كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

من يشعل الحرب قد لا يملك فرض نهايتها أو نتائجها ..!

من يشعل الحرب قد لا يملك فرض نهايتها أو نتائجها ..!

تاريخ النشر: 2026-04-02 | 12:18

ليست الحروب قراراً سيادياً يُتخذ وينتهي أثره عند لحظة إطلاقه، بل هي مسارات مفتوحة على احتمالات معقدة تتجاوز في كثير من الأحيان نوايا من أشعلها وحدود أهدافه.
ومن هنا، فإن الفكرة القائلة بأن من يبدأ الحرب قادر على التحكم في نطاقها ونتائجها، ليست سوى وهم استراتيجي يتكرر سقوطه عبر التاريخ.
وما نشهده اليوم في حالة الحرب مع إيران —بمستوياتها المتعددة، المباشرة وغير المباشرة__
يقدم نموذجاً حياً لهذه الإشكالية، حيث تتداخل الأدوات العسكرية مع الاقتصادية والأمنية والسيبرانية، لتنتج واقعاً حربياً مفتوحاً لا يخضع لمنطق السيطرة الكاملة.
تنطلق الحروب عادة من حسابات تبدو عقلانية في ظاهرها؛ تقدير لموازين القوى، وثقة بقدرة الردع، وافتراض بإمكانية ضبط إيقاع التصعيد.
غير أن هذه الحسابات، مهما بلغت دقتها، تبقى رهينة افتراضات سرعان ما تتآكل عند أول احتكاك فعلي مع الواقع.
فبمجرد اندلاع الحرب، تنتقل من فضاء التخطيط إلى فضاء التفاعل، حيث تتعدد الإرادات، وتتسارع الأحداث، وتبرز متغيرات لم تكن في الحسبان.
وهنا تحديداً يبدأ ما يمكن وصفه بـ"الانفلات الاستراتيجي"، أي تحوّل الحرب من أداة لتحقيق أهداف محددة إلى مسار ديناميكي مفتوح على احتمالات لا يمكن احتواؤها بسهولة.
هذا النمط ليس جديداً، بل تؤكده تجارب التاريخ بشكل متكرر.
فقد اندلعت الحرب العالمية الأولى نتيجة أزمة محدودة نسبياً، لكن تشابك التحالفات وسوء تقدير ردود الفعل حوّلاها إلى حرب كونية أعادت تشكيل العالم وأسقطت إمبراطوريات.
وفي الحرب العالمية الثانية، راهن أدولف هتلر على الحسم السريع، فإذا بالحرب تتحول إلى استنزاف شامل انتهى بانهيار مشروعه بالكامل.
أما حرب فيتنام، فقد كشفت حدود القوة العسكرية حين عجزت الولايات المتحدة عن فرض إرادتها رغم تفوقها، لتخرج من الحرب بخسائر استراتيجية عميقة. وكذلك في غزو العراق، حيث أدى قرار إسقاط نظام سياسي إلى تفكيك بنية الدولة وفتح المجال أمام فوضى إقليمية معقدة لا تزال تداعياتها مستمرة.
غير أن ما يميز حالة الحرب مع إيران هو أنها لا تأخذ الشكل التقليدي للحروب الشاملة، بل تتجلى كحرب متعددة المستويات: ضربات محدودة، حروب بالوكالة، صراع استخباراتي، وضغوط اقتصادية متبادلة.
هذا النمط من الحروب يزيد من صعوبة السيطرة عليها، لأنه يفتقر إلى خطوط واضحة للبداية والنهاية، ويُبقي جميع الأطراف في حالة اشتباك دائم قابل للتصعيد في أي لحظة.
كما أن تعدد الساحات—من الخليج إلى الممرات البحرية الحيوية—يجعل أي خطأ في الحسابات قابلاً للتحول إلى مواجهة أوسع.
اقتصادياً، تمثل هذه الحرب مثالاً واضحاً على ما يمكن تسميته بـ"الارتداد العكسي للقوة".
فبدلاً من أن تكون الحرب أداة لتحقيق مكاسب، قد تتحول إلى عبء ثقيل على من بدأها أو انخرط فيها. إن تهديد الممرات الحيوية مثل مضيق هرمز، وارتباط ذلك بأسواق الطاقة العالمية، يجعل من أي تصعيد عاملاً لعدم الاستقرار الاقتصادي الدولي.
فارتفاع أسعار النفط، واضطراب سلاسل الإمداد، وتزايد تكاليف الأمن والحماية، كلها عوامل قد ترتد سلباً على الاقتصاد العالمي، بما في ذلك اقتصاديات القوى المنخرطة في الصراع.
إلى جانب ذلك، فإن الحرب في شكلها الراهن تكشف عن تآكل مفهوم "التحكم المركزي" في الصراع. فالدولة لم تعد الفاعل الوحيد، بل باتت هناك أطراف غير نظامية، وشبكات إقليمية، وأدوات تأثير إعلامي وسيبراني، كلها تسهم في تشكيل مسار الحرب.
هذا التعدد في الفاعلين يُفقد أي طرف القدرة على احتكار القرار، ويجعل مسار الحرب عرضة لتدخلات غير محسوبة قد تدفع نحو التصعيد أو التعقيد.
وفي قلب هذه التعقيدات، تتسع فجوة خطيرة بين النية والنتيجة.
فصانع القرار قد يدخل الحرب بهدف محدود، لكنه يجد نفسه أمام واقع متغير يفرض عليه خيارات لم تكن ضمن حساباته.
وقد يتحول الهدف من تحقيق مكسب إلى مجرد احتواء الخسائر، أو الخروج بأقل الأضرار.
وهذه الفجوة هي جوهر الإشكالية الاستراتيجية في الحروب: أن النتائج لا تعكس دائماً النوايا، بل كثيراً ما تناقضها.
في المحصلة، لا تكمن خطورة الحرب في لحظة اندلاعها بقدر ما تكمن في مسارها اللاحق، حين تتحول من أداة بيد صانع القرار إلى مسار مستقل يعيد تشكيله هو نفسه.
فقرار البدء، مهما بدا محسوباً، يظل لحظة محدودة في الزمن، بينما مسار الحرب هو زمن مفتوح على احتمالات التمدد، والتشظي، والانزلاق نحو ما لم يكن مقصوداً أو مرغوباً.
وهنا تحديداً تتبدد أوهام السيطرة، ويظهر الحد الحقيقي للقوة، ليس في قدرتها على فرض الوقائع، بل في عجزها عن احتواء تداعياتها.
إن حالة الحرب مع إيران تكشف بوضوح أن الصراعات المعاصرة لم تعد تُقاس فقط بنتائج المعارك، بل بقدرة الأطراف على تحمّل كلفة الاستمرار فيها.
فالحرب التي تبدأ بهدف تحقيق مكسب قد تتحول إلى عبء استراتيجي طويل الأمد، يُستنزف فيه الاقتصاد، وتتآكل فيه الشرعية السياسية، وتُعاد فيه صياغة موازين القوى على نحو قد لا يخدم الطرف المبادر.
وفي مثل هذه الحالات، لا يعود السؤال: من ربح الحرب؟
بل: من استطاع أن يتجنب خسائرها الأكبر؟
وعليه، فإن الدرس الأهم الذي يفرض نفسه ليس أخلاقياً فحسب، بل استراتيجي بامتياز: أن التحكم في قرار الحرب لا يعني التحكم في مآلاتها، وأن التفوق في لحظة البداية لا يضمن الغلبة في نهاية الطريق.
فالحروب، حين تتجاوز عتبة الانطلاق، تدخل في منطق مختلف، حيث تتقاطع الإرادات، وتتعاظم الكلف، وتضيق مساحات الاختيار.
وفي هذا السياق، تصبح الحكمة الحقيقية ليست في القدرة على إشعال الصراع، بل في القدرة على تجنّب الوقوع في فخ مساراته المفتوحة.
إنها المفارقة الكبرى التي يكررها التاريخ: أن من يشعل الحرب قد يحدد لحظة بدايتها، لكنه نادراً ما يمتلك قرار نهايتها.
وبين هاتين اللحظتين، تتحول القوة إلى اختبار قاسٍ لحدودها، وتصبح النتائج—في كثير من الأحيان—أبعد ما تكون عن النوايا التي أطلقت الشرارة الأولى.

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط