كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

نابلس ودوما، وحديث في التيه الفلسطيني

تبدو الحالة الفلسطينية الداخلية في الاونة الأخيرة من التفكك والتأزم بحيث بات على كل عاقل أن يدعو إلى وقفة لتقييم هذا الواقع. منذ ثلاثة أيام انشغل الرأي العام الفلسطيني، والنابلسي على وجه الخصوص، بأزمة جديدة هي أزمة إدارة البلدية التي فجرتها أزمة المياه في ظل هذا الصيف القائظ. لست من العالمين بخفايا أزمة البلدية، لكنها أزمة دالة على الحالة الفلسطينية عموما. أبرز دلالاتها هو هذا الفراغ المؤسسي والقانوني الذي نعيشه في المناطق التي "تديرها" السلطة الفلسطينية. أصبح بمقدور كل محتج على أية سياسة أو قرار رسمي من أي مستوى كان، أن يعبر عن احتجاجه بإغلاق الشوارع، وحرق الإطارات، والتصادم مع الشرطة، والاعتداء على الأماكن العامة.

           تسود مدننا ومخيماتنا حيث تمارس السلطة الفلسطينية وظائفها -أو تعجز عن ممارستها- حالة من غياب القانون، ومظاهرانهيار النظام الاجتماعي والتشظي المجتمعي، وسهولة التعدي على الحيز العام. وتنتشر في أوساطنا حالة من الغليان والاحتقان بات معها مشاهدة "الطوش" العنيفة إلى حد القتل، أمر معتاد ويومي. أصبح بوسع أي مجموعة من الناس (عائلة، مخيم، حي في مدينة، نقابة، جهة، زمرة مستزلمة تشعر بمكانتها، ...الخ) أن تلحق الشلل بهذا المرفق أو ذاك من المرافق العامة والخاصة على السواء، وصار بمقدور فئات بعينها أن تلوي ذراع القانون، وتعربد على الناس مستقوية بنفوذها المستمد من وجود السلطة الفلسطينية. في مقابل ذلك، تعمل المؤسسات الرسمية بكل مستوياتها بمنطق البلقنة والخصخصة، بحيث تحول كل من يمارس مسؤولية عامة إلى حاكم بأمره، له قواته الضاربة (بغض النظر عن مسماها) وأجهزته الأمنية، وحوله شرائح من المستفيدين والمدَاحين، وكأن كل جهة رسمية في حيز نفوذها هي كيان مستقل، أو إقطاعية خاصة. تغذي كل من هتين الظاهرتين بعضهما بعضا في مسار انحداري خطير نحو التفكك والانهيار الكامل لكل المنظومة التي أنشأتها ورعتها، وحرصت على تعميقها السلطة الفلسطينية.

          مما يزيد الأمور تدهورا ونزوعا نحو الانعدام التام للشعور الجماعي بوحدة الأهداف والمصير، هو ما ينشر عبر وسائل الإعلام، ومواقع التواصل الاجتماعي، حول الفساد المالي المستشري في أوصال مؤسسات وأجهزة السلطة الفلسطينية. لدى الجمهور الفلسطيني العريض قناعته بوجود هذا الفساد. وعندما نعلم بأن فوارق الدخل الشهري -على سبيل المثال- بين بعض المستويات العليا في مراتب السلطة الفلسطينية وبين متوسط الدخل الفردي للفلسطيننين تصل أحيانا إلى 280 ضعفا(حسب تقرير لموقع فلسطين 24)، فلن نستهجن أن يغيب عن سلوك المواطن الغاضب الالتزام بالقانون والنظام أو الامتناع عن الاعتداء على الحق العام. لا يشعر المواطن بأن هذه المنظومة مكرسة لخدمته، أو الدفاع عن أمنه، أو تحقيق الحد الأدنى من عيشه الكريم، ويرى فيها التعبير الصارخ عن عمق الفوارق الاجتماعية المتعاظم، وعن سيادة المحسوبية والاستزلام والزبائنية بأكثر صورها فظاظة. إن الحديث عن الفساد بالصيغ المعتادة وكأنه حالة يمكن "مكافحتها" لا يفيد. إذ إن استشراء الفساد بهذا المستوى يدلل على أنه جزء من بنية السلطة الفلسطينية. لا يمكن لأي مراقب حصيف لطبيعة، وأدوار، ووظائف هذه السلطة منذ قيامها، إلا أن يلاحظ بأن تصميمها، وارتباطاتها، والقيود المفروضة عليها، وتوزيع الأدوار فيها هي حاضنات بنيوية للفساد.

          إن النتيجة المتوقعة لهذه المتوالية هي مزيد من غياب الإحساس العام بهيبة القانون، وبحصانة الحيز العام، وصولا إلى الصدام المفتوح مع المنظومة المهيمنة في المجتمع الفلسطيني. إن الحلول المطروحة لأزمة ديون المياه على المواطنين مثلا لا تحل بتركيب عددات مسبقة الدفع. فالماء حق إنساني أولا، والأهم بأن الحل يكمن في احترام القانون والالتزام بالمصلحة العامة، وهو ما لن يتم في ظل الظروف الراهنة والمشار إليها هنا. إن أخطر ما يترتب على أحداث نابلس وما يشابهها هو أولا تكريس منطق الغلبة وجواز الإطاحة بهيئات منتخبة باستخدام طرق تحكمية (علما بأن الانتخابات لا تمنح شرعية للأبد أو دون توقعات في الأداء)، وهو أمر إن طان لبعض الأطراف مصلحة من وراءه فإن هذه الأطراف لن تمتلك التحكم فيه إذ تحول إلى سابقة. وثانيا: هو تعزيز حالة غياب النظام العام، وزيادة معدلات الاستخفاف بالقانون عبر ممارسات منفلته ويجري التسامح معها لأسباب سياسية، أو كون السلطة تشعر بعدم الرغبة في الدخول في صدام مع المواطنين، وهو ما يشير إلى ارتفاع احتمالات الصدام بفعل شعور الناس بسهولة خرق القانون دون عواقب.

أنا لا أبشر، ولا أدعو لهذا الصدام، ولكن المتأمل لما يجري بين ظهرانينا لا يمكنه أن يغفل هذه الإمكانية. للأمر علاقة وطيدة بالتغير الجذري الذي تحقق بفعل اتفاقية أوسلو وما نتج عنها من تحولات، وبخاصة لجهة تحميل السلطة الفلسطينية عبء الخدمات والإدارة والتوظيف...الخ دون أن تتوفر لهذه السلطة الموارد اللازمة. أقصد بالموارد ليس فحسب المالية، بل كذلك السيادية، والقانونية. لقد نجحت إسرائيل في تحويل السلطة الفلسطينية إلى متلقي الضربات نيابة عنها في كل شأن يثير غضب الفلسطينيين. قلصت اتفاقية أوسلو إلى أبعد حد قدرتنا على توجيه الغضب إلى عنوانه الأول: الاحتلال. وعمقت السلطة الفلسطينية بمسلكياتها الفضائحية من هذا الحالة، وبخاصة استمرار التنسيق الأمني الذي عمق من حالة التفاوت الكبير في القوة بين الشعب الفلسطيني والاحتلال، بحيث يات الفلسطيني مكشوف تماما أمام الاحتلال ومستوطنيه.

          لم يحدث في تاريخ حركات التحرر الوطني أن تعاونت الشعوب (قياداتها السياسية بطبيعة الحال) الخاضعة للاستعمار أو الاحتلال مع مضطهديها ومستعمريها خدمة لأمن هذا المستعمر. أصبح لدينا صورة مشوهة من العلاقة بالمحتل. تجد هذه الصورة تجلياتها في حالة التفكك الداخلي الذي وصل ذروته في الانقسام الفلسطيني، ويعبر عن نفسه في الشارع كما أسلفنا، وفي حالة العجز المتراكم عن تشكيل أي نوع من الضغط أو التهديد للمحتل، ويعبر عن نفسه في عجزنا الفاضح عن التصدي لجرائم مثل جريمة "دوما" وما سيليها من جرائم مماثلة.

إن مشهد الشارع النابلسي المنتفض بوجه بلدية نابلس، في حين لم تجف دماء كل من الرضيع علي ووالده سعد دوابشه، وفي حين تتوالى هجمات المستوطنين على المواطنين في قريوت، وقصرة، وبورين، وغيرها، هذا المشهد يروي كل حكاية ما صنعته بنا اتفاقيات أوسلو. أصبحنا عوالم مشتتة، لا يجمعنا هدف، ولا يحملنا للتكاتف في وجه المحتل منظومة كفاح وطني. لقد امتد تيهنا، بحيث أصبح الحديث يدور عن انتفاضة يبدو أنها انتفاضة المستوطنين وليس انتفاضة المقهورين تحت الاحتلال. لم لا وقد تخلينا طوعا عن خياراتنا الكفاحية، وأصبح وجود السلطة الفلسطينية -حسب تقييم قادة أجهزة الاستخبارت الاسرائيلية- هو الضامن لعدم اندلاع انتفاضة فلسطينية ثالثة. لا أبالغ إن قلت بأن الحالة في نابلس هي نموذج مصغر لمعادلة الوضع الفلسطيني برمته: قاتلوا بعضكم داخل "الغيتو"، ونحن سنقتلكم خارجه، وستوفرون لنا العون.

أستاذ العلوم السياسية في جامعة النجاح الوطنية

 

 

 

×
أخبار
السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو تقرير: عقيدة ما بعد 7 أكتوبر تُعلي الهوية اليهودية وتضع إسرائيل في حالة مواجهة عسكرية دائمة تباين حاد بين استطلاعات الرأي الإسرائيلية حول موازين القوى قبل أسبوعين من انتخابات الكنيست

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط