كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

من هنا إلى هنا؟!!

من هنا إلى هنا؟!!

تاريخ النشر: 2021-07-29 | 10:12

هادي زاهر
هادي زاهر

كنت شابًا صغيرًا حين اجتمعنا على شاطئ " تمار" في طبريا، ليلة 25 نيسان 1974حيث تقام في مثل هذا التاريخ من كل عام مراسم زيارة مقام النبي شعيب عليه السلام، كان هدفنا هو الغاء الاحتفالات السياسية في المقام حيث كان يحضر أحد الوزراء الإسرائيليين كضيف، ينتهز الفرصة ليبث سمومه، وقد حضر في نفس العام إسحاق رابين رئيس الوزراء آنذاك.

 بعد المداولات أثناء السهرة أوصى الشهيد عاصم الخطيب بضرورة الانضباط قال: قد ترسل السلطات البسطاء من بيننا للتحرش بنا كي تحرف الأنظار عن ظالمها وتدفعنا إلى أن نعارك بعضنا البعض، وهنا يجب أن نضبط النفس ونتعالى عن الاستفزازات. وبعد التخطيط والتوصيات  كانت سهرة من ليالي العمر، سهرنا حتى ساعات الصباح روى البعض ما بحوزته من نكات ثم جاء دور الغناء، وقد انضم الينا العديد من الأصدقاء الوطنيين من القرى العربية كان من بينهم الفنان سمير الحافظ، الذي أنشد بحيث كان تناغم متناه بين الكلمات الملقاة من قبل الخطباء والغناء، أذكر أنه عندما تحدث طيب الذكر شاعرنا سميح القاسم موصيًا بضرورة الوحدة بين جميع المواطنين العرب في هذه البلاد لأننا اخوة وعلينا أن نحافظ على هذه الاخوة صدح صوت سمير بأغنية فيروز "سوا ربينا وسوا قضينا ليالينا" وعندما تحدث احد الحضور عن المظالم التي تتعرض لها (الأقلية) العربية غنى سمير أغنية "دولا" من كلمات سميح القاسم الأغنية التي جددت غناءها مؤخرًا فنانتنا المحبوبة امل مرقس.

في اليوم التالي عندما زفّ موعد الحفل اندلعت مظاهرة صاخبة حُمل طيب الذكر محمد نفاع على الأكتاف وأخذ يحث المتظاهرين على التصدي للسلطات وأعوانها قال: لسنا دمية في يد هذه السلطات الغاشمة، الا يكفي بانها فرضت علينا التجنيد الاجباري حتى ترتكب جرائمها باسمنا، من المفروض أن يكون موقفنا مع شعبنا ضد الاحتلال وجرائمه، وإذا أرادت السلطات أن تبث سمومها فلتبثه من اذاعاتها وليس من المقام الشريف. كاتب هذه الكلمات كان لا يزال غلامًا متحمسًا (17 عامًا)، صعدت إلى السطح وكسرت ماسورة الصرف التي تمر بمحاذاة الحائط بجانب منصة (الشرف) وهكذا أفشلنا الاحتفالات المهينة، كان هذا اول لقاء لي مع فقيدنا محمد نفاع، وتوالت اللقاءات والذكريات ضمن فعاليات لجنة المبادرة العربية الدرزية التي تعمل من أجل الغاء التجنيد الالزامي والتصدي لمظالم السلطات الإسرائيلية المختلفة.

محمد نفاع كان منصهرًا مع الواقع لم يُنظّر ويناضل من على الشرفة وإنما نزل من شعاف الجبال مرورًا بالأخاديد وصولا إلى شعاب، ولم  يسفسط ويزعم بانه أكبر من أي اطار طائفي، كبعض الرفاق الشيوعيين الدروز، حارب المظالم ومحاولات تزييف هوية أبناء طائفته، لم ير في ذلك أي تناقض بين قيمه الأممية وكونه من قيادة المبادرة، حارب سياسة غسل الدماغ التي انتهجتها السلطات الإسرائيلية اتجاه أبناء الطائفة الدرزية ليكون لها الدور البطولي في محاربة الاستعمار كما هي في سوريا ولبنان، وعندما كان يأخذ عليه البعض يقول: لا يجوز ترك أي شريحة من أبناء شعبنا فريسة بين مخالب الضبع الإسرائيلي، لقد أراد أبو هشام تهشيم المشهد التعيس بكل ما يتخلله من تزييف للواقع.

الذكريات التي تجمعنا مع الراحل الكبير كثيرة ولا مجال لإدراج الكثير منها في هذه العجالة، لذلك سأكتفي بعرض نموذج واحد من الماضي البعيد.. المتوسط والقريب/ من الماضي المتوسط اذكر أني قمت بزيارته مع المناضل المثابر فواز أبو الزلف بدون سابق تنسيق وعند وصولنا سألنا أم هشام عنه فقالت: انه عَمّ يحلب العنزة فلحقنا به إلى الحاكورة كان منبطحًا على الأرض يحلب العنزة وبعد أن أنجز المهمة كانت قهوة أم هشام قد جهزت جلسنا واحتسينا القهوة كان ذلك أثناء شرحه عن النباتات والأشجار التي يعرفها ويهتم بها، وقد توقف عند شقيقته، شجرة السنديان التي يتحلى بإبائها، وكانت حديقته قد استقطبت العصافير التي اضفت بتغريدها جوًا بهيجًا على استراحة المحارب وضيوفه.

 عندما قرّرنا التضامن مع المشايخ من عائلة أبو قاسم من قرية بيت جن الذين غرموا بدفع حوالي نصف مليون شاقل والسجن لعدة اشهر بسبب إقامة بيتهم، انطلقنا في مظاهرة كنت آنذاك انشر زاويتي الأسبوعية "أمطار ابابلية" في صحيفة الاتحاد قال لي اثناء توجهنا إلى الدور التي تنوي السلطات هدمها: أكتب في زاويتك انه من المهازل الكبيرة، أن من حكم على المشايخ قاضي اسمه (رحميم) أي رحيم، وقد ذكرني الشيخ عفو أبو قاسم عند لقائي به بعد حوالي عقد ونصف من الزمن بما كتبه آنذاك تضامنا معهم، الحقيقة هي أنني سررت جدًا لأن هناك من يثمن عملنا ويحفظه.

محمد نفاع ارتبط اسمه بقريته التي وثّقَ بكتابته تراثها وسمق عاليا كجرمقها وكان مجلس بيت جن قد أصدر عام 1998 مجلدًا من 700 صفحة يحتوي على قصص قصيرة لطيب الذكر يحمل عنوان احدى قصصه القصيرة "أنفاس الجليل" تقديرًا لموقفه الأصيل، محمد نفاع كان مميزًا في كل مناحي الحياة ولا أريد أن أتحدث عن أدبه ولا عن قدراته ولا عن صلابته ولا عن مدى الانسجام بين أقواله وممارساته، وانما أريد الحديث عن نظافة يده، فهو لم يدفع الضريبة الكلامية وينصرف، انوه بأن أولاده الأربعة رفضوا الخدمة في جيش الاحتلال وفضلوا السجن عن هذه الخدمة كما أنه لم يتلقَ من دول الخليج الدولارات كما يفعل البعض من قادتنا ممن يلعبونها وطنية علينا في حين أنهم أصبحوا من الأثرياء جراء تلقيهم للأموال الخليجية الملوثة، لم يملك سيارة وكثيرًا ما كنت تراه يتنقل من محطة إلى أخرى حتى الوصول من بلده إلى مدينة حيفا، غريب هذا الرجل الذي لم يفتش عن أي رفاهية ولم تكن له طموحات فردية، وانما كانت طموحاته عريضة وطويلة تمتد من - هنا إلى هنا - في حركة دائرية حول الكرة الأرضية، تختزل بحبه لمصلحة البشرية جمعاء.

أمّا بالنسبة للذكريات الجديدة، قبل شهر من وفاته ذهبنا ضمن وفد للمبادرة العربية الدرزية للتضامن مع أبناء شعبنا في الأراضي المحتلة 67، واذكر أني مزحت معه اثناء السفر قلت له: يا زلمة اشتري بدلة تليق في المناسبات وليس كهذا الثوب الذي ترتديه حيث تشتريه من الأسواق الشعبية كل 4 أثواب بـ 100 شاقل، وعندها قال لي ضاحكًا: إذا انت جاي عَ بالك تكون عارض أزياء مبروك عليك، وضحكنا وكانت ضحكاتنا الأخيرة.

 وأخيرًا نقول نم يا أبا هشام أيها الأممي قريرًا، وثق بأنّنا سنكمل مشوارك ونتجند بإرادتك الفولاذية التي لا تلين في سبيل تهشيم المسلمات السلبية، واعلم بأن انفاسك امتزجت مع الهواء وهي سترافق الرياح فوق أصقاع الأرض لتتفقد أحوال من كنت نصيرًا لهم في حياتك، الفقراء والمضطهدين في كافة أرجاء المعمورة.

×
أخبار
الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو تقرير: عقيدة ما بعد 7 أكتوبر تُعلي الهوية اليهودية وتضع إسرائيل في حالة مواجهة عسكرية دائمة تباين حاد بين استطلاعات الرأي الإسرائيلية حول موازين القوى قبل أسبوعين من انتخابات الكنيست الدفاع المدني السعودي: إطلاق الإنذار المبكر في مدينة الرياض بسبب تهديد جوي أردوغان يدين هجوم مطار الملك خالد ويتوعد الحوثيين: "سيتم تفعيل بند الدفاع المشترك في اتفاق مكة " الاتحاد الأوروبي يدرج 1650 كياناً وفرداً روسياً جديداً ضمن قوائم العقوبات

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط