كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

"مولتشالين" الليكود... إسرائيل كاتس بين فوائد التبعية وأرباح الامتثال السياسي

"مولتشالين" الليكود... إسرائيل كاتس بين فوائد التبعية وأرباح الامتثال السياسي

تاريخ النشر: 2026-08-09 | 12:01

سامح خضر
سامح خضر

التبعية -في تعريفها البسيط والمجرد- تعني انقياد المرء لمن يتقدمه ويقوده، وفقدانه استقلالية القرار. وهي علاقة بين طرفين؛ الأول يملك المبادرة والقرار، والثاني يستمد وجوده وشرعيته ومكانته من الأول. وقد تعددت النظريات المفسرة للتبعية باعتبارها سلوكاً طوعياً، سواء من أبعادها السوسيولوجية أو النفسية، أو مظاهرها وتعبيراتها السياسية أيضاً.

ويتقاطع هذا التوصيف مع مفهوم المفكر الفرنسي إتيان دي لابواسيه، "العبودية الطوعية"، التي تتجرد من كونها إكراه خارجي تفرضه موازين القوة، إلى استراتيجية مختارة للترقي الفردي والتماس الأمان داخل الهيكل الحزبي. ففي السياسة، يحاول التابعون التحايل على فقدانهم القدرة على اتخاذ القرار، وارتباط ولائهم بموقع الشخص المتبوع بمصطلح مخادع "تحالف"؛ غير أن قيام علاقة تحالف بين طرفين يعني أن لكل منهما أيديولوجيته ومصالحه ومواقفه التي يمكنه المساومة عليها داخل إطار التحالف، بينما ينتقل التابع من موقف إلى نقيضه التام لمجرد أن المتبوع فعل ذلك.

وبعيداً عن هذه الأوصاف المركبة لتحليل مبدأ التبعية، زخرت الأمثال الشعبية عالمياً بكثير من التندر على التابع؛ ففي الثقافة الفرنسية يشار إليه بسخرية إذ يقول المثل" "كلب الملك أسد"، وفي العالم العربي يشار إليه بعبارات من قبيل: "كلب الشيخ شيخ" أو "كلب الباشا باشا" إلى غير ذلك من التعبيرات التي تصب جميعها في الاتجاه ذاته.

أما الأدب والسينما، فقد تناولا مفهوم التبعية والامتثال والانصياع الطوعي في أعمال وشخصيات عديدة؛ ففي رواية القاهرة الجديدة لنجيب محفوظ، تبرز شخصية الرواية الرئيسة "محجوب عبد الدايم" كمثال على الانتهازية والانفصال عن المبادئ في سبيل الترقي الوظيفي، والقبول بالدور المرسوم له من قبل صاحب النفوذ؛ حيث كان كل صعود لشخصية "محجوب عبد الدائم" في السلم الاجتماعي، يقابله – بالضرورة - هبوط في قيمته الإنسانية أمام نفسه وأمام الآخرين.

وفي الأدب الروسي، يقدم المسرحي الروسي ألكسندر غريبويدوف، في مسرحيته الشهيرة "ذو العقل يشقى"، تشخيصه لسلوك التبعية في صورة "مولتشالين"، الذي لا رأي له، لا مشروع، ولا حتى شخصية مستقلة، بل يوجه طاقته بأكملها نحو إرضاء من هم أعلى منه مقاماً، وتحديداً نحو صاحب النفوذ الوحيد الذي يستمد منه وجوده الاجتماعي برمته. إن منجزه الوحيد يتمثل في قربه من الشخص المسؤول، والدوران في فلكه، والتنفس من رئته، وسقوطه لا يكون مجرد سقوط فكري بل سقوط من يفقد مصدر الضوء على الفاعل فيتلاشى الظل تلقائي.

"وفي سني، لا يليق أن يكون لي رأي" بهذه العبارة الشعرية الواردة على لسان "مولتشالين" في المسرحية - والتي ذهبت مثلاً في الثقافة الروسية منذئذ، يستشهد به للسخرية ممن يبررون خضوعهم وانصياعهم أو تخليهم عن الموقف المستقل بذريعة التبعية الوظيفية أو عدم اللياقة بالاعتراض - يدشن إسرائيل كاتس، أو محجوب عبد الدايم السياسة الإسرائيلية رحلة صعوده. فالرجل الذي لا يتذكر أحد له موقفاً أو حضوراً فارقاً على رأس أي طاولة اجتماعات، لم يكن فراغه الفكري الصادق علّة بقدر ما كان إشارة طمأنينة سلسة يرسلها لسيده الأوحد بنيامين نتنياهو.

فالرجل الذي اقتصرت خدمته العسكرية على أربع سنوات فقط، وبدا منفلتاً في سنوات شبابه الأولى؛ إذ طارد برفقة مجموعة من طلاب اليمين المتطرف رموز النشاط الطلابي الفلسطيني سعياً وراء حظر وجودهم في الجامعات الإسرائيلية، وحاصر رئيس الجامعة في مكتبه، سرعان ما ينشط داخل حزب "الليكود" ليصبح عضواً فاعلاً وقادراً على التحكم بالتعيينات والعلاقة مع القواعد الحزبية. وفي كل منصب ساقته إليه الأقدار أو بنيامين نتنياهو، سخر كاتس مؤسسات الدولة لتوزيع المزايا والتعيينات على المقربين وأعضاء "مركز الليكود" لتثبيت نفوذه الانتخابي؛ وهو الأمر الذي يفسر استمرار تصدره كرجل ثان قوائم الحزب للكنيست منذ دخوله أول مرة.

أدرك كاتس مبكراً أن مؤهلاته وقدراته محدودة بطبيعتها؛ فهو يفتقر للكاريزما التي تتيح له خلق قاعدة من المعجبين داخل حزبه أو في الوسط السياسي، كما يعاني ضحالة في قدراته الفكرية والأيديولوجية واللغوية للتعامل مع وسائل الإعلام. إن كان يتعذر الحصول على الضوء، فسأنعم بالظل"؛ هكذا يحول كاتس نفسه من مجرد عابر سبيل في أي مشهد يدخله، إلى شاغل موقع تنفيذي متجرد من أي وزن فعلي.

إن كل نظام سلطوي يحتاج إلى طبقة خاصة من التابعين الذين يتقنون تنفيذ القرارات دون تفكير؛ وهي طبقة تنتج شخصيات بعينها وتكافئها دون النظر إلى من يشغلها فعلياً، فالتابع فيها قابل للاستبدال بآخر يؤدي الوظيفة ذاتها، مما يجعله عرضة للسقوط السريع والمطلق بمجرد انقطاع صلته بالمركز. وصحيح أن "مولتشالين" في المسرحية كان تابعاً صامتاً، غير أن صمته لم يكن ناشئاً عن عجز عن الكلام، بل اتخذه استراتيجية للوجود والبقاء؛ فأن تكون بلا صوت هو ما يضمن لك البقاء في دائرة السلطة. وكما يكمن مجد "مولتشالين" في مجرد وجوده داخل بيت "فاموسوف"، يكمن إنجاز كاتس الوحيد في القرب من نتنياهو؛ بيد أن "مولتشالين" كان يقر بوعي بأنه يؤدي دور الصامت في أروقة السلطة، أما كاتس فيفتقر إلى هذا الوعي الساخر بذاته، مما يجعله أكثر انغلاقاً ونمطية، ويقلل من حضوره كنموذج أدبي؛ إذ تحتاج كل شخصية -سواء كانت قيادية أم تابعة- إلى شرخ نفسي يجعلها قابلة للتطور نصاً والتجسيد الإنساني.

يبرهن كاتس في كل ظهور إعلامي على صحة القاعدة القائلة: "إن السكوت من ذهب"؛ فالرجل لا يدرك حجم الحماقات التي يرتكبها في كل تصريح، حتى بات عبئاً على المؤسسة الأمنية والعسكرية؛ تارة بتسريب خبر انطلاق الطائرات الأمريكية في غاراتها على إيران، وتارة بالهذيان حول ضرورة إنشاء جزر صناعية لتهجير أهالي غزة إليها، وتارة أخرى حين يتجاوز صلاحياته على الهواء مباشرة ليعلن إقالة ضابط برتبة لواء في الجيش لمجرد رغبة طفولية في استعراض حضور يصنع له مجداً زائفا.

في التراث الشعبي العربي، ثمة قصص تزخر برمزية والتي يمكن إسقاطها على شخصيات ذوي نفوذ ظاهري، لكنهم من الناحية العملية بلا قدرات تؤهلهم لهذا الموقع. إذ يحكى عن حيوان اسمه السمور، يصاد من أجل خصيتيه. يطارده الصيادون في الغابات لا لشيء سوى للحصول على خصيتيه، فقط من أجل خصيتيه، ثم يطلقون سراحه بعد ذلك. وإذا صادف السمور ذاته الصيادين مرة أخرى يقوم بالكشف مباشرة عن خصيتيه المفقودتين ليتركوه وشأنه. وعلى هذا، فلندع سمور السياسة الإسرائيلية وشأنه.

×
أخبار
مسؤولان: إيران تغير أساليبها في استهداف السفن عبر المضيق قبل الانتخابات الأمريكية الخارجية الأميركية تنتقد ملاحقة سفيرة لبنان في واشنطن بعد لقاء إسرائيلي نتنياهو يقرّ بزيارة رئيس المخابرات المصرية قبل 7 أكتوبر وينفي لقاءه تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط