كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

من يسار الخطاب إلى يسار المواجهة

من يسار الخطاب إلى يسار المواجهة

تاريخ النشر: 2026-01-06 | 10:56

لم يعد اليسار الفلسطيني اليوم أمام سؤال البقاء التنظيمي أو الحفاظ على الحضور الشكلي في المشهد السياسي، بل بات في مواجهة امتحان تاريخي شامل يمسّ جوهر دوره ومعنى وجوده الاجتماعي والوطني، ولم يعد السؤال: كيف يستمر اليسار؟ بل أصبح السؤال الأكثر إلحاحاً: لماذا يستمر؟ ولمن يعمل؟ وبأي أدوات يخوض معركته؟ فاليسار الذي لا يتحول إلى ضرورة اجتماعية، ولا يصبح تعبيراً ملموساً عن مصالح الناس واحتياجاتهم اليومية، يظل خطاباً معلقاً في الفراغ، مهما امتلك من تاريخ نضالي أو رصيد رمزي.

إن التحولات البنيوية العميقة التي يشهدها المجتمع الفلسطيني، في ظل الاحتلال الاستعماري الاستيطاني، وحرب الإبادة المفتوحة، والانقسام السياسي، والانهيار الاجتماعي والاقتصادي، تفرض على اليسار مغادرة منطقة الأمان الخطابي، والانتقال إلى موقع الفعل المباشر والاشتباك اليومي مع المجتمع، واليسار المطلوب اليوم ليس يسار البيانات الإنشائية ولا التحليلات النخبوية المعزولة، بل يسار ميداني، اجتماعي، منحاز بوضوح للفقراء والكادحين، للعمال والمعلمين، للعاطلين عن العمل، للنساء اللواتي يحملن العبء الأكبر في صمود المجتمع، وللشباب المحروم من الأفق السياسي والاقتصادي، يسار يرى الدفاع عن الحياة اليومية جزءاً لا يتجزأ من معركة التحرر.

إن إعادة بناء اليسار تبدأ بإعادة تعريفه كقوة اجتماعية متجذّرة، تعتبر العدالة الاجتماعية والحريات العامة ركناً أصيلاً من مشروع التحرر الوطني، لا بنداً مؤجلاً إلى ما بعد الاستقلال، فلا معنى لتحرير الأرض إذا بقي الإنسان أسير الفقر والتهميش، ولا قيمة لاستقلال سياسي منزوع السيادة إذا ظل الاقتصاد الفلسطيني مرتهناً للتبعية، وخاضعاً لسياسات نيوليبرالية تعمّق الفوارق الطبقية وتفكك النسيج الاجتماعي، وإن الصراع ضد الاستغلال الاقتصادي والفساد والاحتكار هو، في جوهره، جزء من الصراع ضد الاحتلال ذاته.

واليوم، لم يعد الصراع مع المشروع الصهيوني مقتصراً على البعد العسكري أو السياسي المباشر، بل أصبح صراعاً على الوعي والرواية والمعنى، ومن هنا، يطلب من اليسار تطوير أدواته الفكرية والثقافية، وتفعيل ما يمكن تسميته بـ"القوة الأخلاقية" و"القوة الناعمة"، القادرة على مخاطبة الرأي العام العالمي بلغة إنسانية واضحة، تكشف طبيعة الاستعمار الاستيطاني، وتعيد الاعتبار للإنسان الفلسطيني ككائن حيّ، له اسم وذاكرة وحق في الحياة، غير أن أي انفتاح خارجي يفقد قيمته إن لم يُبنَ على استعادة الثقة الداخلية، وخاصة ثقة الشارع الفلسطيني وجيل الشباب، الذي بات أكثر وعياً وجرأة، وأقل استعداداً لتقبّل الخطابات الجاهزة والتنظيمات المنفصلة عن واقعه.

اليسار الفلسطيني اليوم مطالب بممارسة نقد ذاتي شجاع، لا يكتفي بتشخيص الأزمات بل يذهب إلى جذورها البنيوية: الجمود التنظيمي، ثقافة التراتبية المغلقة، وتقديس الماضي على حساب الحاضر، فالموقع القيادي لم يعد استحقاقاً تاريخياً، بل مسؤولية سياسية وأخلاقية مرتبطة بالقدرة على التجديد والابتكار والعمل الملموس، والشاب الذي يقود مبادرة اجتماعية، أو ينتج فكراً نقدياً، أو يخلق شكلاً جديداً من المقاومة الثقافية، هو شريك حقيقي في صياغة المشروع الوطني، لا هامش تنظيمي.

وتقدّم تجربة جبهة النضال الشعبي الفلسطيني نموذجاً لليسار الاجتماعي المتجذر، القادر على الربط الجدلي بين الوطني والاجتماعي، بين مقاومة الاحتلال والدفاع عن الحقوق اليومية للناس، وبين النضال السياسي والعمل الجماهيري، وهذا اليسار لا ينظر إلى الجماهير بوصفها خزاناً انتخابياً أو جمهور تعبئة موسمية، بل شريكاً أصيلاً في صناعة القرار، ما يمنحه شرعيته وقدرته على التجدد.

إن التاريخ الفلسطيني، بما يحمله من انتفاضات وتجارب مقاومة شعبية وثقافية، يؤكد أن اليسار الذي ينفصل عن الناس يفقد تأثيره سريعاً، وأن أي مشروع تحرري لا يُدمج بالعدالة الاجتماعية محكوم بالهشاشة، لذلك، فإن إعادة قراءة التاريخ ليست ترفاً فكرياً، بل ضرورة سياسية لفهم العلاقة العضوية بين التحرر الوطني والتحرر الاجتماعي، بين مقاومة الاستعمار وإزالة التهميش الطبقي.

تجديد اليسار لا يعني التخلي عن الثوابت الوطنية، بل تعميقها وتحريرها من الجمود، وربطها بمشروع وطني ديمقراطي قائم على التعددية والعدالة الاجتماعية، ويعيد الاعتبار لمنظمة التحرير الفلسطينية بوصفها الإطار الجامع، مع ضرورة إصلاحها ديمقراطياً وتفعيل مؤسساتها لتكون ممثلاً حقيقياً لإرادة الفلسطينيين في الوطن والشتات.

إن معركة تجديد اليسار هي جزء لا يتجزأ من معركة إعادة بناء الحركة الوطنية الفلسطينية على أسس ديمقراطية وتمثيلية حقيقية، وهي معركة وعي وإرادة، لا مجرد تعديل لغوي أو تنظيمي، فالحرية لا تمنح، والعدالة لا تأتي صدفة، بل تنتزع بالفعل الواعي، بالانحياز الصريح للفقراء والمهمشين، وبالإيمان العميق بقدرة هذا الشعب، رغم كل ما يواجهه، على إنتاج مشروعه التحرري المتجدد وصناعة فجره القادم.

كما أن على اليسار أن يفتح فضاءه السياسي والتنظيمي أمام الشباب والنساء والمثقفين والفنانين والصحفيين، وأن يجعل من الثقافة والفكر والفن أدوات مقاومة متكاملة، تساهم في حماية الهوية الوطنية، وتعزيز الصمود الاجتماعي، ونقل الرواية الفلسطينية إلى العالم. فالتجديد الحقيقي هو ذاك الذي يشمل السياسة والاقتصاد والثقافة والتربية والفن، ويحوّلها جميعاً إلى قوة مادية حية، قادرة على المواجهة، واستعادة الحقوق، وبناء مجتمع عادل ومتساوٍ.

 

                             

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط