المستمر بين قوات الإحتلال والمقاومة الفلسطينية، فالأولى تعتبر العملاء قوتها الإستراتيجية للدعم اللوجستي وإنها لا يمكن لها النجاح بدون هؤلاء العملاء لذلك تبدع في طرق تجنيدهم وتنظيمهم، أما الثانية فتعتبرهم أداة خطرة على أمنها وأمن المجتمع لما لهم من دور في الصراع ودور خطير جدًا، لذلك فالتعامل مع هذا الملف يتسم بالحزم والحسم، ولا تعاطف معه وشعبنا يدرك أن هؤلاء هم جزء من الصراع مع العدو الصهيوني، وجزء خطير جدًا.
انطلقت انتفاضة عام 1987 في واقع فلسطيني مجتمعي خطير جدًا، حيث كان مجتمعنا الفلسطيني يتعرض لأخطر ما يمكن لأي مجتمع أن يتعرض له ألا وهي محاولات العدو الصهيوني ترويض المجتمع الفلسطيني، ومحاربته بجوهر مفاهيمة واستلابه روح النضال، لذلك شكل جيش كبير من العملاء (الضحايا) مدعمين بتجارة المخدرات التي كانت تعتبر جزء من العمل لهدم الشباب الفلسطيني، وتفتيت أركان الأسرة الفلسطينية من خلال اسقاط شبابها وفتياتها ونسائها في وحل الخيانة، بل واصبح العشرات من هؤلاء العملاء يحملون اسلحتهم بشكل علني ويتباهوا بعمالتهم، وأصبح منهم جيش أمام بوابات الإدارة المدنية، ومع اندلاع أحداث الإنتفاضة 1987 شكلت منهم قوى مسلحة ومدربة تلاحق المناضلين وتعتقلهم وتقتلهم، وتساند ليلًا قوات الإحتلال في المداهمات والإعتقالات، لذلك تحركت قوى الثورة الفلسطينية سريعًا لمواجهة هؤلاء العملاء من خلال تشكيل قوى ضاربة تلاحق هؤلاء العملاء، مع منحهم كل الفرص للعودة لصفوف شعبهم بوسائل واساليب متعددة وفتحت لهم ابواب التوبة. وكانت المعركة قاسية ومعقدة مع أجهزة الإستخبارات الصهيونية وأذرع الفصائل التي كانت تتلقى ضربات قاسية وموجعة من هؤلاء العملاء حتى امتلأت السجون من المناضلين.
إذن ما يمكن البناء عليه أن الثورة الفلسطينية وفصائلها كانت تخوض معركة قاسية ومعقدة مع قوات الإحتلال الصهيوني وأجهزته الإستخباراتية بآن واحد، هذه المعركة التي كان أهم أدواتها وأخطرها العملاء والتي دفع شعبنا ثمن غال للحد منها حيث استشهد المئات من المقاتلين بفعل هؤلاء العملاء، واعتقل الآلاف من المناضلين أيضًا، وضرب النسيج المجتمعي من خلال عملية الإسقاط للشباب والفتيات وتحويلهم لعملاء وتجار مخدرات.
لذلك فإن هذا الملف أكثر تعقيدًا وأكثر خطورة على مجتمعنا الفلسطيني وعملية فتحه تعني فتح فوهة بركان متفجرة بوجه المجتمع الفلسطيني عامة، وعلاج هذا الملف رغم قسوتها إلا إنها كانت هي الأنجع لدمج اسرهم بالمجتمع من خلال منحهم شهادات تبرئة واعتبارهم ضحايا وشهداء براتب معيشي، إلا أن البعض حاول استغلال ذلك في ملاحقة مناضلين شعبنا واعتبار أن له ثأر.
ما يمكن الخلوص له أن ما حدث جريمة كاملة الأركان، جريمة مبرراتها واهية لا يمكن الإيمان بها او تبريرها، فمن لديه حق أو يشعر لديه حق فهناك جهات سيادية هي من اصدرت القرارات يمكن اللجوء لها والعودة لها، أما الهروب للحلقة الأضعف وهي الأداة المنفذة فهذه جريمة خلفها ما خلفها، ولا يمكن لها أن تمر كما يريد البعض تمريرها بشكل عائلي وثأر، فجندي الميدان لا يبني قتاله ونضاله على اعتبارات عائلية شخصية بل على اعتبارات وطنية سيادية، ينفذ من خلالها قرارات سيادية حزبية ثورية.
إذن فمن قتل النسر الأحمر هم حملة لواء القانون وسيادته، ومن بنوا سيادة القبيلة وحكم القبيلة، وهم من لم يدافعوا عن سيادتهم الحزبية والثورية، والقبيلة التي تعمق روح الثار في نفوس عناصرها تحت شعار (شرف العشيرة) والمجتمع الذي يتخلى عن دوره، وعليه فما حدث ويحدث هو جريمة متكاملة الركان يتحمل مسؤولياتها كل مؤسسات الدولة والقانون والنظام السياسي.

×
أخبار
تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط