كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

نابلس وكل هذه العراقة

نابلس وكل هذه العراقة

تاريخ النشر: 2023-08-12 | 10:18

الصابون النابلسي، والكنافة النابلسية، وإبراهيم وفدوى طوقان، وقصور عبد الهادي وطور سينين، تلك بعض مفاتيح المدينة الأقدم في العالم، والتي لم تسبقها في المعمورة إلا أريحا.

ما إن تطل داخل البلدة القديمة، حتى تلقاك نسائم باردة، مهما كان الجو حارا في الخارج، ليبدأ تساؤلك الأول، حول تبريد البلدة القديمة التي نلوذ بها الآن في هذا اليوم الحار.

تبدأ البلدة القديمة بالترحيب بك: "تفضل، أهلا وسهلا" على لسان تجار المدينة، في واحدة من أجمل تقاليد نابلس في الترحيب بالزوار والمتسوقين.

تفتح نابلس القديمة شهية الناس هنا، بما تقدمه من مأكولات متقنة الصنع، فلا يقف الأمر عند الكنافة، فهنا تجد أجمل طعوم منتوجات اللبن والجبنة والعسل، والمخللات، والطحينية والحلاوة.

تفتح لك المدينة أبوابها الحسية، تداعب الحواس الخمس، ثم لتطل عليك أبواب المساجد الجميلة داخل السوق، ليكتمل الجمال، فتجد نفسك أسيرها بحب واختيار. تأخذنا خطواتنا الى كل مكان، في هذا الفضاء الواسع، الذي يكاد لا ينتهي، حيث تتفرع الأسواق والزواريب. تدخل من طريق تقودك الى طرق، ولا تشعر أبدا بقلق حول مكانك، فيكفي أن تسأل أي نابلسي هنا، ليقدم لك خارطة شفوية، لتتساءل، كيف أتقن معرفة كل هذه الطرق المتشابكة.

والنابلسي وحده هو صاحب السرّ، أو لعلها المدينة التي لا تسلم أسرارها الا لعشاقها، لكن الجميل في هذا كله هو الشعور بالأريحية والحميمية، لما يبادلك به أهلها من احترام وكرم ضيافة.

ويصعب على المتجول في هذا الفضاء المديني القديم، المرور مسرعا، حيث يجد نفسه أمام إغراءات الطعوم، والشم، والتأمل في الجوانب المعمارية، للمحلات والبيوت، فتكاد تشعر بسحر التاريخ فعلا، حين تعرف أن الكثير من دكاكين السوق لم تتوقف عن ممارسة التجارة عبر ثمانية قرون، إن لم يكن أكثر من ذلك، حيث أن هوية المعمار هنا هو ما بين الأيوبي والمملوكي، والعثماني (التركي).

أقف هنا أنظر متخيلا كم من الناس مروا هنا؟ وكم من الأزياء والأذواق والألوان والأطعمة والأشربة؟ لقد بقي المكان هنا عامرا، كأبهى ما يون، وهو ما أكسب المكان وأهله تلك العراقة العميقة.

"تقضل أهلا وسهلا"، عبارة موسيقية تتكرر هنا، فتشعر الزائر بمدى الترحيب من جهة، ومدى عراقة البائع النابلسي، الذي شرب لغة التواصل أبدا عن جد، لربما تلبي فتفطر عند "عجعج"، صاحب عجة البيض المشهورة، والتي تؤكل بوجود شراب الرايب. وهنا في المدينة الأكثر عراقة، تستطيع تناول ثلاث وجبات مشبعات بأقل المال، بل و"التحلاية" بالكنافة الأكثر جودة، هنا عاصمة الكنافة في العالم. ولن يثقلك ماليا الجلوس على المقهى وطلب نارجيلة تمباك أو معسّل. إنها مدينة الفقير كما توصف، ففيها تستطيع العيش بأقل دخل.

في المقهى أقرأ في الصحيفة، عن تجربة اللجنة العامة لرعاية شؤون العرب النازحين في فلسطين، والتي انطلقت من مدينة نابلس، من خلال خبر عن محاضرة للمؤرخ إيلان بابيه، ضمن ندوة "مفاهيم الصمود في رحلة النزوح/ اللجوء الفلسطيني"، والذي اعتمد على أرشيف مكتبة بلدية نابلس، بالإضافة إلى روايات شفوية، استقبال اللاجئين الى نابلس وجنين وطولكرم وقلقيلية على مدار عام ونصف منذ ربيع عام 1948 حتى تأسيس وكالة الغوث 1951، من خلال مبادرة رئيس بلدية نابلس سليمان طوقان، الذي أنشاء مع السيد موسى ناصر لجنة لتقديم الموارد الغذائية والدواء والمال لمجتمع "ما كان ليبقى على قيد الحياة لولا ذلك".

حين أخبرت السيد سعيد كنعان أحد شخصيات نابلس (قبل رحيله)، عن هذه المبادرة، ذكر أنه ما زال يتذكرها حيث كان طفلا، وحدثني عن إفطار العائلة الرمضاني الذي وهبه والده لأسر اللاجئين في أحد المساءات.

أمر بطرف حارة الياسمينة، فأتذكر المسلسل الرمضاني الجديد، وحين أسال "النوابلسة" هنا، يذكرون لي أنه تم تصوير المشاهد في أكثر منن مكان، في البلدة القديمة وخارجها.

أعلم أن نابلس كانت إحدى حواضر النهضة، بما فيها من مدارس عليا ومعاهد، ومكتبات، وعلماء، لكن لم أكن أعرف أن المدينة عرفت السينما في مرحلة مبكرة من القرن العشرين، حيث كان مقرها مكتبة بلدية نابلس.

هنا برج الساعة الذي بني بمناسبة اليوبيل الفضي للسلطان عبد الحميد، والذي تم ترميمه من خلال مؤسسة التعاون التركي-تيكا. نقرأ أبيات الشعر الأربعة مدحا للسلطان. لقد تم نحتها على حجر التاريخ، أتأمل جمالية البرج وأكتشف أنه ذو بلكونين بديعين.

نمر أمام المصابن، ونتذكر تاريخا قديما، لكن نابلس الوطنية، دفعت ثمن موقفها، فكانت هدفا للاحتلال، حيث طال محاصرتها، فدفعت ثمن البطولة من الثلاثينيات وليس من الآن فقط، فقد عقدت فيها المؤتمرات المناهضة للاستعمار منذ العشرينيات قبل قرن.

في التجوال في سوق البلدة القديمة، يلفت نظرنا محدودية أعداد المتسوقين، ويبدو أن مطاردة الاحتلال لشبان "عرين الأسود"، قد أثّر على الحركة التجارية هنا. ومعروف أن سلطات الاحتلال حاصرت نابلس في الاجتياحات التي تكررت في الانتفاضة الثانية، ولم تسلم المباني التاريخية من قصف الطائرات الإسرائيلية.

أقف أمام مصبنة دار طوقان، فأتخيل الشاعر إبراهيم طوقان يردد:

كَفْكِفْ دموعَكَ ليس ينفعك البكاء ولا العويل

وانهضْ ولا تشكُ الزمانَ فما شكا إلاَّ الكسول

واسلكُ بهمَّتِكَ السَّبيلَ ولا تقلْ كيف السَّبيلُ

ويبد أن هذا هو لسان حال هؤلاء الباعة والتجار، الذين أخبروني بأنهم يكتفون اليوم بما يكفي لسد حاجات بيوتهم.

ونحن نودع المدينة شرقا، قبل منطقة حوارة المنكوبة بجرائم المستوطنين، نفتقد مبنى المقاطعة القديم، الذي تم بناؤه منذ العهد التركي في أواخر القرن التاسع عشر، حيث مول أهل المدينة هذا البناء، لتشجيع خروج العسكر من وسط الـمدينة. لقد توسعت المدينة حتى أصبح المبنى جزءا من المدينة، حيث تشجعت الأسر بالبناء خارج البلدة القديمة.

لم يكن يتخيل النوابلسة الأجداد، أن المكان سيصير سجنا لأحفادهم بعد هزيمة عام 1967، مدى أكثر من 35 عاماً، بحيث لـم يبق أي معتقل خلال هذه الفترة إلا ومر به. لقد تسلمته السلطة الوطنية لست سنوات فقط، لتمسح معظمه طائرات الاحتلال في أيار 2001، ثم لتزيل ما تبقى منه جرافات الاحتلال عام 2006.

يظل إبراهيم طوقان متأملا يقول:

ما ضَلَّ ذو أملٍ سَعى يوماً وحكمتهُ الدَّليلُ

كلاَّ ولا خاب امرؤٌ يوماً ومقصْدهُ نبيلُ

لقد اختار عشاق الحرية دروبهم، كيف لا وهم ينتسبون لكل هذه العراقة، التي يصعب على الطائرات والجرافات اقتلاعها.

×
أخبار
مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو تقرير: عقيدة ما بعد 7 أكتوبر تُعلي الهوية اليهودية وتضع إسرائيل في حالة مواجهة عسكرية دائمة تباين حاد بين استطلاعات الرأي الإسرائيلية حول موازين القوى قبل أسبوعين من انتخابات الكنيست الدفاع المدني السعودي: إطلاق الإنذار المبكر في مدينة الرياض بسبب تهديد جوي أردوغان يدين هجوم مطار الملك خالد ويتوعد الحوثيين: "سيتم تفعيل بند الدفاع المشترك في اتفاق مكة "

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط