تاريخ النشر: 2026-09-23 | 15:50
تاريخ النشر: 2026-09-23 | 15:50
لم تكن نيويورك، مساء الثلاثاء، مجرد مسرح لتظاهرة إيرانية جديدة. أمام مقر الأمم المتحدة، حاول آلاف الإيرانيين وأنصار المعارضة تحويل قضية إيران من ملف أمني وإقليمي إلى سؤال سياسي وقانوني أكثر عمقاً: من يملك حق الحديث باسم الشعب الإيراني؟
بالتزامن مع انطلاق المناقشة العامة للدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة، خرج المتظاهرون برسائل متعددة: وقف الإعدامات، الإفراج عن السجناء السياسيين، محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، ودعم حق الإيرانيين في تقرير مستقبل بلادهم.
لكن الرسالة الأكثر إثارة للانتباه جاءت من مريم رجوي، الرئيسة المنتخبة للمجلس الوطني للمقاومة الإيرانية، التي وضعت مسألة تمثيل إيران في الأمم المتحدة في قلب خطابها، معتبرة أن مقعد إيران ينبغي أن يكون للشعب الإيراني ومقاومته، وليس للنظام الحاكم.
هنا تنتقل المعركة إلى مستوى مختلف.
فالمسألة لم تعد، في خطاب المعارضة، مجرد رفض لسياسات حكومة أو احتجاج على قرارات داخلية، وإنما محاولة لإعادة طرح السؤال حول الشرعية السياسية التي تمثل إيران أمام العالم.
وهذا سؤال بالغ الحساسية في العلاقات الدولية، لأن الأمم المتحدة تتعامل مع الدول عبر حكوماتها وممثليها الرسميين، بينما تحاول المعارضة تغيير النقاش من الاعتراف الدبلوماسي إلى الشرعية الشعبية والسياسية.
المعارضة تريد نقل المعركة من الشارع إلى القانون الدولي
اللافت في خطاب رجوي أنها لم تحصر مطالبها في الإدانة السياسية، بل دعت إلى آليات دولية للمحاسبة، بما في ذلك المطالبة بإحالة ملف انتهاكات حقوق الإنسان في إيران إلى المحكمة الجنائية الدولية، واستخدام مبدأ الولاية القضائية العالمية لملاحقة المتهمين بارتكاب جرائم دولية.
وهنا تصبح القضية أكبر من مجرد مواجهة بين سلطة ومعارضة.
إنها محاولة لدفع الملف الإيراني من دائرة البيانات السياسية إلى دائرة المساءلة القانونية الدولية.
وفي هذا السياق، فإن الحديث عن الإعدامات والسجناء السياسيين والانتهاكات لا يأتي منفصلاً عن الصراع على صورة إيران في الخارج. فكل طرف يحاول تقديم روايته أمام المجتمع الدولي، في لحظة تتحول فيها الملفات الداخلية إلى عناصر مؤثرة في العلاقات الخارجية.
لكن المسار القانوني الدولي ليس قراراً سياسياً بسيطاً، ولا يتحقق بمجرد المطالبة به. فهو يرتبط باختصاصات المؤسسات الدولية، ومواقف الدول، وطبيعة الأدلة والجرائم المنسوبة إلى الأشخاص، والقواعد القانونية الناظمة لعمل القضاء الدولي.
لا حرب نيابة عن الإيرانيين
ومن النقاط اللافتة في خطاب التجمع التأكيد على رفض تحويل التغيير السياسي في إيران إلى مشروع تفرضه الحرب أو التدخل الخارجي.
وهذه الرسالة تحمل أهمية خاصة في منطقة عاشت خلال السنوات الماضية نتائج تدخلات عسكرية وحروب بالوكالة وانهيارات مؤسساتية تركت آثاراً عميقة على المجتمعات والدول.
فالقول إن التغيير يجب أن يصنعه الإيرانيون أنفسهم يضع المعارضة أمام مسؤولية إضافية: إقناع المجتمع الإيراني والمجتمع الدولي بأن لديها تصوراً قابلاً للتحول من خطاب المعارضة إلى مشروع دولة.
وهنا لا يكفي الحديث عن إسقاط نظام.
السؤال الأصعب يبدأ بعد ذلك:
من يدير المرحلة الانتقالية؟
كيف تحمى مؤسسات الدولة؟
كيف تمنع الفوضى؟
كيف تضمن حقوق القوميات والمكونات الدينية؟
وكيف تتحول الانتخابات والتعددية وفصل الدين عن الدولة إلى مؤسسات وقوانين وممارسات فعلية، لا مجرد شعارات سياسية؟
رفض الشاه والملالي… رسالة إلى الداخل والخارج
حرص المتحدثون في التجمع على التأكيد على رفضهم لكل من نظام الشاه ونظام ولاية الفقيه، وعلى طرح نموذج الجمهورية والانتخابات والتعددية السياسية والمساواة بين النساء والرجال وحقوق القوميات والأقليات الدينية.
هذه الرسالة تستهدف، في جانب منها، قطع الطريق أمام اختزال المعارضة الإيرانية في صراع ثنائي بين النظام الحالي وأنصار عودة الملكية.
فالخطاب الذي ظهر في نيويورك يحاول تقديم خيار ثالث: جمهورية ديمقراطية لا تعيد إنتاج الاستبداد تحت عنوان جديد.
غير أن اختبار أي مشروع سياسي لا يكون في الشعارات وحدها، وإنما في قدرته على بناء توافق داخلي واسع، وإدارة الاختلاف، وحماية مؤسسات الدولة، ومنع الانتقام السياسي، وضمان انتقال منظم للسلطة.
من نيويورك إلى طهران
المسيرة التي انطلقت بعد التجمع في شوارع نيويورك حملت الاحتجاج من منصة الخطابات إلى الفضاء العام، في وقت تتحول فيه المدينة خلال أسبوع الجمعية العامة إلى مركز سياسي وإعلامي ودبلوماسي عالمي.
ومع استمرار التحركات بالتزامن مع مشاركة الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان في أعمال الجمعية العامة، تبدو المعارضة حريصة على جعل الحضور الإيراني الرسمي في الأمم المتحدة مناسبة لمواجهة روايتها برواية أخرى.
لكن الأهم أن الصراع لم يعد محصوراً في صورة إيران أمام العالم.
إنه صراع على المستقبل السياسي لإيران نفسها.
فالحكومة الإيرانية تمتلك المؤسسات الرسمية والتمثيل الدبلوماسي، بينما تحاول المعارضة امتلاك مساحة الشرعية الشعبية والسياسية في الخطاب الدولي.
وبين الاثنين تقف إيران، دولةً وشعباً ومجتمعاً، أمام سؤال تاريخي لا يمكن أن تحسمه منصة في نيويورك وحدها:
من يملك إيران؟ النظام، أم الشعب، أم دولة تتسع للجميع؟
الإجابة الحقيقية لن تكون في الشعارات وحدها، وإنما في قدرة الإيرانيين على إنتاج انتقال سياسي يحفظ الدولة، ويمنع الاستبداد، ويضمن الحقوق، ويؤسس لشرعية مصدرها الإرادة الشعبية.
فالمعركة التي ظهرت أمام الأمم المتحدة ليست فقط معركة على مقعد إيران.
إنها معركة على من يملك حق صياغة المستقبل الإيراني.
الموافقة على شروط النشر: 1
صورة شخصية للكاتب: received_messages_from_pages/2026-09-22/6ab2c155a57d5-1790099797.jpeg
ارفاق ملف:
روابط التواصل الاجتماعي: https://x.com/alk22977