كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

من كراكاس إلى نيويورك: اختطاف مادورو كمرآة لتحولات السياسة الخارجية الأمريكية

من كراكاس إلى نيويورك: اختطاف مادورو كمرآة لتحولات السياسة الخارجية الأمريكية

تاريخ النشر: 2026-01-08 | 09:39

حسن لافي
حسن لافي

في 3 يناير 2026، نفذت القوات الأمريكية عملية خاصة في قلب العاصمة الفنزويلية كاراكاس، حيث أُختطف الرئيس نيكولاس مادورو وزوجته سيليا فلوريس ونُقلا مباشرة إلى نيويورك ليُحاكما أمام القضاء الفيدرالي. العملية، التي شملت غارات جوية ووحدات خاصة من الجيش الأمريكي، لم تكن مجرد حادثة عسكرية، بل لحظة رمزية كاشفة عن التحولات العميقة في السياسة الخارجية الأمريكية: من إدارة النظام الدولي عبر المؤسسات والقواعد إلى فرض الإرادة بالقوة المباشرة.

هذا المشهد يفتح الباب أمام تحليل الاستراتيجية الأمريكية الجديدة، التي تحولت من إدارة النظام الدولي تحت مظلة العولمة والليبرالية إلى استخدام القوة العسكرية والتفوق التكنولوجي كأدوات مباشرة للهيمنة الاقتصادية والسياسية. إذ لم يعد فرض الديمقراطية أو احترام المؤسسات الدولية الوسيلة الأساسية، بل أصبحت القوة المباشرة والتهديد العسكري أدوات لضمان المصالح الأمريكية على مستوى العالم.

بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، انطلقت الولايات المتحدة نحو السيطرة على المنظومة الدولية تحت شعار العولمة والليبرالية، معتبرة نفسها المرشد والمحدد للمعايير العالمية. ارتكزت هذه المرحلة على فرض قيم الديمقراطية، حقوق الإنسان، والانفتاح الاقتصادي على مستوى العالم، مصحوبة بتدخلات عسكرية وسياسية واسعة من يوغسلافيا إلى العراق وغيرها، في محاولة لتصدير الديمقراطية وفرضها على أنظمة وشعوب لم تختَر هذا المسار.
كان الهدف الاستراتيجي واضحًا: فرض العولمة على الجميع كأداة لترسيخ الهيمنة الأمريكية، مع بناء شبكة من المؤسسات والقواعد الدولية التي تضمن استمرار التفوق السياسي والاقتصادي الأمريكي.
لكن هذا النموذج الليبرالي لم يعد يخدم الولايات المتحدة كما كان في السابق. التنافس الاقتصادي المتزايد مع الصين والاقتصاديات الناشئة جعل من العولمة الليبرالية عبئًا اقتصاديًا وسياسيًا، بدلًا من أن تكون أداة تعزيز الهيمنة.
 في هذا السياق، جاء شعار «أمريكا أولًا» ثم «إعادة عظمة أمريكا مجددًا»، كإعلان عن انقلاب استراتيجي كامل: من فرض العولمة وتصدير الديمقراطية إلى تحويل القوة العسكرية والتفوق التكنولوجي إلى أدوات مباشرة لإعادة بناء القوة الاقتصادية الأمريكية، على حساب الركائز التقليدية للعولمة الليبرالية التي كانت الولايات المتحدة نفسها من بنائها وترسيخها.
بهذا الانتقال، لم تعد السياسة الأمريكية العالمية مقيدة بالقيم أو بالقوانين الدولية، بل أصبحت أداة لفرض الهيمنة الاقتصادية المباشرة، حيث القوة العسكرية والتقنية هي الوسيلة لإعادة توزيع النفوذ والمكاسب العالمية لصالح الولايات المتحدة.

رغم ان جذور التحول الامريكي سبقت بكثير ادارة الرئيس دونالد ترامب، إلا أن  مع سياساته الخارجية، لم يعد شعار «أمريكا عظيمة مجددًا» مجرد بيان سياسي داخلي، بل تحوّل إلى استراتيجية عالمية متكاملة، تعكس تحولًا جوهريًا في فلسفة القيادة الأمريكية للنظام الدولي: من قيادة قائمة على الشرعية والقواعد الدولية، إلى قيادة تعتمد على القوة المباشرة، الردع، والتهديد كأدوات أولية لإدارة الأزمات السياسية. كما أوضحت ذلك بشكل جلي وثيقة الأمن القومي الأمريكي ٢٠٢٥م، وتصريحات ترامب حول رفضه للنظام القديم، عندما قال:،"كنا أغبياء وعاجزين والآن الوضع تغيّر… الصين ودول أخرى عاملتنا بطريقة سيئة لا يمكن تحملها.”.

فعندما تُدار الإشكاليات السياسية بالقوة، تتحوّل السياسة الدولية من فضاء تفاوضي قائم على المصالح المشتركة والتوازنات الدقيقة، إلى فضاء يهيمن عليه منطق الردع والخوف. في هذا السياق، تتراجع الحلول الدبلوماسية إلى مرتبة ثانوية، بينما تصبح العمليات العسكرية والإجراءات القسرية أدوات أولى لإدارة النزاعات.
 النتيجة: عالم أكثر عسكرة، أقل استقرارًا، وأضعف قدرة على حل النزاعات سلمياً.

التحوّل الأمريكي في إدارة السياسة بالقوة يخلق تحولات هيكلية في موازين القوى العالمية:
*  سباق التسلح: الدول تتجه إلى رفع ميزانياتها العسكرية على حساب التنمية والرفاه، ما يضعف الاستثمار في البنية الاجتماعية ويزيد التوترات الأمنية.
*. تحالفات خوف: التحالفات القائمة تصبح مؤقتة، مرنة، ومتغيرة وفق المخاطر المباشرة، وليست نابعة من القيم أو الالتزامات القانونية.
*. الانزلاق نحو الصدام الحضاري الرمزي: هذا التحول يعيد إلى الأذهان فكرة صامويل هنتغتون حول صراع الحضارات، لكن بصيغة الأمن والقدرة العسكرية، حيث تُستخدم الهويات والسرديات الثقافية لاحقًا لتبرير النزاعات وتعميق الانقسامات.

في هذا السياق، لم تعد المشاريع الاقتصادية العالمية مجالًا للتعاون الدولي والانفتاح، بل تحولت إلى ساحة صراع واحتكار للدول القوية، وعلى رأسها الولايات المتحدة. القوة العسكرية تصبح أداة مباشرة لإقصاء من يخالف الخطة الأمريكية وفرض شروط اقتصادية لصالح الشركات العملاقة، خصوصًا في مجالات:
الصناعات العسكرية، الطاقة، النقل، التكنولوجيا، والبنية التحتية الاستراتيجية،
وهكذا تتحول الولايات المتحدة إلى قوة استثمارية مسلحة، حيث تعود العظمة الاقتصادية والسياسية إلى ربط القوة العسكرية مباشرة بالمكاسب الاقتصادية، على حساب الدول الأخرى.

اللاعبون العالميون الرئيسيون سيستجيبون لهذا التحول وفق استراتيجيات متفاوتة:
الصين: تعتمد استراتيجية صبر طويل وبناء مؤسسات موازية، تحصن الاقتصاد والسياسة الداخلية، وتحد من تأثير القوة الأمريكية، مستفيدة من الفراغ القانوني الدولي لفرض بدائل اقتصادية وسياسية، دون الانجرار إلى مواجهة مباشرة.
روسيا: تسلك نهج مواجهة محسوبة، حيث تشرعن استخدام القوة لحماية مصالحها، وتستفيد من الفراغ القانوني الدولي لتوسيع نفوذها، مع خلق تحالفات مضادة، لكنها تحافظ على استقلالية قراراتها في التنسيق مع الصين عند الضرورة.

أوروبا:  وخصوصًا دول الاتحاد الأوروبي، تجد نفسها في موقع إشكالي مرتبك. فمن جهة، هي شريك تاريخي للولايات المتحدة، ومن جهة أخرى، تواجه سياسة أمريكية لا تقيم وزنًا حقيقيًا للتحالفات التقليدية، ولا لمفهوم القيادة المشتركة.
تراجع الالتزام الأمريكي بحلف الناتو، النزعة الحمائية الاقتصادية، النزاع حول التعريفات الجمركية، وحتى الطموحات الجيوسياسية غير التقليدية، كلها مؤشرات على أن واشنطن باتت تتعامل مع أوروبا كشريك ثانوي، لا كركيزة في النظام الدولي. هذا الوضع يدفع أوروبا نحو إعادة التفكير في أمنها الاستراتيجي، لكنه يكشف في الوقت نفسه محدودية قدرتها على الاستقلال الحقيقي.

الدول المتوسطة والصغيرة: تضطر للانخراط في منظومة القوة الأمريكية أو البحث عن تحالفات بديلة، ما يزيد من عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي العالمي، ويجعلها عرضة للإقصاء بالقوة إذا خرجت عن «الخطة الأمريكية».

النهج الأمريكي الجديد يخلق دورة مغلقة مترابطة:
أولا، العسكرة والعسكرية تولد سباق تسلح محموم.
ثانيا، سباق التسلح يرفع موازنات الدفاع على حساب التنمية.
ثالثا، التحالفات تصبح تحالفات خوف مؤقتة.
رابعا، القوة العسكرية تتحول إلى أداة احتكار اقتصادي.
خامسا، الاحتكار يعزز الهيمنة الأمريكية ويكسب الشركات العملاقة الأمريكية. 
سادسا، الأرباح الاقتصادية تعيد تمويل وتعزيز القوة العسكرية الأمريكية.
بهذا الشكل، تسعى الولايات المتحدة الأمريكية لإعادة عظمة أمريكا مجددًا ليس من خلال استراتيجية العولمة المغلفة  بالشرعية الدولية أو المباديء القيمية، بل من خلال قوة استثمارية مسلحة تهيمن على النظام الدولي ما بعد العولمة. 

إن هذا التحول يعيد تشكيل النظام الدولي ليس على قاعدة القانون أو الشرعية، بل على قوة القدرة العسكرية والاستثمار الاستراتيجي. وبذلك، تصبح الولايات المتحدة أكبر مستفيد، بينما يتحول العالم تدريجيًا إلى فضاء تنافسي محموم، حيث القوة تحدد من يربح ومن يُقصى، ليس في السياسة وحدها، بل في الاقتصاد العالمي أيضًا.
لذلك لا يمثل اختطاف الرئيس مادورو مجرد حدث سياسي عابر، بل رمزًا لفهم جديد للسياسة الخارجية الأمريكية، حيث تصبح مصالح القوة والاقتصاد القومي المحرك الأساسي للسلوك الدولي الأمريكي،  وأن زمن العولمة التقليدية قد انتهى، وأن العالم الجديد سيُدار بمنطق القوة، المصالح المباشرة، وفرض النفوذ الأمريكي خارج الأطر التقليدية.

×
أخبار
نتنياهو يقرّ بزيارة رئيس المخابرات المصرية قبل 7 أكتوبر وينفي لقاءه تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط