كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

من كسر النفوذ إلى كسر الدولة: الاستراتيجية الخفية للحرب على إيران..

من كسر النفوذ إلى كسر الدولة: الاستراتيجية الخفية للحرب على إيران..

تاريخ النشر: 2026-03-19 | 11:52

لم يعد الصراع مع إيران يُدار ضمن منطق الحرب التقليدية التي تستهدف الجيوش أو الحدود، وإنما دخل مرحلة أكثر تعقيداً تُبنى على تفكيك عناصر القوة الشاملة للدولة، لا مجرد إضعاف قدرتها العسكرية، ما يجري اليوم هو انتقال من حرب على السلوك إلى حرب على البنية، أي محاولة إعادة تشكيل الدولة الإيرانية نفسها عبر استهداف ركائزها الاقتصادية وإجهاد شبكات نفوذها ودفعها إلى نقطة اختناق استراتيجي تجعل استمرارها في نفس المسار مكلفًا إلى حد غير قابل للاستدامة.

 تبرز أهمية مفاصل اقتصادية حيوية مثل جزيرة خرج، ليس فقط كموقع لتصدير النفط، وإنما كنقطة ارتكاز لنموذج القوة الإيرانية القائم على تحويل الموارد الطبيعية إلى أدوات نفوذ إقليمي، إنّ إدخال هذه النقطة ضمن معادلة الاستهداف لا يعني مجرد تهديد اقتصادي، ولكن يمثّل انتقالاً نوعياً نحو حرب سيادية، حيث يصبح الهدف هو تقويض قدرة الدولة على تمويل نفسها، وليس فقط الحد من تحركاتها العسكرية.

الاستراتيجية التي تتبلور هنا يمكن توصيفها بدقة أكبر بوصفها استراتيجية الاختناق متعدد المستويات، وهي تقوم على ثلاثة مسارات متزامنة: تقليص الموارد واستنزاف الامتداد الإقليمي ورفع الكلفة الداخلية. في المسار الأول، يتم الضغط على مصادر الدخل الأساسية، بما يحدّ من قدرة الدولة على تمويل عملياتها الخارجية والداخلية، وفي المسار الثاني، تُستهدف شبكات النفوذ غير المباشر عبر جعلها أكثر كلفة وأقل فعالية، ما يؤدي تدريجياً إلى تفككها أو انكفائها، أما في المسار الثالث، فتتراكم الضغوط الاقتصادية والاجتماعية داخل الدولة، بما يعيد تشكيل أولوياتها الاستراتيجية.

غير أنّ هذه الاستراتيجية تواجهها مقاربة إيرانية قائمة على إدارة الحافة، أي البقاء عند مستوى تصعيد مرتفع دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة، تعتمد هذه المقاربة على توزيع المخاطر بدل تركيزها، وعلى استخدام أدوات غير متماثلة لتعويض الفجوة في القوة التقليدية، لكنها في جوهرها تظل رهينة عامل الزمن، إذ إن فعاليتها تتراجع كلما زادت كلفة الحفاظ على هذا التوازن المعقد.

ما يميز هذه المرحلة من الصراع هو أنّ الحسم لم يعد مرتبطاً بالقدرة على التدمير، وإنما بالقدرة على إعادة تعريف قواعد اللعبة، فالقوى التي تواجه إيران تسعى إلى تحويلها من فاعل إقليمي مبادر إلى فاعل مقيد الحركة، يعمل ضمن حدود مرسومة مسبقاً، وهذا التحول، إذا تحقق سيكون بمثابة إعادة صياغة للنظام الإقليمي، حيث تُعاد توزيع الأدوار والنفوذ وفق معايير جديدة.

إقليمياً، تدفع هذه الاستراتيجية الدول العربية إلى موقع أكثر حساسية، إذ تجد نفسها بين خيارين: إما الانخراط ضمن منظومة احتواء إيران، أو محاولة الحفاظ على توازن دقيق قد لا يكون مستداماً في ظل تصاعد التوتر، وهذا بدوره يسرّع من عملية إعادة تشكيل التحالفات، حيث تصبح الاعتبارات الأمنية مرتبطة بشكل مباشر بالاقتصاد والطاقة والاستقرار الداخلي.

أما دولياً، فإن المشهد يعكس نمطاً من الإدارة الباردة للصراع، حيث تُترك المواجهة تستمر ضمن حدود محسوبة، دون السماح لها بالتحول إلى حرب شاملة، الهدف هنا ليس إنهاء الصراع بسرعة، وإنما توجيهه تدريجياً نحو نتيجة استراتيجية محددة، تتمثل في إعادة ضبط سلوك إيران وتقليص هامش حركتها.

استشرافياً يمكن القول: إنّ المرحلة القادمة لن تشهد انتصاراً حاسماً بقدر ما ستشهد تحولًا في طبيعة إيران نفسها، فإذا نجحت استراتيجية الاختناق، قد نكون أمام دولة تعيد تعريف أولوياتها، وتنتقل من مشروع توسعي إلى نموذج أكثر انكفاءً وتركيزاً على الداخل، أما إذا فشلت، فإن النتيجة قد تكون العكس تمامًا: تعزيز منطق الصمود وتحول إيران إلى نموذج أكثر صلابة في مواجهة الضغوط.

في النهاية، ما يجري ليس حرباً على إيران بقدر ما هو صراع على شكل الشرق الأوسط القادم، والنتيجة لن تتحدد في ساحة معركة واحدة، ولكن في قدرة كل طرف على إدارة التوازن بين الضغط والصمود، وبين الزمن والكلفة والطموح والواقع؛ وفي هذا النوع من الصراعات، لا ينتصر من يضرب أولًا، ولكن من ينجح في البقاء عندما يعجز الآخرون عن الاستمرار.

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط