كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

موازين الهدنة في غزة على ضوء خارطة ميلادينوف

موازين الهدنة في غزة على ضوء خارطة ميلادينوف

تاريخ النشر: 2026-08-08 | 11:09

محمد مصطفى شاهين
محمد مصطفى شاهين

في العلاقات الدولية لا تقاس الاتفاقات بما تتضمنه من نصوص بقدر ما تقاس بقدرتها على إعادة تشكيل ميزان القوى وتحويل الصراع من ساحات القتال إلى مسارات السياسة ومن هذه الزاوية يمكن قراءة الاتفاق الخاص باستكمال تنفيذ خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في قطاع غزة باعتباره محاولة لإعادة إنتاج معادلة إقليمية جديدة تتجاوز إدارة الحرب نحو إدارة مرحلة ما بعدها فالغاية الأساسية لم تعد تحقيق انتصار عسكري كامل لأي طرف وإنما بناء ترتيبات تمنع تجدد المواجهة وتؤسس لاستقرار نسبي يخدم مصالح القوى الدولية في الأزمة ويستجيب في الوقت ذاته للحد الأدنى من المطالب الفلسطينية الإنسانية والوطنية.

لقد أثبتت الحرب أن القوة العسكرية مهما بلغت لا تستطيع وحدها إنتاج نظام سياسي مستقر كما أثبتت أن صمود المجتمع الفلسطيني وقدرته على تحمل الكلفة الباهظة فرض على جميع الأطراف البحث عن مخرج سياسي، ومن هنا جاء الاتفاق ليعكس إدراكاً متبادلا بأن استمرار الحرب لم يعد يحقق مكاسب استراتيجية بقدر ما يضاعف الخسائر ويهدد بإعادة تشكيل الإقليم على نحو لا يخدم أيا من الفاعلين الرئيسيين.

ومن هذا المنطلق يمكن فهم المرونة التي أبدتها حركة حماس خلال العملية التفاوضية باعتبارها جزءا من رؤية سياسية هدفت إلى إنهاء حرب الإبادة ووقف العدوان وتأمين الانسحاب الكامل لقوات الاحتلال وإدخال المساعدات الإنسانية وتهيئة الطريق لإعادة إعمار قطاع غزة، فقد تعاملت الحركة مع المفاوضات باعتبارها أداة لتحقيق هذه الأولويات وعملت على إزالة الذرائع التي استخدمها الاحتلال لإطالة أمد الحرب مع المحافظة في الوقت نفسه على الثوابت الوطنية وعدم المساس بالحقوق الفلسطينية.

ويكتسب الاتفاق أهميته لأنه ينص بصورة واضحة على وقف شامل ودائم لإطلاق النار وانسحاب قوات الاحتلال من قطاع غزة وبدء مرحلة واسعة من الإغاثة وإعادة الإعمار تحت إدارة اللجنة الوطنية الفلسطينية ،وهذا التحول لا يمثل مجرد ترتيبات ميدانية بل يعكس انتقالا من منطق العمليات العسكرية إلى منطق إعادة بناء البيئة السياسية والإنسانية التي تسمح باستعادة الحياة الطبيعية وفتح المجال أمام استقرار طويل الأمد.

أما القضية الأكثر حساسية فقد تمثلت في ملف السلاح الذي جرى التعامل معه ضمن صيغة فلسطينية خاصة تختلف عن الروايات التي حاولت بعض الأطراف الترويج لها فالترتيبات المتفق عليها لا تتضمن جمع السلاح أو تسليمه للاحتلال أو نقله إلى أي جهة غير فلسطينية.

وإنما تقتصر على حصر السلاح وتخزينه ضمن ترتيبات فلسطينية وخلال فترة سريان الاتفاق مع بقاء الملكية فلسطينية كاملة ودون أي مساس بهذا المبدأ، كما أن تنفيذ هذه الترتيبات لن يبدأ إلا بعد استكمال تنفيذ جميع الالتزامات الإسرائيلية وفي مقدمتها الانسحاب الكامل ودخول اللجنة الوطنية وانتشار قوة الاستقرار الدولية واستكمال تنفيذ الاحتلال بمتطلبات المرحلة الأولى

وفي الفكر الواقعي فإن ترتيب الأولويات يمثل جوهر أي حلول ناجحة لذلك أصرت الفصائل الفلسطينية على أن يكون تنفيذ الالتزامات متدرجا ومتوازنا بحيث لا يتحول أي بند إلى أداة ضغط أحادية فالتجارب التاريخية في الشرق الأوسط أثبتت أن الاتفاقات التي تفتقد إلى التوازن في التنفيذ سرعان ما تنهار عندما يختل ميزان الالتزامات بين الأطراف.

وتبرز هنا أهمية قوة الاستقرار الدولية التي ستتولى مهمة الفصل بين قوات الاحتلال والسكان المدنيين ومراقبة تنفيذ وقف إطلاق النار. وهذه القوة لا تملك صلاحيات لإدارة الشأن الفلسطيني الداخلي ولا للتدخل في المؤسسات الوطنية وإنما يقتصر دورها على توفير الضمانات الأمنية اللازمة لمنع انهيار الاتفاق وخلق بيئة تسمح باستكمال تنفيذ مراحله المختلفة.

كما أن الاتفاق يفتح الباب أمام إطلاق برنامج واسع لإعادة إعمار قطاع غزة تحت إشراف اللجنة الوطنية الفلسطينية التي ستكون الجهة المسؤولة عن إدارة هذا الملف وتأمين التمويل اللازم وإعادة بناء ما دمرته الحرب، ويكتسب هذا الجانب أهمية خاصة لأن إعادة الإعمار ليست عملية هندسية فحسب بل هي عملية سياسية تعيد بناء الثقة وتوفر الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي الذي هو حق للشعب الفلسطيني الذي عاني من ارهاب وجرائم قوات الاحتلال الإسرائيلي المركبة بحق الارض والإنسان في قطاع غزة.

ومن الزاوية الفلسطينية فإن الاتفاق يحمل بعدا وطنيا إضافيا يتمثل في انتقال إدارة الشؤون المدنية إلى اللجنة الوطنية بما يعزز فكرة الشراكة الفلسطينية ويهيئ الظروف لإعادة تنظيم المؤسسات العامة ومعالجة أوضاع الموظفين وفق أسس قانونية ومهنية تحفظ حقوقهم وكرامتهم، وهذه الخطوة تمثل أحد عناصر إعادة بناء المجال الوطني الفلسطيني بعد سنوات طويلة من الانقسام والحرب.

ومع ذلك فإن نجاح الاتفاق لن يعتمد على النصوص وحدها بل على الإرادة السياسية للأطراف كافة فالحكومة الإسرائيلية ما زالت تواجه ضغوطا داخلية من قوى ترى في أي انسحاب تراجعا استراتيجيا وفي المقابل فإن الجانب الفلسطيني لن يقبل بأي محاولة لإعادة إنتاج الاحتلال بصيغ جديدة أو استخدام الترتيبات الأمنية بديلا عن إنهاء العدوان بصورة كاملة ولذلك فإن المرحلة المقبلة ستخضع لاختبار دقيق لقدرة الوسطاء على إلزام جميع الأطراف بتنفيذ التزاماتهم دون انتقائية.

ويؤكد التاريخ الدبلوماسي أن الاتفاقات الأكثر استدامة هي تلك التي تنشئ توازنا في المصالح وليس توازنا في الشعارات وإذا تمكنت الأطراف من تنفيذ ما تم الاتفاق عليه فإن غزة قد تدخل مرحلة مختلفة تنتقل فيها الأولوية من إدارة الحرب إلى إعادة بناء المجتمع والاقتصاد والمؤسسات أما إذا عادت سياسة المماطلة أو استمرت خروقات الاحتلال فإن الاتفاق سيفقد مبررات بقائه وستعود المنطقة إلى دائرة التصعيد من جديد.

إن القيمة الحقيقية لهذا الاتفاق لا تكمن فقط في وقف إطلاق النار بل في قدرته على فتح أفق سياسي جديد يربط بين الأمن والشرعية وبين الاستقرار والحقوق الوطنية، فالسلام الذي يقوم على اختلال دائم في موازين الالتزام لا يدوم، أما السلام الذي يستند إلى احترام الحقوق وتنفيذ التعهدات المتبادلة فيمتلك فرصة أكبر للاستمرار.

ولهذا تبدو المرحلة المقبلة لحظة فاصلة ليس فقط في مستقبل قطاع غزة بل في إعادة رسم معادلات الإقليم بأسره، وفي نهاية المطاف فإن قدرة الاتفاق على الصمود ستقاس بمدى التزام الاحتلال بتنفيذ الانسحاب الكامل ووقف العدوان وبقدرة الفلسطينيين على تحويل صمودهم الوطني إلى مكسب سياسي يفتح الطريق أمام إعادة الإعمار واستعادة الحياة وترسيخ حقهم في تقرير المصير وإقامة دولتهم المستقلة وعاصمتها القدس.

×
أخبار
تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط